إيمان نمر خزعل: نساء في مهبّ الحرب
رواية إيمان نمر خزعل «نساء في ردهة الانتظار»، صرخة مختنقة في فضاء الحرب، شهادات متصاعدة كدخان البراكين تخترق ركام المباني التي أحالها القصف الإسرائيلي أكواماً من الحجارة


حاولت النساء السبع مغادرة المبنى بعد سماع أصوات القصف، فوجدن أنفسهن في أحد الطوابق على مدخل إحدى الشقق التي انفتح بابها على إثر صاروخين أصابا المبنى. فجّرت تلك الردهة الأحاسيس، والذكريات والتجارب الإنسانية، وعذابات الحياة، وآلام الواقع التي أسهم فيها العدوان الإسرائيلي المزمن المتداخل مع جوانب آلام الحياة اليومية وعلى نحو خاص المناطق المفتوحة على العدوان.
أطلقت الرواية العنان لتفجير ما تختزنه قلوب «سيّدات الردهة» من عذابات وآلام وقهر لتتحوّل إلى شهادات تحمل في طياتها عبراً تاريخية موثقة بقلم إحداهن المدونة لتلك العذابات كأنها وصاياهن الأخيرة.
لم تكن شخصيات «الردهة» شخصيات صارخة مولولة، رغم حضور عوامل الخوف واليأس وترقّب المصير، لكنها شخصيات متأملة متبصّرة تعروها مسحة من التشاؤم واليأس لا تمنعها من أن تبوح بمكنوناتها وتطلق الشحن القابع داخلها.
تتداخل وتتمازج عناصر الرواية بشكل تدريجي وتفصيلي مثل الخوف والقهر والحس الجمعي والرحيل والانتظار والطفولة والصدق والحقيقة والغضب والمصير والندم، كلّها موضوعات دارت حولها الرواية. فأم آدم مثلاً تفقد طفلها ابن الثلاث سنوات على يد قنّاص، ولكن بسبب نزواتها التي كانت تسعى إليها. والنتيجة همّ دائم تحمله على ظهرها مدى العمر، فهي ترفض رحيله وتعتبره حيّاً يشغلها من دون انقطاع.
من جهتها، تعلّقت شهيناز بمخلوق مُصاب «بتشوّه داخلي» وقد «عشت ازدواجية تنامت داخلي... لا زلت أحمل ندوبه والجراح المفتوحة»، وهذا ما أدى إلى ما تعتبره «انهزام الله في داخلي»، أي الانتقال إلى التفكير الشيطاني الانتقامي... «لقد تحوّلت شهيناز إلى قاتلة بمفعول رجعي وبجريمة مستمرة، فهي تقتل نفسها كل يوم».
ميساء بدأت قصّتها مع انهيار «منظومة المعتقدات» «كنت وصلت إلى مركز مرموق في عملي... لا بل كنت من المرشحين الأكثر حظّاً لتقلّد منصب غاية في الأهمية، عندها حضر من يُساومني على تقرير أعدّه بشأن إحدى المجازر المرتكبة بحق مدنيين عُزّل في ما يُشبه الإبادة الجماعية. رفضت بشدّة، وكانت النتيجة قراراً بإقالتي من جميع مناصبي وإعادتي إلى المركز الذي بدأت منه، وبعد وعدي بإعادة الحال إلى ما كنت عليه... نسيت كل مشاعر التعاطف التي كانت تؤرقني... لقد عقدت قراني على الشيطان».
معايشة حسّية ولحظيّة للزمن المتداخل مع الأحاسيس
أما «هيا» التي فقدت والدها في حرب تموز ولم يكن عمرها سنتين، فلم يبقَ لها منه إلا صورة بالأبيض والأسود معلّقة على الحائط... وهي لم ترَ أمّها يوماً تبتسم. وهي تتعذّب لأنها زادت من أعباء أمها من خلال سلوكها «فبدل مساعدتها ورفع رأسها فعلت ما قد يشعرها بالعار».
«نساء في ردهة الانتظار» ليست نصوصاً أملتها بنات الأفكار بقدر ما هي معايشة حسّية ولحظيّة للزمن عندما يمتزج مع الأحاسيس، ومواكبة التجارب حين تعصف بها رياح هائجة، وتجربة شخصيّة عندما تحمل الأيام انهيارات أحلام اليقظة، «تماماً كما حصل معي في ذلك اليوم، عندما كنت بعضاً من حدث وأصبحت شاهدة عليه».
وتماماً «عندما سكتت أم آدم للحظات وأدركت أنها تحاول إخفاء ما تبقّى من قصتها ومن وجعها... التقت نظراتنا فخفضت رأسها لإخفاء ما قد قرأته في عينيها»، وعندما «انصاعت السيّدات لأم آدم فتوجهن إليها مبتسمات راضيات استشعرت خفتهن التي لا زلت أتوق لأن أُحسها ولو للحظات» «لم أعد أذكر ما الذي حصل حينها. مرّت النساء أمامي بكامل أناقتهنّ، مبتسمات تنمّ وجوههن عن راحة عميقة». تلك كانت راحة الرحيل بهذه الصورة الدراماتيكية بعد أن نزل بالمبنى الصاروخ الأخير.
تصل الرواية إلى حبكة التداخل الشخصي للمأساة الجماعية: النساء رحلن إلى عالم الخلود، وهيا بقيت في عالم الغيبوبة التي ليست من الموت المطلق وطبعاً ليست من عالم الحياة وإنما من عالم آخر التعايش معه من دون إحساس محدد وخارج الزمان والمكان.
تخلص الرواية إلى أن الإنسان أثناء الغيبوبة التي هي حالة من النوم المتقطع الممزوج بالألم والخدر يرى رغباته وخوفه وأمنيات في أوضاع متجسّدة متوافقة مع كل حالة متقلّبة، حتى حسم الأمر مع الطبيب الذي قال: إن من تسألين عنه ليس موجوداً، لقد زارتها الروح المتجسدة في الإنسان الذي أحبت وقرأت اسمه على لوحة القبر.
رواية إيمان نمر خزعل صورة مصغّرة عمّا جرى ولا يزال يجري في عالمنا العربي، وفي بعض أصقاع العالم من غزّة إلى السودان إلى سوريا إلى العراق، وما تتركه وتسهم فيه حالات التسيّب الاجتماعي والأمني والاقتصادي والإنساني والمعرفي. عالم عربي وإنساني واسع متجسّد «بردهة».
