ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

عمل بحثي ينقّب في سيرة المرأة خلف «النبي»: سليم مجاعص يفتح غُرَف جبران المغلقة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

قبل مادلين مانهايم بـ16 عاماً، كان جبران قد دخل الفرنسية، فيما حُذفت من إحدى ترجماته مقاطع تنتقد المؤسسة الكنسية.

بول مخلوف
بول مخلوف
السبت 4 تموز 2026
عمل بحثي ينقّب في سيرة المرأة خلف «النبي»: سليم مجاعص يفتح غُرَف جبران المغلقة
الخط

قبل مادلين مانهايم بـ16 عاماً، كان جبران قد دخل الفرنسية، فيما حُذفت من إحدى ترجماته مقاطع تنتقد المؤسسة الكنسية. في «مترجمة جبران»، ينبش سليم مجاعص أرشيفاً منسياً، ويكشف كيف أعاد المترجمون تشكيل نصوص صاحب «النبي»، وكيف أسهمت امرأة غابت عن الضوء في صناعة عالميته


منذ عقود، وسيرة جبران خليل جبران (1883 ــ 1931) تبدو كأنها قد استُنفدت. الرسائل نشرت، واليوميات نوقشت، والعلاقات الشخصية تناولتها عشرات الدراسات، حتى خُيّل لكثيرين أنّ الرجل لم يعد يخفي شيئاً. غير أن الباحث اللبناني سليم مجاعص يبرهن أنّ الأرشيف لا يعترف بهذه الأحكام النهائية، وأنّ التاريخ الأدبي يبقى مليئاً بالغرف المغلقة التي يفتحها من يمتلك فضول الباحث وصبر المنقّب.

يذهب الباحث اللبناني سليم مجاعص في كتابه «مترجمة جبران» (يصدر قريباً عن «دار كتب») إلى منطقة لم يسبق أن أفردها أحد ببحث مستقل. بدلاً من إعادة قراءة جبران نفسه، اختار أن يقرأ المرأة التي أسهمت في عبوره إلى الفرنسية، وهي الشاعرة الأميركية مادلين مايسون مانهايم، أول مترجمة لكتاب «النبي» إلى الفرنسية، وهي المرأة التي ربطتها علاقة صداقة قوية مع جبران وحام حول علاقتهما الكثير من الشبهات.

للوهلة الأولى، قد يبدو الموضوع هامشياً، أشبه بمحاولة لاستكمال فراغ صغير في السيرة الجبرانية. لكن سرعان ما يكتشف القارئ أنّ هذا «الهامش» يخفي وراءه تاريخاً ثقافياً كاملاً، وأن سيرة المترجمة ليست إلا مدخلاً لإعادة النظر في الكيفية التي خرج بها جبران من لغته الأولى إلى العالمية.

تكمن فرادة الكتاب في أنه لا ينطلق من سؤال فضولي عن امرأة ارتبط اسمها بجبران، بل من سؤال معرفي أكبر: كيف تصنع العالمية الأدبية؟ هل تصنعها عبقرية الأديب وحدها؟ أم أنّ وراء كل كاتب عالمي مجموعة كاملة من المترجمين والناشرين والوسطاء الثقافيين الذين يفتحون للنص أبواب اللغات والثقافات الأخرى؟ من هنا تصبح مادلين مايسون مانهايم أكثر من مترجمة، إنها واحدة من الشخصيات التي شاركت، بصمت، في صناعة جبران الذي عرفه العالم.

من هنا تحديداً تنبع أهمية كتاب مجاعص. هو لا يضيف اسماً جديداً إلى الدراسات الجبرانية فحسب، بل يفتح ملفاً ظلّ لعقود خارج اهتمام الباحثين العرب. فالكتابة عن جبران بقيت، في معظمها، تدور حول حياته الشخصية، ورسائله، وعلاقاته النسائية، وأفكاره، بينما ظل تاريخ انتقاله إلى اللغات الأخرى موضوعاً هامشياً، رغم أنه أحد المفاتيح الأساسية لفهم حضوره العالمي. وهنا ينجز سليم مجاعص عملاً أقرب إلى إعادة تأسيس هذا الحقل، لا إلى مجرد الإضافة إليه.

