عباس بيضون... الجنوب آخر يوم
أن توجد بلا حياة ١) أنا حيّ لا أعرف أحداً يطلب هذه الشهادة ولماذا عليّ أن أقدّمها الغريب أن ذلك كان قبل نهاية اليوم قبل وصول قوائم القتلى


أن توجد بلا حياة
١)
أنا حيّ
لا أعرف أحداً يطلب هذه الشهادة
ولماذا عليّ أن أقدّمها
الغريب أن ذلك كان قبل نهاية اليوم
قبل وصول قوائم القتلى
الذين ظلوا أحياءَ في الصوَر
جميعهم يبتسمون للكاميرات
ولا نعلم ماذا يريدون منها
إنهم فتيان، يمكن أن يبقوا أولاداً
يمكن أن يكون الوقت للّعب
أو للحبّ
لم نعد نلعب من سنين
لا نكون أبداً في وقتنا
إننا لحظة إلى الأمام
نراهم في صورهم فلا نصدقها
نسينا هذا العمر
لا بد أنه كان لمحة
لا بد أننا لم نطل تلك الكذبة
التي تتخايل في فجر أو أمسية
كان لنا الذكاء الذي لم يطقها
البصيرة التي أنكرتها
لم نكن في يوم أطفالاً
كان لنا شيء أكبر منها
البلاهة بأي اسم كانت،
البراءة حتى، لم تكن من طبيعتنا
الصور لم تكن لأحد
كانت العمر الضال
الذي هو للصور وحدها
إنه مراءاة، ضحك على الكاميرا
لعبٌ لساعة
لعبٌ قبيل الانتقال قبيل الوصول
فرصة قبل الشغل قبل المبادرة
قبل النهار الحقيقي الحياة بالساعة
قبل المعركة قبل الاستشهاد
صوَرنا هي كل ما تبقى لنا
بدونها نعيش ليس لأجلنا
من أجلهم، أولئك المجهولون الذين فقط
كانوا في أفكارنا
من أجل اللحظات التي طارت من حياتنا
اللحظات التي نتفرج فيها على أنفسنا
نراها لثوانٍ لا نعود فيها نحن
ولا أحد آخرَ
نعود صوَراً، لا نحتاج إلى حياة
صورنا التي لا تشبهنا
لم يحن الوقت لنبدأ نشبهها
إنها الآن، أو نريدها كذلك، ظلالنا
أو آخرين يسمّوننا
لنقل أشباحنا
نحن فيها بوجودٍ نصفي
أو قُل باحتيال على الوجود
كادعائه فحسب
إنها فتنة
أن توجد بلا حياة.
صور ـــ الصراخ لغة
2)
اشتريت مدينة بقصيدة
هل نقلت الحجارة إلى كلمات
هل وجدت بحراً لها؟
لست بنّاء ولا بحّاراً
كانت لي قدمان فحسب
لكن الشوارع، الأزقة، الشرفات المطلة،
بلا عيون
لم أتبادل، أنا والحيطان، نظرة
لم أجرؤ على أن أجلس في ظلّها
قامتي بالأشبار، سنواتي العشر
لم تكن تحتاج إلى سماء بهذا الوسع
أو مبنى بهذين الكتفين
لا تحتاج إلى هذا اليوم العابس
ولا إلى صناديقه المضلّعة
وصفحاتها المرسومة بالرماد
كنت فقط أمشي
مشيي كان محواً
لا أترك خطوات على الأسمنت
أمسح الطريق بذهابي وإيابي
أبذر دقائقي ولا أستطيع أن أستردّها
أعرف كيف أعود، لا أضيع
لكني لا أحفظ شيئاً
ليست الطريق مرسومة على جسدي أو عيني
لم تكن المدينة في حشاشتي
-
من معرض «احكيلي يا جنوب» المقام حالياً في «بيت بيروت» في منطقة السوديكو
لم أبع شيئاً للحيطان
يمكن للغريب أن يبقى قصيراً
الجدران لا تتركه يكبر
شبحه يعود أصغر وأقل سماكة
اسمه يتضاءل وحروفه تخفّ
البيت وحده يزداد حجماً
ولا نعود شيئًا أمام بابه
الغرف تتسع والأسرّة تستطيل
الأشخاص يختفون في غرفهم
الذكريات تهرب
الأوقات تجمَع، في مرورها، البقايا
سنتان، ولا يبقى ماء في سواقي الحارة
ولا شطوب على الجدران
إذ اليوم لا يعيش طويلًا
العمر القصير يظهر في انحناءات الأزقة
شبحي ينزل عن الحائط والشرفة
لكنه الآن في الغفلة والنسيان
الحياة تمضي بنصف الوقت
نصف العادة، نصف التذكار
المدينة حدباء، إنها تقريباً عمرها
أعرف أن لم يبق نظرٌ للحيطان
أراها من ورائها
ليس لديها ما تسميه للعابر أو ما تهديه
أقلّ من أن تكون قصة
أقلّ من أن تكون ماضيًا
البحر جيبك وأنت رقعته الباقية
لقد أفرغك هناك
باضَك هناك
ونمت على وجهك من ذلك الحين
استدار حولك، أنت فقط دميته
بالأحرى أحجيته
لطالما غصّ بك، لطالما أعادك للبَرّ.
