الجامعة اللبنانية... جامعة الأغنياء!
بعيدًا عن عقد المقارنات بين فروع الجامعة اللبنانية أو الانتقاص من قيمة أي منها، ينصبُّ حديثي في هذه السطور على كلية الفنون الجميلة والعمارة (الفرع الثاني) لسبب بسيط يعود إلى أن مشاريع التخرج التي أتيحت لي مواكبتها هذا العام كانت فيه حصراً.


بعيدًا عن عقد المقارنات بين فروع الجامعة اللبنانية أو الانتقاص من قيمة أي منها، ينصبُّ حديثي في هذه السطور على كلية الفنون الجميلة والعمارة (الفرع الثاني) لسبب بسيط يعود إلى أن مشاريع التخرج التي أتيحت لي مواكبتها هذا العام كانت فيه حصراً. وربما لم يتسنَّ لي الاطلاع على النتاج الكامل لجميع الكليات، لكنّ نقطة من البحر، كما يرى المتصوفة، تحمل سرَّ البحر كله. وكانت هذه العينة التي عاينتها كفيلة بأن تظهر لي حجم الجهد المبذول، ومدى وفرة المواهب الكامنة في الجامعة اللبنانية.
ما لفتني في هذا الفرع، هو تلك المساحة الواسعة من الحرية الممنوحة للطالب. والحرية هنا ليست امتيازاً إضافيًّا، إنّما هي الشرط الأول لأي عملية إبداعية حقيقية. فالفنان لا يستطيع الابتكار وهو يشعر بأن خياله مراقَب، أو أن أسئلته مؤجلة، أو أن صوته مقيّد. العمل الفني ينبثق من الحرية، وإذا ضاقت، ضاق معها الفن.
ولعل ما جعلني أقدّر هذه المساحة أكثر هو شعوري، من خلال متابعتي للحياة الجامعية في لبنان، أن كثيرًا من الجامعات، وحتى بعض فروع الجامعة اللبنانية نفسها، لم تسلم من هيمنة الاصطفافات الحزبية على المناخ الطلابي. ولست هنا في معرض مهاجمة الأحزاب أو حق الطلاب في قناعاتهم السياسية، فهذا حق طبيعي، لكن المشكلة تكمن عندما تتحول الجامعة إلى امتداد للاستقطاب السياسي، فيجد الطالب نفسه مضطراً إلى مراقبة أفكاره قبل التعبير عنها، أو وزن خياله بميزان الانتماءات. عندها يصبح الإبداع أول الخاسرين لأن الفن بطبيعته لا يزدهر إلا في فضاء حر، يتيح للفنان مساءلة المُسَلَّمات، والذهاب بالخيال إلى أقصى مدى من دون خوف أو وصاية. من هنا، بدا لي أن الفرع الثاني استطاع، إلى حد بعيد، الحفاظ على مناخ أكاديمي يمنح الطالب مساحة أرحب للتجريب والاختلاف، وهو ما انعكس مباشرة على الأعمال التي شاهدتها.
وهذه الفكرة تستدعي مقولة أدونيس: «لا حرية للإنسان العربي لكي يفكر بحرية». ولعل مهمة المؤسسات الأكاديمية الفنية اليوم هي تجاوز هذا الواقع المأزوم، وأن تفتح أمام طلابها آفاقًا للتجريب، والخطأ، والاختلاف، وطرح الأسئلة، فالإبداع لا يولد من الانصياع، بل من الحرية.
ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة من دون التوقف عند قيمة الأساتذة الذين رافقوا الطلاب في أقسام المسرح والفنون التشكيلية. فما شاهدته لم يكن مجرد تدريب على تقنيات الأداء أو التّشكيل أو الإخراج، بل كان صقلاً لفنانين يبحثون عن العمق، ويملكون جرأة المغامرة، ويقارِبون الفن بوصفه سؤالاً معرفيًّا وإنسانيًّا قبل أن يكون مجرد مهارة تقنية.
كما كشفت لي هذه المشاريع أمراً آخر لا يقل أهمية: قدرة هؤلاء الشباب على تحويل ما عاصروه من حروب وأزمات وانهيارات وضغوط إلى طاقة إبداعية. لقد استطاعوا استثمار الألم ليصنعوا فنًّا، وتحويل الصدمات إلى أسئلة، والأسئلة إلى أعمال تستحق التوقف أمامها مليًّا. وهذا ليس بالأمر اليسير في بلد عاش كل هذا القدر من الانكسارات.