الأرشيف بوصفه مغامرة

اللافت في هذا الكتاب، قبل أي شيء، هو منهجيته. لا يتعامل سليم مجاعص مع الوثيقة كمادة جاهزة للاقتباس إنما بوصفها لغزاً ينبغي تفكيكه. هكذا، لا يكتفي برسالة أو خبر صحافي أو صورة قديمة، بل يقابلها بوثائق أخرى، ويختبرها في ضوء سجلات السفر، والإحصاءات الرسمية، والجرائد الأميركية والفرنسية، والمحفوظات، ليعيد بناء الوقائع قطعةً قطعة، كما لو أنه يعيد ترميم فسيفساء تاريخية تفرّقت أجزاؤها في أكثر من بلد.

تعرّض نصّ «مرتا البانية» لحذف بعض المقاطع المتعلقة بنقد المؤسسة الكنسية

يفتح مجاعص إذاً دروباً كانت معتمة، في كتابةٍ أنيقة وممتعة، وإذ بالقارئ لا يشعر بأنه أمام كتاب أكاديمي جامد، بل أمام تحقيق ثقافي مشوّق أو نص أقرب إلى الروايات البوليسية. فالأرشيف عند مجاعص فضاء للسرد، والوثيقة تأتي لفتح السؤال على أسئلة أخرى وهكذا تتفتح الدروب. حتى التفاصيل التي تبدو عابرة، كتاريخ ميلاد مادلين، أو تنقلاتها، أو الرسائل التي تبادلتها مع جبران، تتحول إلى عناصر لفهم بنية العلاقات الثقافية التي أحاطت بالكاتب اللبناني في سنوات صعوده العالمية.

والحال، تعدّ هذه المنهجية إحدى أهم مزايا الكتاب. لا يكتفي مجاعص بإعادة نشر الوثائق، بل يمنحها معنى. إنه يحوّل الأرشيف إلى نص قابل للقراءة، ويجعل من الوثيقة مادةً للتأويل، ما يمنح الكتاب حيويةً تفتقدها كثير من الدراسات الوثائقية، التي تغرق في التفاصيل حتى تفقد قدرتها على إنتاج المعرفة.

ما قبل مادلين... إعادة كتابة تاريخ الترجمة

من الأفكار اللافتة التي يقدمها الكتاب أنه يهدم، بهدوء الباحث الواثق، تصوراً شائعاً مفاده أنّ ترجمة مادلين لـ«النبي» سنة 1926 كانت بداية حضور جبران في العالم الفرنكوفوني.
من خلال تنقيب واسع في الصحافة الفرنسية والمهجرية، يكشف مجاعص أنّ جبران دخل الفرنسية قبل ذلك بستة عشر عاماً، عندما ترجم ميخائيل يوسف بيطار قصة «مرتا البانية» سنة 1910، ثم تبعتها ترجمات أخرى لأعماله الإنكليزية، قبل أن تأتي مادلين وتمنح «النبي» مكانته الفرنسية الواسعة.

وهنا لا يقتصر إنجاز المؤلف على تصحيح معلومة ببليوغرافية، بل يعيد رسم خريطة كاملة لانتقال جبران إلى أوروبا. فالعالمية، كما يكشف هذا الكتاب تأتي بعد مسار طويل من الترجمات واللقاءات والوسطاء الثقافيين، يبدأ بخطوات صغيرة قبل أن يتحول إلى ظاهرة أدبية.
لعلّ أهم ما في هذا الفصل أنّ المؤلف لا يكتفي بذكر الترجمات، وإنّما يحللها، ويقارن بين النصوص الأصلية والنصوص الفرنسية، مبيناً ما احتفظ به المترجمون من روح جبران، وما حذفوه أو اختصروه مراعاةً للذائقة الغربية، كما يفعل في قراءته الدقيقة لترجمة ميخائيل يوسف بيطار لـ«مرتا البانية»، حيث يبيّن أن المترجم لم ينقل النص نقلاً حرفياً، بل مارس نوعاً من الاقتباس الأدبي، فاختصر الاستطرادات، وحذف بعض المقاطع المتعلقة بنقد المؤسسة الكنسية، حفاظاً على انسجام النص مع القارئ الفرنسي آنذاك.

