مثقّفو لبنان في مواجهة الإبادة الحضارية
تشهد الساحة الثقافية اللبنانية حراكاً جامعاً لمواجهة الإبادة الحضارية المتمثلة في التدمير الممنهج للإرث الثقافي ومحو ذاكرة الجنوب والبقاع والضاحية.


تشهد الساحة الثقافية اللبنانية حراكاً جامعاً لمواجهة الإبادة الحضارية المتمثلة في التدمير الممنهج للإرث الثقافي ومحو ذاكرة الجنوب والبقاع والضاحية. ويتجسد هذا التحرك في إطلاق «الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والإرث الثقافي لحماية الذاكرة الإنسانية، وإنقاذ ملايين الكتب والمخططات المفقودة، عبر مبادرات نوعية أبرزها حملة «مليون كتاب » وتأسيس متحف للجنوب
في خضمّ حرب الإبادة الإسرائيلية على لبنان عموماً، وجنوبه خصوصاً، طالت آلة التدمير العدوانية جميع أشكال الحياة البشرية والعمرانية والبيئية، وصولاً إلى محو الإرث الثقافي والحضاري لمنطقة جبل عامل. في وجه هذه الحملة الممنهجة، تحرّكت مجموعة من الكتاب والشعراء والمثقفين دفاعاً عن الإرث اللبناني والذاكرة الإنسانية المهدّدة.
محو ذاكرة الجنوبيين
منذ حوالى ثمانية عقود، والاحتلال يكرّر الأسلوب ذاته في محاولة محو الذاكرة الحضارية للجنوبيّين لإحداث شرخ في علاقتهم المتجذّرة مع الأرض والهوية. وبينما يخيّم صمت شبه مطبق دولياً على الجرائم الإسرائيلية الممارسة على امتداد الساحات اللبنانية والفلسطينية، تُطلق مجموعة المثقفين اللبنانيين صرخةً لحماية التراث الثقافي اللبناني استناداً إلى المواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية لاهاي لعام 1954، لجهة حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلّح، إضافة إلى اتفاقية اليونسكو لعام 1970 واتفاقية التراث العالمي 1972 وغيرها من إعلانات دولية أمعنت قوات الاحتلال في خرقها.
لإنقاذ الذاكرة الثقافية
في إطار هذه المواجهة الثقافية مع «إسرائيل»، تستعد المكتبة الوطنية في مدينة بيروت اليوم الجمعة لاحتضان إطلاق «الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والأرشيفات والإرث الثقافي في لبنان» و«إعلان بيروت العالمي» برعاية وزارة الثقافة اللبنانية. المناسبة التي تتخلّلها مداخلات لعددٍ من أمناء المكتبات والأكاديميين والعاملين في الحقل الثقافي، تتضمّن أيضاً كلمة لوزير الثقافة، غسان سلامة، إلى جانب تقديم الشاعر زاهي وهبي لخطّة عمل المبادرة.
في هذا السياق، قال مؤسس ومنسق «الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والأرشيفات والإرث الثقافي في لبنان»، هادي بكداش لنا إنّ هدف المبادرة جمع أكبر عدد من التوقيعات سواء من لبنانيين، أم من عرب وأجانب، في مسعى إلى إدانة الجرائم الإسرائيلية بحقّ الإرث الثقافي اللبناني. إضافة إلى ذلك، لفت بكداش إلى أنّ الإحصاءات النهائية الدقيقة حول حجم الخسائر لا تزال غير جاهزة في ظلّ العدوان المتواصل ووجود الاحتلال في عشرات القرى اللبنانية. إلّا أنّ التقديرات الحالية تُشير إلى خسارة ما فوق 750 ألف كتاب ومُخطّط جرّاء العدوان الإسرائيلي منذ عام 2023 حتّى اليوم.
في هذا الإطار، يقول هادي بكداش إنّ الأمم المتحدة حدّدت حجم المنازل المدمّرة بشكل كامل أو جزئي بحوالى مئة ألف منزل، مما يعني أنّ رقم الكتب الضائعة يصل في واقع الحال إلى ملايين الكتب والمخططات بين المنازل والمكتبات والأصرحة الأكاديمية ودور العبادة.
وتُحاول «جمعية المكتبات» اللبنانية تحديد العدد الفعلي للخسائر منذ عام 2024، إلّا أنّ المعوقات الأمنية واللوجستية حالت دون إتمام المهمّة. كما كشف بكداش عن مبادرات مختلفة يجري العمل عليها، من بينها العمل على حملة «مليون كتاب» لإعادة تأهيل المكتبات المدمّرة، إضافة إلى التخطيط لتأسيس متحف متخصّص عن الجنوب اللبناني.
الوجع واحد... والعمل واحد
من جانبٍ آخر، تطرّق هادي بكداش إلى استنفار وطني جامع على امتداد الأطياف المختلفة للعمل تحت العناوين الثقافية والحضارية. وفي إطار الجهود الفردية لاحتضان الثروة الثقافية الجنوبية في مناطق آمنة، عمل بكداش أيضاً على إيواء كتب في مستودع خاص، على قدر ما سمحت به الظروف اللوجستية والأمنية.
كذلك، لا يعدّ الجنوب اللبناني الضحيّة الوحيدة للعدوانية الإسرائيلية، إذ تنتشر الجرائم الإنسانية والثقافية على مساحة الوطن. وإلى جانب الخسائر في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية، قتلت «إسرائيل» في 8 نيسان (أبريل) المنصرم في منطقة عائشة بكار، الشاعرة اللبنانية خاتون سلمى، صاحبة ديوان «آخر نزلاء القمر». كما في جردة آثار العدوان المستمرّ، تدمّرت مكتبات عدّة خارج منطقة جبل عامل، ومنها المكتبة العامة في مدينة الهرمل، أقصى البقاع اللبناني.
في هذا الإطار، يشرح نائب رئيس بلدية الهرمل، الزميل وفيق قانصوه، أنّ آلة الحرب الإسرائيلية طالت مبنى المكتبة العامّة في المدينة البقاعية، ممّا أدّى إلى إخراجه بشكل كامل عن الخدمة وتدمير البنى التحتية والمعرفية والمعلوماتية الموجودة داخله.
وأشار قانصوه إلى خسارة حوالى 4500 كتاب من أصل 8500 جرّاء الضربة الإسرائيلية التي حصدت أيضاً المكتبة المتنقلة، ممّا رفع حجم الخسائر المادية إلى أكثر من مئتي ألف دولار أميركي. كما لفت إلى أنّ المكتبة تعدّ المركز الثقافي الوحيد التي تُذخّر أهالي المدينة والقرى المجاورة بالكتب، وتوفّر نشاطات ثقافية دورية للأطفال، علاوة على احتضان مسرحها وقاعة المؤتمرات للفعاليات والندوات على اختلافها.
* إطلاق «الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والأرشيفات والإرث الثقافي في لبنان» و«إعلان بيروت العالمي»: اليوم ـ س:10:00 ـ المكتبة الوطنية (الصنائع ـ بيروت)
