عارف الريس: تشظيات الحداثة اللبنانية
بين الحرب والطبيعة، وبين الالتزام السياسي لقضايا تحرر الأوطان أولها فلسطين، والتجريب الجمالي، شقّ عارف الريس (1928-2005) مساراً استثنائياً في الفن التشكيلي اللبناني والعربي.


بين الحرب والطبيعة، وبين الالتزام السياسي لقضايا تحرر الأوطان أولها فلسطين، والتجريب الجمالي، شقّ عارف الريس (1928-2005) مساراً استثنائياً في الفن التشكيلي اللبناني والعربي. ومع معرض «أحب الزهور كما النجوم» في «غاليري صفير ـ زملر»، تعود أعماله لتكشف تعدد عوالمه الفنية، وقلقه الإبداعي، وسعيه الدائم إلى ابتكار لغة بصرية جديدة
عُرِفَ عارف الريس (1928-2005) كأحد روّاد الحداثة الأولى في الفن التشكيلي اللبناني. اشتهر بدينامية خاصة تميّزه من خلال تخطيه المستمرّ لذاته وتطوير أشكال تعبيره وتيماته. هو نادراً ما يرسم اللوحة ذاتها، قافزاً من أسلوب إلى آخر في حركة تخطف الأنفاس والألباب، وكاسراً الحدود بين التعبيرية والتكعيبية والفريسك المكسيكي والتجريد الأميركي والكولاج.
يعود دوماً إلى نقطة البدء، ليبقى لديه ما يفاجئ به باستمرار. بروق خاطفة وبدايات متتالية ومبادرات لا تُستنفد، على خلفية معرفة وثقافة مشهودتين له. لم يتوقف يوماً عن التجريب ومحاكاة قضايا زمنه، ولم يتوقف عن الرسم حتى آخر ساعة من حياته. تجتمع لديه كل التأثيرات الغربية والأفريقية والشرقية، مع اهتمامات فلسفية وإحساس تراجيدي ولّدته الحرب الأهلية اللبنانية، فضلاً عن البعدين الإنساني والجمالي الماثلين دوماً في لوحته ومنحوتته.
من أفريقيا إلى المكسيك: تكوين فنان استثنائي
امتلك عارف الريس حدساً صافياً وقوياً وموقعاً فريداً في الحداثة الفنية العربية. تأثر بالفن الأفريقي الذي شكل مصدر إلهام رئيسياً له لناحية دينامية التكوين والخطوط السميكة والأشكال الهندسية والألوان المشبعة والأسود القاتم. كما تأثر بالفن المكسيكي، وبالأخص جداريات دييغو ريفيرا.
انطلقت مسيرته المتميزة رسماً ونحتاً وليتوغرافيا، وتعدّدت مراحله الفنية فتكثفت حيناً وشفّت حيناً آخر، فهو خام وفجّ في آن واحد، بسيط وملتزم، بريء ومتمرّد. يرسم ويلوّن وينحت، وهو في الحالات الثلاث أقرب إلى نظام الكتلة في اللوحة التي تفصلها خطوط قوية. تقنياته تُبرز أساليب متعددة، بدءاً من اللوحة الزيتية، مروراً بالكولاج، وصولاً إلى الجداريات الضخمة. اشتغل بالأبيض والأسود ومادة الأكريليك التي يفضّلها على ما عداها لكونها لزجة وقابلة للتكيّف في تكوين الشكل.
خرج إلى الطبيعة والزهرة الضعيفة التي أضحت هشة نوعاً ما في الأزمنة الحديثة. احترم المرأة المكسورة الضعيفة ورسم حتى بائعة الهوى في بيروت يوم كانت ملاذاً للمضطهدين. حطّم كل أصناف التابو المتعلقة بالمرأة المستلبة، ولم يتجرأ أحد قبله على رسم المرأة المضطهدة في بيئتها.
باريس وفلورنسا وروما: رحلة البحث عن الذات
انخراطه الباريسي في أجواء المثقفين ورموز الفلسفة الوجودية أغنى ثقافته وحسّه الإنساني وحدّد علاقته بالمدارس الفنية المشهورة في أواسط القرن الماضي. لكن باريس بقيت له متاهة حقيقية وأشعرته بالضياع الذي لم يخرج منه حتى عودته إلى لبنان عام 1957.
عاد إلى قريته الجبلية عاليه، ثم نال منحة دراسية لدراسة النحت في فلورنسا على يدي الفنان الإيطالي بيرتي، ثم مع جياكوميتي في روما. بنى في إيطاليا صداقات فنية كثيرة فكانت الفترة الأجمل في حياته.
-
من المعرض. بإذن من «غاليري صفير-زملر»
لم يكتفِ بالرسم والنحت وإقامة المعارض في بلده وفي المدن العالمية وصولاً إلى نيويورك، إذ كان كثير الانفتاح والسفر، بل أصدر أيضاً عشرة كتب، من أبرزها «مائة عام من الفنون التشكيلية في لبنان 1880-1980» الذي صدر عام 1982 و«الأيام الرمادية» (2003). كان شديد التأثر بالتطورات السياسية في المنطقة العربية وفي لبنان، من موقعه كفنان إنساني ملتزم، وكان الحدث السياسي أو التحرّري، من فلسطين إلى الجزائر، ملهماً للوحته وإزميله، إذ لم يكن للفن معنى لديه خارج روح الالتزام والتعبير الفني.
الحرب بوصفها جرحاً تشكيلياً
مناسبة الحديث عن عارف الريس هي المعرض الاستعادي لبعض أعماله الفنية تحت عنوان «أحب الزهور كما النجوم» الذي تقيمه «غاليري صفير ـ زملر» في وسط بيروت بالتعاون مع ابنة الفنان هالة الريس. يضمّ المعرض أكثر من خمسين لوحة أُنجزت بين عامي 1958 و1980، لكنها لا تعكس تطوراً كرونولوجياً، بل تبدو كحقل توتر بصري ينطوي على انقطاعات حادة في وعي الفنان الراحل، وتحولات في الرؤى والأسلوب لا تخلو من قلق بنيوي حيال الفن ودوره.
تتسلل التوترات الطائفية في الجبل إلى سطح اللوحة
ثمة ملامح انتماء واضح إلى البيئة المحلية في الأعمال المنفذة بتقنية الغواش في أواخر الخمسينيات، كالبورتريهات ذات الطابع الجبلي والوجوه التي تعكس هوية جماعية لأهل الجبل. وتظهر في هذه المرحلة حساسية الفنان الباكرة إزاء هشاشة التوازن الاجتماعي في بيئة الجبل، حيث تتسلل التوترات الطائفية إلى سطح اللوحة، ليس كموضوع مباشر بل كظل ثقيل يخيّم على تكوينها.
الانعطافة الحاسمة في رحلة الريس التشكيلية تتبدّى في أعمال الحرب، وبالأخص تلك التي يتضمنها كتاب «في طريق السلم» (1976-1977)، حيث تتنازل اللوحة عن كل إغراء جمالي لتتحول إلى أثر تقشفي يكاد يكون فناً مضاداً. هنا لا يبقى الرسم وسيلة تمثيل، بل يغدو مساحة صدمة ذات خطوط مرتجفة، وتقشفاً في الوسائط، وانحيازاً إلى الأبيض والأسود، تعبيراً عن قسوة الحرب اللبنانية وتداعي ثقة الفنان بقدرة الصورة على احتواء المأساة.
لا تصوّر اللوحة الحرب بل تتصدّى لها، وتتشظّى تحت عنفها وتفقد وظيفتها الفنية المحضة. غير أن هذا الانكسار لا يفضي إلى صمت نهائي، بل يستحيل نقطة انطلاق نحو إعادة تركيب العالم بصرياً.
«أحب الزهور كما النجوم»: صورة ناقصة لإرث كبير
ثمة في جانب آخر أعمال متأثرة بلقاء الريس مع المعماري المصري حسن فتحي، حيث تظهر محاولة جلية بحثاً عن نظام بديل، وعن هندسة تقاوم الفوضى، وبنية تعيد تنظيم العلاقة بين الكتلة والفراغ. البيوت الطينية والقناطر والزخارف مستعادة هنا لا بوصفها عناصر تراثية، بل بكونها اقتراحاً بصرياً لنظام محتمل في مواجهة واقع فقد تماسكه. ولا تخلو هذه العودة الشرقية من مفارقة، فهي تبدو أحياناً أقرب إلى يوتوبيا جمالية تنتج شرقاً متخيّلاً لا واقعياً.
أمامنا على جدران المعرض، في المقابل، لوحات الطبيعة والأزهار التي لا تخلو أيضاً من ضيق مكتوم، فالألوان التي تبدو للوهلة الأولى زاهية واحتفالية تغلّف شعوراً بدرء الظلام الداخلي. اللون هنا لا يعبّر عن صفاء، بل عن بحث عن طمأنينة قد توفرها الطبيعة. تبدو الأشكال والألوان الجميلة مهددة بالزوال، متخيّلة وغير حقيقية، نابعة من الداخل لا من الخارج.
ومثلها سلسلة «الأمير الصغير» (1979-1980) التي أنجزها الفنان عن حمل زوجته بابنته هالة. تتحوّل تجربة الأبوة إلى نظام رمزي معقّد تترجم فيه الأشكال الدائرية والخطوط العمودية والأفقية والتدرجات اللونية إلى لغة بصرية تسعى إلى فهم تشكّل الحياة. وبدلاً من الاحتفاء بالبداية، يبدو الفنان محاولاً احتواء قلقه والسيطرة عليه، بين دهشة وخوف، وفرح ولا يقين.
لا يقدم المعرض الحالي صورة متماسكة ومتكاملة عن فن عارف الريس، مكتفياً بمجموعات تنتمي إلى محطات غير مكتملة، كأنها نثار تجربة. ورغم جمال محتوياته، فإنه يوفّر صورة مجتزأة عن تجربة عارف الريس الذي بات يحتاج ربما إلى متحف دائم لأعماله، لا إلى استعادة عابرة. فالتجربة غنية جداً والإرث أيضاً غني، وهما يستحقان فسحة ثابتة ودائمة ومتاحة، لا مجرد فرصة مؤقتة وعابرة.
* «أحب الزهور كما النجوم»: حتى 14 آب (أغسطس) ـ «غاليري صفير-زملر» (وسط بيروت) ـ للاستعلام: 01/444288