على هذا النحو، تتجلّى براعة مجاعص مرة أخرى. فهو لا يكتفي بإخبارنا أن ترجمةً ما كانت موجودة، إنما يقرأ هذه الترجمة باعتبارها وثيقةً ثقافية تكشف كيف كان الغرب يقرأ جبران، وكيف كان المترجمون يعيدون تشكيل نصوصه قبل أن تصل إلى جمهور جديد.

الترجمة... حين تصبح شراكة في صناعة الأدب

اعتدنا في الثقافة العربية النظرَ إلى الترجمة بوصفها نشاطاً تابعاً للإبداع، كأنها مجرد جسر يعبر فوقه النص إلى لغة أخرى. غير أنّ سليم مجاعص يقلب هذه النظرة رأساً على عقب. تظهر مادلين مايسون مانهايم في هذا الكتاب كشريكة في صنع صورة جبران خليل جبران داخل الثقافة الفرنسية. فالترجمة، كما يوحي هذا العمل، ليست عملية لغوية فحسب بل حدث ثقافي يغيّر مصير النص، ويمنحه حياةً جديدة، وربما قرّاء جدداً لم يكن ليبلغهم لولا ذلك الوسيط الخفي.

وهذه إحدى الأفكار التي تمنح الكتاب بعداً يتجاوز الدراسات الجبرانية. فهو يذكّرنا بأنّ الأدب العالمي يحتاج إلى شبكة كاملة من العلاقات التي تمتد بين الكاتب والمترجم والناشر والناقد والصحافة ودور النشر بقدر ما يحتاج إلى عبقرية المؤلف. وهذا ما يفسر أنّ مجاعص لا يتعامل مع مادلين باعتبارها شخصيةً تدور في فلك جبران، بل باعتبارها فاعلاً ثقافياً له أثره في تشكيل صورة جبران داخل الفضاء الفرنكوفوني.

على أنّ أكثر فصول الكتاب إثارة هو ذلك الذي يتناول العلاقة الفنية بين جبران ومادلين من خلال ديوانها «شظايا التلال» الذي زيّنه جبران برسومه. في هذا الفصل، يغادر المؤلف حدود التاريخ إلى فضاء النقد الأدبي والفني، محاولاً أن يقرأ الحوار الصامت بين الصورة والقصيدة، بين ريشة جبران وصوت مادلين.

الرسائل التي تبادلتها مع جبران تتحول الى عناصر لفهم العلاقات الثقافية التي أحاطت بصعوده الى الساحة العالمية

لا يكتفي مجاعص بالإشارة إلى أنّ جبران رسم لوحات الديوان، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقارن بين المضامين الروحية في القصائد والرموز التي تفيض بها رسوم جبران، ليكشف عن عالم فكري وجمالي مشترك. فهو يرى أنّ مفاهيم مثل وحدة الوجود، والعودة إلى الرحم الكوني، والبحث عن الحقيقة، والفرح بوصفه خلاصاً، ليست تقاطعات عابرة بقدر ما هي لغة مشتركة تجمع الشاعرة والرسام في أفقٍ روحي واحد.

ومن خلال هذه المقارنات الدقيقة، تصبح الرسوم جزءاً من قراءة القصائد، كما تصبح القصائد امتداداً بصرياً وفكرياً لعالم جبران.