مناخ أكاديمي يمنح الطالب مساحة للتجريب والاختلاف
ومع ذلك، يبقى حلمي أكبر من هذا كله. حلمي ألا يظل الفن مضطرًّا دائمًا إلى الانبثاق من رحم المآسي. أتمنى أن يأتي يوم نصنع فيه أعمالاً عظيمة لأننا نعيش حياة كريمة، لا لأننا نحاول النجاة من الخراب. أن نفرح بالفن لذاته، لا بالألم الذي أنجبه. وألا نبقى نصفق لممثل لأنه موجوع، أو لشاعر لأن حياته كانت مأساوية، بل لأن المجتمع الذي يحتضنه منحه الطمأنينة والحرية، فاختار أن يبدع شغفًا وحبًَّا.
إن أكثر ما أسعدني في مشاريع التخرج هو شعوري بأن الغاية الأسمى كانت العمل الفني نفسه. إذ تجلّى الإتقان، والبحث، والصدق، والرغبة في بلوغ أقصى مستويات العطاء. وربما لأن المشروع يُقدَّم داخل أسوار الجامعة وتحت إشراف أكاديمي، كان الهاجس الأول هو جودة العمل، وليسَ إرضاء الجمهور أو ملاحقة النجاح السريع.
وهنا أود أن أوجه رسالة إلى هؤلاء الطلاب الذين أحيّيهم فردًا فردًا: لا تسمحوا لهذه المعايير أن تتبدل عندما تغادرون محترفاتكم الجامعية. لا تجعلوا السوق يخفض سقفكم الفني، ولا تدعوا هاجس الشعبية يدفعكم إلى التنازل عن الجرأة أو العمق أو الصدق. حافظوا على ذلك الشغف الذي رأيناه في مشاريع تخرجكم. فالجمهور اليوم بأمسّ الحاجة إلى أعمال فنية تحترم عقله، وتمنحه تجربة جمالية وفكرية حقيقية.
ولكي أكون واضحًا، لست ضد أن يكون الفن مهنة، ولا ضد أن يعيش الفنان من نتاجه. فالفن منذ أقدم العصور كان يُنتج ويُعرض ويُباع.
المشكلة ليست في بيع العمل الفني، إنما في تحويله إلى سلعة رخيصة، وفي أن تصبح الغاية الربحية أعلى من القيمة الفنية. حينها يبدأ التراجع الحقيقي، لأن الفنان لا يعود يسأل: «ما الذي أريد قوله؟»، بل: «ما الذي يُباع أكثر؟». والفارق بين السؤالين هو الحد الفاصل بين الفن الحقيقي والمنتج الاستهلاكي.
كثيراً ما تُوصف الجامعة اللبنانية بأنها «جامعة الفقراء»، وربما حان الوقت لإعادة النظر في هذا الوصف الفضفاض. فالجامعة ليست ملاذ من لا يستطيع دفع الأقساط، إنما هي حواضن من يبحث عن غنى المعرفة، وثراء الفكر، وآفاق الحرية. الفقر الحقيقي ليس في الجيب، بل في الرؤية، وفي الخيال، وفي غياب الجدية تجاه المعرفة. ومن هذه الزاوية، بدت لي الجامعة اللبنانية «جامعة الأغنياء» بالفكر، لا الفقراء بالمال. إنها جامعة الشعب، نعم، لكنها أيضًا، جامعة كل من يؤمن بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، بل بما يعرف، وبما يبدع، وبما يضيفه إلى هذا الوجود.
إلى طلاب كلية الفنون الجميلة والعمارة - الفرع الثاني، وإلى أساتذتهم وإدارتهم، كل القدرِ والاحترام. ما شاهدته منحني جرعة نادرة من الأمل، وأعاد إليّ الثقة بأن الجامعة اللبنانية ما زالت قادرة على تخريج فنانين يؤمنون بأن الحرية مسؤولية، والفن فعل مقاومة للرداءة، وانحياز دائم إلى الحقيقة والجمال.
