فرنسا تخاف آلاء القطراوي؟
رغم اختيارها ضمن برنامج «بوز» التابع لمؤسسة «كوليج دو فرانس»، المخصّصة لحماية الفنانين والباحثين في مناطق النزاع، لا تزال الشاعرة الفلسطينية آلاء القطراوي عالقة في غزة، في انتظار السماح لها بالمغادرة، وفق ما نقله موقع «تيليراما».


رغم اختيارها ضمن برنامج «بوز» التابع لمؤسسة «كوليج دو فرانس»، المخصّصة لحماية الفنانين والباحثين في مناطق النزاع، لا تزال الشاعرة الفلسطينية آلاء القطراوي عالقة في غزة، في انتظار السماح لها بالمغادرة، وفق ما نقله موقع «تيليراما».
أثارت قضيتها، إلى جانب 86 فلسطينياً آخرين من المستفيدين من البرنامج، انتقادات واسعة في الأوساط الثقافية الفرنسية، بعدما طالب فنانون ومثقفون، من بينهم ليلى السليماني وآنييس جاوي، الحكومة الفرنسية بتوضيح أسباب تأخر عمليات الإجلاء ومنح التأشيرات.
شاعرة غزة التي كتبت الفقد
القطراوي هي شاعرة وكاتبة فلسطينية من مواليد غزة عام 1990، تُعدّ من الأصوات الشعرية التي برزت في المشهد الثقافي الفلسطيني. درست اللغة العربية وآدابها وحصلت على الدكتوراه في الأدب العربي، وعملت في مجال التعليم إلى جانب تجربتها الإبداعية.
عُرفت عربياً بعد مشاركتها في برنامج «أمير الشعراء» عام 2017، كما حصدت جوائز أدبية عدّة. تحضر غزة في نصوصها، بوصفها ذاكرةً ومكاناً للفقد والصمود، وهي تجربة ازدادت قسوةً خلال الحرب الأخيرة، بعد استشهاد أطفالها الأربعة في قصفٍ إسرائيلي على منزلهم في خان يونس، لتصبح قصائدها شاهدةً على مأساة شخصية تختصر جانباً من الوجع الفلسطيني الجماعي.
رسالة عبرت الحصار
بدأت قصة القطراوي من قصيدتين وصلتا إلى الروائي والمزارع الفرنسي ماثيو يون في أيار (مايو) 2025، ضمن مختارات من الشعر الغزّي المعاصر، ترجمها الكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي. لم يكن يون يعرف الكثير عن الشاعرة، سوى أنها فقدت أطفالها الأربعة، لكن نصوصها دفعته إلى التواصل معها، لتبدأ مراسلات يومية بينهما عبر «واتساب»، حضرت فيها القصائد بقدر ما حضرت أخبار الحرب والخوف والحياة اليومية تحت القصف.
مع تصاعد الحرب الإسرائيلية على القطاع، شجّع يون الشاعرة على التقدم إلى برنامج «بوز»، الذي يوفر للفنانين والباحثين المهددين بسبب النزاعات، إمكانية الحصول على منحة ومغادرة مناطق الخطر، عبر استقبالهم في مؤسسات أكاديمية أو ثقافية فرنسية. وقد حصل ملف القطراوي على دعم جمعية «بيز آر نوماد» الثقافية في منطقة دروم، التي تنظّم مهرجانات وإقامات فنية وبرامج ثقافية، وتعهّدت بمرافقتها خلال وجودها في فرنسا.
اضراب تضامناً مع الشاعرة
ورغم قبولها، لا تزال القطراوي تنتظر خروجها من القطاع، في ظل تجميد عمليات الإجلاء منذ صيف عام 2025. دفع هذا الواقع «التجمع من أجل آلاء»، الذي يضم يون، إلى إطلاق نداء عام نُشر في صحيفة «لا تريبون ديمانش» في السابع من حزيران (يونيو)، مطالباً بحماية حياة الفنانين والباحثين وما يمثلونه من ذاكرة ثقافية فلسطينية.
وفي محاولة للضغط من أجل إخراجها من غزة، قرر يون في أيلول (سبتمبر) الماضي، نقل معركته من حقوله في منطقة دروم إلى أمام وزارة الخارجية الفرنسية في باريس. وفي نص نشره على موقع «روبورتير» وصف القطراوي بـ«أخته»، معلناً عن دخوله في إضراب مفتوح استمر لأسابيع، تحت شعار «سيدي الوزير، أخرجوا أختي من غزة».
يومها جلس يون من التاسعة صباحاً حتى السابعة مساءً، على مقعد عام في رصيف أورسيه، بين مقر الوزارة والجمعية الوطنية الفرنسية، مطالباً باستئناف استقبال الفلسطينيين العالقين. وأكد أنّ تحركه هو لرفض بقاء حياة يمكن إنقاذها رهينة الحسابات السياسية، داعياً الكتّاب والفنانين والموسيقيين إلى تحويل المكان إلى مساحة تضامن مع آلاء وجميع الغزّيين المنتظرين فرصة الوصول إلى فرنسا.
تبريرات رسمية
من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الفرنسية أنها تتابع الملف، وأنها تعمل على تمكين الحائزين البرنامج من الوصول إلى فرنسا، مشيرةً إلى أنّ عمليات الإجلاء من غزة تواجه «تعقيدات كبيرة». لكن هذه التبريرات لم تقنع القائمين على البرنامج، خصوصاً بعدما بقيت الإجراءات معلّقة على إثر قرار باريس تشديد التدقيق الأمني، عقب قضية طالبة فلسطينية أُجلِيت إلى فرنسا، وكُشف لاحقاً عن منشورات قديمة لها وُصفت بأنها معادية للسامية.
وتؤكد مديرة برنامج «بوز» لورا لوهياك، أن تلك الطالبة لم تكن أصلاً من المستفيدين من البرنامج، معتبرة أنّ وقف الملفات بسبب هذه القضية، تحوّل إلى «عقوبة جماعية» بحق أشخاص ينتظر بعضهم منذ أكثر من عام ونصف فرصة الخروج. وتشير إلى أن دولاً أخرى، من بينها إيطاليا، تمكنت خلال الفترة نفسها من إيجاد حلول وتنظيم عمليات إجلاء، عبر آليات مثل الممرات الجامعية.
وترى الكاتبة ومديرة المتحف الوطني لتاريخ الهجرة في فرنسا كونستانس ريفيير، وهي من الموقّعين على النداء، أنّ القضية تكشف تناقضاً في التعامل مع الأشخاص القادمين من مناطق الحروب. وتقول إنّ البرنامج أنشئ لحماية شخصيات مهددة، لكن وصول بعض من اختارهم بات معطلاً من دون تفسير واضح. وتشير إلى أنّ استقبال باحثين وفنانين لا يثير دائماً النقاش نفسه، معتبرة أنّ كون المستفيدين قادمين من فلسطين وغزة تحديداً يزيد حساسية الملف.