لطالما أوقف بك الوقت
وتركك تلعبين
كنت شقية في عرض الهواء، في عرض البحر
ساعتك مثل اسمك لا تزال تنتظر
حيطانك معدودة فحسب
تنسم حضورك ولا تقوله
إنه غائم على وجوهها
العمر يكسوها ويتقشر فوقها
هذا كلامه الوحيد
ليس صمتًا بل عام من الهمود الإضافي
السماء رقاقة من الأعلى
العراء صحيفة ملساء
عوت من كل مكان
حين الطائرات تكلّمت وحدها
الحيطان فاتها أن تتألم
لقد انهارت من دون جواب
الحجارة ضيّعت سطورها
ثمة كتابة عمياء تملأ المكان
المدينة الآن هذا الصراخ
الذي لا يتوقف ركامه
صراخ بقوافٍ وأوزان
في ترجمة
من لغة أخرى.
البيوت
(إلى منذر جابر)
3)
حين لا تجد البيت
سيكون لك الشارع
سيبقى لك الفضاء فارغاً
ربما تبقى لك شجرة مكسورة
لم يكن هناك وقت لقطعها
لقد رأت كل شيء
الأرجح أنها فكرت ببابٍ أو خزانة
انكسر شيء في عنقها من طول الفكرة
أو أن هذه كانت فكرتها الأولى
وانكسرت في رأسها
لنقل إنّ رصاصة أحدثت فيها تلك الكلمة
ما كان يمكن لنصْل أن يُحدث فيها أثراً كذلك
لكن البيت سقط بدَويّ
لم يكن لأحد أن يسمعه
ما من لغة لهذا
هل كان ذلك صوته الأول
هل يمكن أن يكون وحده في السماء
التي أطبقت عليه
في التاريخ القديم للحجارة
في ماضي الخشب
في ذكرى مطلع الخلق ومطلع الأشكال
تهبط القطع بصيحة واحدة
الصدى الذي اجتمع ليس أجوف
كل الوقت، كل الضوء
كل الأمر، غار فيه
هل أمكن لذلك أن يكون انفجار النهار
انفجار المشيئة
هل أمكن أن يكون سديم الفكرة
وتراب البدء
وربما أصل الأوقات والعدم المحيي
لقد تكلمت الأحجار
تكلمت في الأعلى
قبل أن تسقط خرساء
وقبل أن تنطرح في كل مكان
كلمات ميتة، وقتًا ميتًا
هدَر مرة وأغلق نفسه
هدر مرة وترك الوقت لأنينه
البيوت لا تموت مرة واحدة
إنها تعيش بالساعة
ذاكرة هائلة لكن أيضاً عجلة للنسيان
تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام
نَصل إليها أرواحاً
وسرعان ما نذوب في الهواء
سرعان ما نترك وجوهنا على الحيطان
ما نغدو كتابة فوقها
الروح تصل اسمًا
قبل أن تلبس جسداً
الأب يغدو ابناً
والابن نعجة
والنفس تراباً ومطراً
الأبواب عيون الكون
النوافذ رئاته. الجدران ألواحُه
ماذا نفعل نحن ذوو الجلود الملساء
حين لا يبقى لدينا ما نكتبه
حين يهجرنا الوقت
والذكريات تغدو أكاذيبنا الصغيرة
أو خياناتنا
البيوت عندئذ أمهاتنا المكروهات
حكاياتنا المستمرة بقوة نسيانها
نخرج بأسمائنا وحدها
خلفنا أبواب الآخرة
نروح نفهم أنّ حتى أجسادنا
لا تخرج معنا
إن النوافذ لم تعد عيوننا
الأرواح مكتوبة على الحيطان
إنها رسائل من المهجر
الدوي يتكسر إلى ثوان ضائعة
وسط الركام
ننزع الذكريات عن العلب، عن الآنية
عن الصوَر
إنه الأسبوع الأخير
لا أغنية لأحد.
■ ■ ■
الجنوب، آخر يوم
(إلى آمال خليل)
4)
يمكن للجنوب أن يكون آخر بلد
آخر وصية وربما آخر جرعة
آخر ليرة، آخر دواء، وآخر يوم
يمكننا أن نصنع من كلمته
موّالاً أو إكليلاً وحتى دعاء
يمكننا أن نطلقها على أشجار دهرية
أو نجعل منها رسالة أو متحفاً
وحتى أكلة أو حلوى،
الجنوب
لم نستطع أن نجعله في الوسط
أن نرفع جباله
التي بقيت تلالاً
أن نجعل حدوده حصينة
أن نبيعه تاريخاً أو أسطورة،
لقد جاء من ذكرى واحدة
الأبد لم يحتج إلى أكثر منها
الأبد الذي تحقق في يوم
يوم لا يزال شفقه
لا يزال فجره
لا يزال دمعه
طالعاً،
القرى كلمات لا أصوات لها
كلمات لا تنفصل عن أعشابها
لا تنفصل عن مراعيها
حيث كل شيء يتحجّر في العراء الكبير
في التراب الذي يتكوّن كقلب بَريّ
كقلب من غبار
كبداية ناقصة
القرى كلمات للوعر النائم
وربما أسماء لما يعتمل في داخله
حصى تتدوّر كالجُمل والأسرار
يمكن لهذه الوجوه أن تكون لها رقّة الحوافي
والتلال التي لم تكبر،
هذا الجمال الذي لم ينظر إلى نفسه
لقد تعرى دونما نسمة
تكامل في غيبة وانسلال
إذ تدخلين بكل هذا المطلّ
إلى العصر الفائق، إلى أول الساعة
حيث الوقت وحده سيّد
ولا نهاية للشمس
لم تنقصك الابتسامة
كانت أُمّاً على وجهك
اسمًا آخرَ وبيتاً
أنتِ يتيمة الجبل والأوقات
يتيمة قلبك والسماء وحسنك
كانت أيضاً حليتك وآيتك
تمسين بها الخراب
وتستضيفين الركام
لقد وصلت طيّ نفسك
وصلت بهذا الشفق المعذب
وأهديت يتمك للدار
التي بقيت تعدّ زفراتك
قبل أن تنغلق عليك
إلى حين بقيت بسمتك وحدها
ضوء من آخر بلد
جرعة واحدة
آخر يوم.
بيت أبي
5)
خرجوا، إنها مرّة أخرى
بضع كيلومترات ويجدون مكانًا
ينزلون قرب مواطنهم الأولى
يسمعونها ويظنون أنها تسمعهم
يتمشون كأنهم فيها
الهواء لا يزال يصل منها، والشمس أيضًا
ينامون تحت سمائها
يكفي أن يغفوا لتزورهم
غفوة واحدة ويعودون فجأةً إليها
يحتاجون فقط للنوم
يحتاجون لخيال قصير، كلمة فحسب
اسم علم، خطأ في اللفظ
ضحكة ناقصة ويصيرون فيها
بالأقدام التي طالما مشت فوقها
بالأجساد التي طالما عبرت في سوقها
والأصوات التي لغطت طويلًا هناك
حملوا القصة كلها معهم
أو خرجوا منها دون أن يعرفوا
يفكرون أن البيوت ستحارب عنهم
الأبواب ستكون سوداء في وجوه المهاجمين
الأشجار لن تعيرهم ظلالها
الضوء سيفضحهم وكذلك العتم
ولن تبقى لهم أيدٍ ولا عزيمة
إذ الهواء سيكون مسلّحاً
وكذلك الوقت
يسمعون دبيباً
القصف، لكنه أيضاً صراخ الجدران
التي هي الآن بدونهم
هذا الخيال لم يأت من عدم
إنه رسالة
حتى القبور تتكلم في الظلام
جدي العبوس في وحدته
جدتي بشبابها الذي رحلت فيه
عمي القتيل عند المعصرة
إنها لعبة القدامى
لا نعرف لمن تركناهم الآن
وكيف يلعبون بعدنا
نفتح عيوننا في نفس القعدة
لكننا لم نأت من سفر طويل
سرعان يرجع إلينا هذا الجسد وقدماه
من الحقول
ربما عاد الطريق معنا
وإلا كيف نعبر بهذه السهولة
لغط بأحجام كبيرة، شتائم وأدعية
رحل الكلام كله ولا نجد له بلداً
يمكننا أن نرميه في البحر
أن نلقيه على الناصية
بالطبع لن نهديه
هنا يجدون صعوبة في سماعه
ياءات كثيرة وضادّات مسنّنة
إننا نبادله بأحرف خفيفة
أفواهنا تتعب في سنها
لم نفهم أننا حملنا أنقاضاً في حناجرنا
وأن هناك أحجاراً
تسقط مع كل حرف
لا بد أننا ابتلعنا قذائف
وأنّ انفجارات صامتة
لا تزال تتحرك في لغتنا
ليلة العودة شاهدنا كلّ هذا السر
بين الأوعية
كان هناك عواء كبير
في الفضاء وفوق الأرض
البيوت كانت بأسنان
وتأكل نفسها
التلال جاحظة أو فارغة العين
القتلى ساهرون
في انتظار حرب لم تقَع.
■ ■ ■
بلد أبي
(إلى أحمد بيضون)
6)
بنت جبيل بلد أبي
لا ينام في ثراها ولن أنام
دمارها هو كل ما ورثناه
كانت لنا حياة
لكنها الآن بلا أثر
كان لنا بيت لم نسمِّه
وخرجنا منه بلا اسم
الذكريات لا كلمات لها
فقط رسوم وأحياناً مجرد شطوب
أو رائحة بارود
هذه صفحة ملائمة للحقيقة
التي تستمر خرساء
تستمر بضلعٍ ناقص
وباستعداد لتكون غائمة
لتكون حجرًا وراء الغيم
أو شكل حجر
صوتاً لا نعرف متى يتوقف
أو متى يملك حجماً
الزوال له أيضاً جسم
الأسماء الغاربة
تترك أنقاضاً في كلّ مكان
لا أحجار لإعادة هذه الرجمة
ولا عائلة لهذا الدخان
إذ نشتري كل هذا الخراب برأس واحد
إذ نترك للبقية تلك الكسرة الزائدة
إذ ينهض من الركام ذلك الشفق الساكت
لقد بقي هناك روح للمنزل
للكاميرات والقمصان
والآلات على الشرفة وبطاقات الزوار
ألا عودوا
إن كان هناك بابٌ بعد
عودوا دون أن تدري الجدران
ولا الكتب التي سكناها في يوم
السجاجيد التي أطعمناها عيوننا
أو الذكريات التي طارت إلى السقف
عودوا بأسمائكم وحدها
بقبور آبائكم التي سرقوها
عودوا إلى حيث لن تناموا
لن تتركوا ظلّاً أو خبراً
إلى حيث عاشت الأشجار أكثر
إلى حيث للطرائد ذات الرائحة
وللقنّاصين ذات الفم.
الحجَر
(إلى خاتون سلمى)
7)
وصلتَ صغيراً كأصبع
خافيًا كنميمة
وصلتَ كخبرٍ قصير
كسِرّ بين ثلاثة
جئتَ أولًا لأن أحداً لم يأت
حجرٌ في عنقي سماني للطريق
حجر في صدري كان باباً
اسم أتاني من الخلف
رمته السانحة حجراً في رأسي
كان عليّ أن أحمل إلى هذا المكان
جثة طير ووقتاً للوقوف
ليس لي عينان لصنع هذا الفراغ
ولا قلب لهذه الدقيقة
ليس سوى الخلاء
الذي لا محلّ فيه لحجَر آخر
الثمانون تنسى أن تتنفس
الثمانون بدون حكاية
لا طاقة على أن تتذكر
هنا يتوقف العمر
زمناً بدون أسابيع
شروقاً لا يصنع يوماً
سكوتاً يقطع النهار
إنه فقط الحجر العائد من أول العام
حذاء العيد
عطلة الصيف
النوم القسري وربما خبر العم
وهذه السلسلة من النعوات
إننا فقط الخبر القادم
وعلينا أن نتذكر أنفسنا
قبل أن نودعها
علينا أن نبيعها بكلمة وببيان
لن نعرف كيف يكون الفراق
ماذا غير الاسم الذي لم ينزف لأجلنا
غير البيت الذي لم يصبر على ما بقي منا
للصورة هذا الحذاء
للسهرة ذلك السرير
وللغد تلك النعجة
للأمس أشخاص وأعمار
لا نتحدث عن الماضي
لن نرجع قبل أن نكون طويناه
لا نتحدث عن اليوم
إننا نرمي المواعيد من النافذة
لا بأس إن رجعنا في قطار الأمس
لا بأس إن لم نجد أقداماً للعودة
أصواتنا أسرع منا
لنا أكثر من رأس
هذا الحجر الذي يتكلم باسمنا
هذا الصمت الذي لم يعد بيتاً
هذا الجحر في آخر الذكرى
وذلك الباب
الذي لم يعد ابناً.
شبّان الصور
8)
قالوا له نعرف أين أنتَ
ولم يسأل
كان أكيداً أنهم يرونه من السماء
أو من السقف
لا حاجة إلى عينين أو جهات
تكفيهم السماء، يكفيهم الوقت
لو لم يكن له هذا الجسد
لكان قتلَهم بكلمة
لكانت أمنيته انفجرت بينهم
كانوا سعداء على صفحة الفيسبوك
الصغير بقي يضحك للعبته
الجد بلا عمر
السيدة بنصف جمالها
لم يكونوا أنفسهم في البرّاد
لم يجمعوهم كما بانوا في الصورة
الصوت الذي داهمهم ما زال يعمل
بقية الأثاث التي سقطت عليهم
لكن الجدران لم تتأثر
ارتباك صغير لم يلتقطه أحد
الموت لا هيئة له
السبعة لملموهم عن الأرض
بالأحرى لملموا صورهم
لم يتذكر أحد أين انتهت تلك الأمسية
أو أنّهم كانوا فقط شبان الصور
إنهم فيها أجمل من أي وقت
أحياناً أفكر إذا كانوا ماتوا من أجل ذلك
اسأل إذا لم يكونوا الآن أفتى
إذا لم يستحق الموت منهم غير هذه الصورة
إذا لم يكن العدو باعهم إياها
عصف الهواء وما زال يرعد
لم يفكر أحد إذا كان ذلك حقيقياً
أم أنه فقط حديثنا مع السماء
لم يأت أحد ليرفع البيوت، ليجمع القتلى
المعركة
تحفظ أحجاراً وأسماءَ منذ قرون
ولا نزال شبّاناً
من ذلك الحين.
الخطر في السقف
9)
أقول لها: الخطر في السقف
لا تنظري قد يصيبك حجَر
إنهم بالتأكيد فوق
الفضاء أيضاً عدو
المساحات مسممة والفراغ ليس خالياً
ثمة أطياف ملعونة
نفوس تجول غاضبة
دعاء ينفث كراهية
كلام مقصوص، شفرة من الهواء
ثمة رعب سماوي، نسيم مؤبد
لا تبتسمي
النسمة قد تكون جيفة على الوجه
لا تفكري لا نعلم من أين تأتي الأفكار
ثمة حنوط فيها
فسادٌ وربما لطخة
غرغرة أو خوار
لا ترفعي بصرك
صوتك أو يدك
كوني كلَّك في الأسفل
حيث نية سيئة تحكم وحدها
حيث التراب يحلم وحده
حيث الوقائع بنفس عطب المبادئ
والجثث التي كانت أقوالًا
وكل هذه البدايات
التي سرعان ما هلكت في المضيق
العمى ينتظر فوق السقيفة
الكلام الذي يصرّ في فم مكسور
الماضي الذي يصل بلا عينين
وبرائحة السراديب
السقف للفئران وربما لصيادي العبر
أو المجنحين فوق العتم
السماء تهبط فوق المائدة
السماء الملأى بالقصاصات والأبيات المشطورة
والأنصاف التي ترقص في الوسط
وهذا الضجيج الذي يأكل معانيه
لا تنظري إلى فوق
اللصوص قد يخرجون في تلك اللحظة
لن تقولي إنه الخلاص
لن يعود الابن من الغيبة
الأَنصاف وحدهم يصعدون من الفوهة
لهم وجه واسم وقناع
لهم بارحة مديدة وعاقبة قصوى
وبالطبع أب مزعوم وخالة صلعاء
وتاريخ مع النجوم
ستكون لهم بلاد بعرض الكتفين
ودار للعميان وفصحى
وديوان للفقر، خواتم وعناوين
خارج السمع أو خارج الوعي
لا نقول ذلك في المجلس
فنحن هنا لاستشارة الطيور
إذا خسرنا السماء
فلمن نبيع هذا الخطاب
وكيف يكون النصر رابعنا
وأحفاد الغائب أصهارنا وحواشينا
كيف نخرج متوجين من الهزيمة
سلاطين من الهباء.