ومجاعص لا يقف عند حدود التحليل الجمالي، بل يعود إلى استقبال الديوان في الصحافة الأميركية، مستعرضاً كيف احتفى النقاد برسوم جبران، وكيف رأى بعضهم أن جمالها يضاهي جمال القصائد نفسها، فيما التفت آخرون إلى الدور الذي لعبته مادلين في نقل أدب جبران إلى الفرنسية. ومن خلال هذه الشهادات، يعيد مجاعص بناء المناخ الثقافي الذي أحاط بالتجربة، فلا تبدو الرسوم ولا القصائد معزولة عن سياقها التاريخي، بل جزءاً من لحظة أدبية كانت تتشكل آنذاك.

وهنا تتجلى سمة أخرى من سمات الكتاب. فمجاعص يكتب تاريخ الأفكار وهي تنتقل من عقل إلى آخر، ومن لغة إلى أخرى، ومن فن إلى فن بقدر ما يكتب سيرة أشخاص. لذلك فإن القارئ لا يغادر الكتاب وهو يعرف مادلين أكثر فقط، بل يغادره وهو يفهم جبران نفسه بطريقة مختلفة؛ جبران الذي لم تعد عالميته تبدو معجزة فردية، وإنما ثمرة تفاعل ثقافي واسع، كانت الترجمة أحد أهم محركاته.

كتاب يفتح باباً جديداً في الدراسات الجبرانية

لا تكمن قيمة هذا الكتاب في عدد الوثائق التي يجمعها، على كثرتها، ولا في الأسماء الجديدة التي يخرجها من الظل، وإنما في نوع الأسئلة التي يجرؤ على طرحها والاستنتاجات التي يقود القارئ إليها في نهاية الطريق. يذهب سليم مجاعص إلى الأرشيف ليختبر ما نظن أننا نعرفه وليضيف إليه ما نجهله. ولهذا السبب تحديداً، يشعر القارئ، مع كل فصل، أنّ صورة جبران التي استقرت في الذاكرة الثقافية تتسع، وأن تاريخه العالمي كان أكثر تعقيداً وثراءً مما اعتدنا أن نرويه.

لقد اختار المؤلف أن يسلك الطريق الأصعب، طريق الوثيقة، والمخطوط، والصحيفة المنسية، ورسائل الأشخاص الذين غابوا عن الذاكرة. وفي ذلك يقدّم نموذجاً نادراً للباحث الذي لا يكتفي بتكرار المألوف، بل يغامر في المناطق التي لم تُستكشف بعد، مدفوعاً بإيمان عميق بأن التاريخ الثقافي لا يزال يخفي الكثير مما لم يُكتب.

من هذه الزاوية، لا يبدو «مترجمة جبران» مجرد إضافة جديدة إلى المكتبة الجبرانية، بل علامة فارقة في مسارها. هو يفتح حقلاً بحثياً ظل مهملاً طويلاً، ويمنح الترجمة والوسطاء الثقافيين المكانة التي يستحقونها في فهم عالمية جبران. والأهم من ذلك كله أنه يبرهن أن البحث الجاد ما يزال قادراً على اكتشاف الجديد، حتى في الشخصيات التي ظننا أنّ الزمن قال فيها كلمته الأخيرة.

يوسع سليم مجاعص في هذا العمل حدود المعرفة نفسها. يذهب إلى الأماكن التي لم يذهب إليها أحد، ويعيد الحياة إلى وثائق كادت تتحول إلى صمت، ويكشف أن الهوامش التي أهملها المؤرخون كانت، في أحيان كثيرة، مفاتيح المتن كله.

لذلك، فإن هذا الكتاب الذي يثري الدراسات الجبرانية يرسّخ في الآن عينه اسم مجاعص كباحث جديّ ومصرّ على إعادة اكتشاف جبران من خلال أرشيفه، لا من خلال الأساطير التي تراكمت حوله. وهذه، في النهاية، هي القيمة الكبرى لأي باحث حقيقي: أن يستنبط المعرفة من زوايا مخفية وجيوب معتمة، ويفتحها على شروقٍ جديد.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك