علي السقا: بيروت ما بعد انهيار المعنى
في روايته الجديدة «الصعود إلى النهار» (شركة المطبوعات للنشر والتوزيع)، يضع الروائي اللبناني علي السقا قارئه، منذ العتبة الأولى، أمام عنوان يختزل مزاج النص ويقترح مفتاحاً لتأويله قبل الولوج إليه.


في روايته الجديدة «الصعود إلى النهار» (شركة المطبوعات للنشر والتوزيع)، يضع الروائي اللبناني علي السقا قارئه، منذ العتبة الأولى، أمام عنوان يختزل مزاج النص ويقترح مفتاحاً لتأويله قبل الولوج إليه.
ينطوي هذا العنوان على اعتراف مبكّر ومضمر؛ النهار هو شيء يصعد نحوه، أي هو فعل صعود. ليس العنوان «الذهاب إلى النهار» ولا «الدخول فيه»، بل الصعود إليه، النهار هنا هو أفق مرتفع، بالتالي إنّ الصعود إليه حركة ارتقاء محفوفة بالمكابدة.
هذا الانزياح اللغوي يشي بأن الوجود بات جهداً تنتزع فيه الحياة انتزاعاً. كأن النهار لم يعد زمناً طبيعياً يتعاقب على البشر، بل طبقة أعلى، أو امتيازاً لا ينال إلا بالمشقة، كأن المعادلة التي تقترحها الرواية منذ سطورها الأولى تقول إن العيش، هنا، ليس أن تستيقظ، بل أن تتسلّق. في هذا المعنى، تبدو الرواية كأنها تستبدل المجاز التقليدي للنور بوصفه خلاصاً بمجاز أكثر قسوة: النور يحتاج إلى جهد جسدي وعاطفي للوصول إليه لأنه يتطلّب عبور مرهق.
رواية علي السقا قاتمة. دهليز معتم لا يعد بضوء في آخره. لا لأن الأمل غائب فحسب بل لأن الرواية تبتلع شخصياتها وتمنع حتى إمكانية تخيّل خروجهم. الرواية تبتلعهم لسببين. أولاً لأنها تحاكي الخراب اللبناني المديد، أي إنّ الرواية المتخيّلة تبدو امتداداً لعالم واقعي سبق أن التهم ناسه قبل أن يدخلوا الرواية.
الخراب في «الصعود إلى النهار» هو القوة التي تنظّم الرواية وتبتلع شخصياتها من الداخل، بالتالي فالأبطال هنا يبتلعهم الخراب تماماً كما يبتلع الخراب الناس في الواقع. ثانياً هي تبتلعهم لأنّ ثيمة الجوع تطارد شخصيات الرواية كجائحة لعينة. الجميع جائعون والطعام المتوافر موجود فقط في القمامة أو يقتصر على جثث الحيوانات الميتة. في إمكاننا إضافة نقطة لافتة هنا تتعلق بالراوي. إن عدوى الجوع لا تتوقف عند الشخصيات وحدها، بل تمتد إلى السقا نفسه. ثمة جوع إلى السرد يحكم كتابته. سردٌ يتقدّم بإسهاب، يتراكم، يتمدّد، ولا يعرف الاكتفاء. كأن الرواية، وهي تكتب عن الجوع، تقع هي الأخرى تحت سلطته؛ لا يشبع الراوي من الحكي والوصف ولا يبلغ تخمته السردية، بل يواصل الكلام كما لو أن السرد نفسه محاولة أخرى للبقاء.
تبدو بيروت في الرواية أشبه بأبوكاليبس مفتوح
والخراب عند السقا يكتسب مرادفاً واضحاً: بيروت. بالأحرى إنّ بيروت هي البطن الذي أنجب الخراب. المدينة التي تتراكم فيها أبنية الإسمنت وأساطيل معفّنة تجري فيها مياه البحر المالحة، فيما يلوح على مقربة منها، بريقُ فسحة أخرى («دريمز إند بيوند») أكثر أمناً وشبعاً. انقسامٌ مكاني يتحوّل إلى انقسام أخلاقي ووجودي بين من يملكون حقّ الحياة ومن يكتفون بالنجاة. بيروت فضاء للافتراس البطيء «بيروت غابة واسعة فيها الكلاب والذئاب». والغابة هنا ليست نقيض العمران، بل صورته القصوى، مكان تحكمه غريزة البقاء حتى لو بلغ الأمر حدّ انقلاب أكثر الروابط بداهةً وحناناً. فالمدينة لم تجرّد هؤلاء من الغذاء فقط، بل نزعت عنهم إنسانيتهم. يبلغ الجوع ذروته المأساوية حين تأكل الأم جنينها. هذا ما فعلته بيروت. هكذا تبلغ الرواية أقصى حدودها القاتمة، إذ ينهار كل منطق أخلاقي أمام منطق البقاء. تفعل الأم ذلك بذريعة ألا يولد ابنها إلى عالمٍ محكومٍ بالجوع والموت، غير أنّ المفارقة هي أنّها، وهي تمنع موته، إنما تنجو عبر أكله.
لقد حوّلت بيروت أشخاصها إلى ذئاب، دفعتهم إلى التخلّي عن براءتهم، وحوّلتهم على نحو قاسٍ إلى كائنات تتعلّم كيف تنجو قبل أن تتعلّم كيف تعيش. بل إنّ العيش مرتبط بالنجاة، بالمشقّة والمكابدة وأحياناً بالقتل. حسن ورشدي وفارس وسليمان وغيرهم من الناجين القادمين من ضواحي مهشمة ومهمشة تقوم عليها جغرافيا «دريمز إند بيوند» (وسكانها) يكابدون العيش لكي ينجوا.
بيروت علي السقا مدينة مدانة. الرواية هي نقد مقذع لبيروت. لا تتعامل الرواية مع المدينة بوصفها آلة لإنتاج الهشاشة فقط، بل بوصفها مجتمعاً للاحتراق النفسي كما يتجلى في حسن، ومصنعاً لإنتاج الوحشية في عقاب المختلف جنسياً كما الحال مع سليمان. هؤلاء الذئاب لم تصنعهم المدينة من العوز وحده، أي جراء تفشي جائحة الجوع، إذ كلّ واحد منهم وُلد فيها مثقلاً بخراب أقدم من الفقر نفسه، من نقص بدأ بالعاطفة قبل أن يستقرّ في المعدة.
منتقلاً بين الراوي العليم والراوي المتكلّم، يبني علي السقا سرده على امتداد أفقي يستعيد ـــ عبر الارتداد إلى الخلف ـــ حكايات حسن ورشدي وفارس وسليمان وغيرهم. تظهر الشخصيات هنا كطبقات متراكمة من الخسارات والندوب. كلّ واحد يأتي من ماضٍ مثخن بالجروح، ومن سيرة يتكرّر فيها الفقد، ولا سيّما فقدان الأم، كأن الخراب الذي يلاحقهم لم يبدأ في المدينة، بل سابق عليها. هذه الشخصيات هي، في جوهرها، ضحايا نقصٍ عاطفيّ أولاً، وضحايا فقرٍ متجذّر يتبدّى جلياً في وصف السقا المحكم لحيّ السنديانة العتيق ثانياً. هم ضحايا بالفطرة، كأن المأساة سابقة على وجودهم.
مثلما يسير السرد، كرحلة طويلة ورشيقة من دون استعجال للوصول، يمشي أبطال علي السقا في «الصعود إلى النهار»، لكن من دون وجهةٍ واضحة. تبدو بيروت في الرواية أشبه بأبوكاليبس مفتوح، لا يغلق ولا يكتمل، كأن النهاية حدثت مسبقاً وبقيت الحياة تدور داخل أثرها فقط. الكائنات هنا لا تختلف كثيراً عن الزومبيز، أنهكها الجوع والفقد والتهميش، مفجوعة ومثقوبة إلى حدّ أنها لم تعد تميّز بين موتها وحياتها.
هكذا تحضر «الصعود إلى النهار» كرواية عن حياةٍ تأتي بعد انهيار المعنى، عن بشرٍ لم يعودوا يبحثون عن الضوء في آخر النفق، لأنهم اعتادوا العيش داخله.
