ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

مسرح التعزية العاشورائي: أدخل الجنة وعيناي مليئتان بالأشواك

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

منذ بدايات النهضة العربية، ظلّ سؤال واحد يلاحق الباحثين في تاريخ الثقافة الإسلامية: لماذا لم يعرف الإسلام المسرح بالمعنى الذي عرفته الحضارات الأخرى؟

محمد ناصر الدين
محمد ناصر الدين
السبت 11 تموز 2026
مسرح التعزية العاشورائي: أدخل الجنة وعيناي مليئتان بالأشواك
الخط

منذ بدايات النهضة العربية، ظلّ سؤال واحد يلاحق الباحثين في تاريخ الثقافة الإسلامية: لماذا لم يعرف الإسلام المسرح بالمعنى الذي عرفته الحضارات الأخرى؟ ولماذا ازدهرت الفلسفة والفقه والشعر والعمارة والموسيقى، فيما ظل الفن المسرحي غائباً أو هامشياً حتى مطالع القرن العشرين؟
تعددت الإجابات، لكن وسط هذا الجدل الطويل برز استثناء كبير يصعب تجاهله: مسرح التعزية العاشورائي.
منذ قرون طويلة، نشأ داخل المجتمعات الشيعية شكل درامي متكامل يقوم على إعادة تمثيل مأساة كربلاء. دراما تجمع بين السرد والشعر والموسيقى والتمثيل والإنشاد والحركة الجماعية، حتى بدا لكثير من الباحثين أنه أقرب ما يكون إلى المسرح الذي أنجبته الحضارة الإسلامية بنفسها.
ولعلّ أهمية التعزية تكمن في تجاوزها لبعدها الديني نحو تجربة ثقافية فريدة استطاعت أن تحول الذاكرة إلى عرض حي، والتاريخ إلى مشهد، والحزن إلى أداء جماعي يشارك فيه الممثلون والمتفرجون معاً. وربما لهذا السبب بقيت التعزية، على اختلاف أشكالها، حية من إيران إلى العراق ولبنان وتركيا والهند وباكستان، متخذة في كل بلد لوناً محلياً خاصاً، مع احتفاظها بالنواة نفسها: استعادة واقعة كربلاء بوصفها تراجيديا مؤسسة للوعي الثوري الذي يعتقد بانتصار الدم على السيف. نستعرض في كلمات هذا المسرح بطقوسه التاريخية والثقافية ونسلط الضوء على مقاطع مسرحية ترجمها الباحث التونسي محمد عزيزة في كتابه البديع «الإسلام والمسرح» تحت عنوان «آلام الحسين أو مأساة كربلاء»

من الرواية إلى المسرح

إذا كان للتعزية وطن تاريخي واضح فهو إيران الصفوية ثم القاجارية، حيث بلغت هذه الظاهرة أوج تطورها. كانت مواكب العزاء الإيرانية تضم رجالاً يرتدون أزياء ملونة، يمتطون الخيول والجمال المزينة، فيما يظهر في وسط الموكب فارس يمثل شهيداً مضرجاً بالدماء، وخلفه جنود ورماح وموسيقى وأناشيد تنادي: «حسين... حسين... سيد الشهدا». يصف الباحث التونسي محمد عزيزة في دراسته الشهيرة عن الإسلام والمسرح نشوء التعزية بوصفها الشكل الدرامي الوحيد الذي عرفه الإسلام الفارسي التقليدي.

في بداية هذه المسرحة، لم يكن هناك ممثلون بالمعنى المعروف، بل رواة يقفون في الجوامع والتكايا والساحات العامة قبل حلول شهر محرم الذي وقعت فيه المجزرة، يروون بطولات الحسين، سبط النبي العربي، ويشيدون بمناقبه. كان هؤلاء يعرفون في إيران باسم «الروضة خوان» أو «الروزي كان»، وكانت وظيفتهم الجمع بين المدائح الدينية والسرد التاريخي والموعظة.

لكن الشكل أخذ يتطور تدريجياً، فما لبث أن ظهر مساعد للراوي يتحاور معه، ثم ظهرت جماعات البكائين واللطيمة الذين يرددون الأناشيد والمراثي استجابة لما يرويه الراوي، فتحولت الحكاية شيئاً فشيئاً إلى أداء جماعي يذكّر، كما لاحظ بعض الباحثين، بوظيفة الجوقة في المسرح اليوناني. مع مرور الوقت، أضيفت العوامل المسرحية الحركية إلى الرواية، فدخلت الخيول والجِمال وعوامل الديكور الأخرى، وارتدى المشاركون الأزياء التاريخية، وأخذت الشخصيات تتحاور أمام الجمهور، لتولد بذلك نواة المسرح العاشورائي.

وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تحولت هذه المواكب إلى عروض درامية منظمة. فبنيت التكايا المخصصة للتعزية، وأشهرها «تكية دولت» في طهران التي شيّدت في عهد ناصر الدين شاه القاجاري. كانت مبنى دائرياً ضخماً مستوحى جزئيّاً من دور الأوبرا الأوروبية، مزداناً بالمرايا والسجاد والتحف والكريستال والأقمشة الحريرية. وفي هذه الفضاءات كانت تقام المسرحيات العاشورائية التي كتب معظم نصوصها مؤلفون مجهولون، وتُعرض فوق منصات خشبية بسيطة مفتوحة من جميع الجهات، فيما يتجمع الجمهور حولها لساعات طويلة.

ومن أشهر هذه المسرحيات «عرس القاسم»، حيث يتحول الفرح إلى مأساة. فالعريس الشاب يتهيأ للزفاف وسط الألوان والشموع والأزهار، ثم يدخل إلى ساحة القتال ليلقى مصيره. ويبدو هذا الانتقال المفاجئ من العرس إلى الموت أحد أكثر المشاهد تأثيرًا في المخيلة الشعبية الإيرانية. وقد لاحظ عزيزة وجود تشابهات رمزية بين بعض عناصر التعزية وبعض الأساطير الفارسية القديمة، وخصوصاً قصة البطل سياوش الذي قُتل شاباً وبكاه الناس طويلاً. لكن التشابه هنا لا يلغي الفارق بين التاريخ والأسطورة، بقدر ما يكشف عن قدرة الثقافة على استيعاب الرموز القديمة وإعادة توظيفها في سرديات جديدة.

لبنان: مسرح التعزية من الظل

في جبل عامل ولبنان، اتخذت التعزية مساراً مختلفاً. خلال العهد العثماني كانت الشعائر الشيعية تخضع لقيود شديدة. وتشير الشهادات التي جمعتها الباحثة صابرينا ميرفان إلى أن الأهالي كانوا يحيون عاشوراء في البيوت بعيداً عن الأنظار، فيما يراقب الأطفال الأزقة لتحذير المجتمعين من اقتراب الدوريات العسكرية. وكانت المجالس تعتمد أساساً على قراءة المقتل والمراثي. ويذكر السيد محسن الأمين أن الناس كانوا يجتمعون في الليالي العشر الأولى لسماع روايات طويلة عن واقعة الطف، وأن هذه العادة تعود إلى زمن بعيد. غير أن التحول الأهم جاء مع وجود الجالية الإيرانية في النبطية خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

فقد كان التجار الإيرانيون يقيمون تمثيليات صغيرة باللغة الفارسية تجسد المواجهة بين الحسين والشمر، ويتابعها الأهالي بإعجاب كبير. ومع تراجع سطوة السلطة العثمانية في الحرب الكونية الأولى وصل الطبيب الإيراني إبراهيم ميرزا إلى النبطية سنة 1917، فأسهم في تطوير هذه التمثيليات ووضع أول حوار عربي تقريباً للمواجهة المسرحية بين الحسين والشمر. وكان الشمر يرتدي أحياناً لباس الجندي العثماني، في إشارة سياسية مفهومة للجمهور.

لكن المسرح العاشورائي اللبناني لم يبلغ مرحلة النضج إلا مع الشيخ عبد الحسين صادق الذي رأى محدودية هذه العروض الشعبية، فكتب نصوصاً أكثر تماسكاً واستند إلى المصادر التاريخية الشيعية، محولاً التعزية من مجرد مواجهة رمزية إلى عمل مسرحي متكامل يهدف إلى التعليم والتأثير الأخلاقي معاً.

وهكذا أصبحت النبطية التي يطلق عليها اسم «مدينة الإمام الحسين» من المراكز المهمة للمسرح العاشورائي في العالم العربي. عرس القاسم حاضر أيضاً في العرض العاشورائي النبطاني، إذ يرد في كتاب «الهجر» لنجاح طاهر: «عمتي كانت تمسرح دور سكينة، ترتدي ثوباً هاشمياً أسود اللون وتضع على جبينها عصبة عريضة من الساتان الأسود اللماع، تسدل على شعرها طرحة سوداء... تسير في المقدمة فتتبعها الصبايا حاملات صوانٍ كبيرة مستديرة وقد شُكّت فيها الشموع البيضاء المضاءة... تصعد عمتي إلى طاولة... وتبدأ في إلقاء أبيات من الشعر تندب فيها موت رجال أهل البيت وأصحابهم... ويبكي الجميع:

عريسي قاسم
وين العرس وينها
وريت عرسك دايم
لتشوف سكنة بعينا
تركيا: عاشوراء بين الشيعة والعلويين والبكتاشيين

أما في الأناضول العثمانية، فقد أخذت عاشوراء طابعًا مسرحيّاً يمتزج بالتقاليد المحلية. ففي وصف يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر نرى احتفالاً يبدأ بدخول أطفال يرتدون الأبيض، بعضهم على ظهور الخيل وبعضهم يسيرون على الأقدام وهم ينشدون ويبكون. ثم تتوالى المجموعات التي تضرب صدورها أو تحمل السلاسل الحديدية، فيما تردد الهتافات الجماعية أسماء سبطي الرسول أو «سيدي شباب أهل الجنة»: «يا حسن... يا حسين»، وفي ذروة المشهد يدخل حصانان أبيضان تعلو كل واحد منهما حمامة بيضاء، في رمزية تستدعي الإمامين، المقتول بالسمّ والمذبوح بالسيف.

لكن عاشوراء التركية لم تقتصر على التمثيل والحداد. فالعلويون والبكتاشيون أضفوا عليها أبعاداً مختلفة. ففي كثير من مناطق الأناضول يدخل الطعام كتعبير عن الهوية الدينية والثقافية، فتوزّع على الحاضرين «هريسة عاشوراء» المصنوعة من الحبوب والمكسرات والفواكه المجففة. وتحيط بهذا الطعام روايات شعبية تربطه بسفينة نوح وببدايات الخليقة.

كما تترافق بعض الاحتفالات مع الأناشيد والرقصات الصوفية المعروفة باسم «السماح»، حيث يمتزج الحزن الديني بالتعبير الروحي والصوفي الجمالي. وهكذا تبدو عاشوراء في تركيا أقل ارتباطاً بالتمثيل التراجيدي المباشر الذي نجده في إيران والعراق، وأكثر انفتاحاً على التقاليد الصوفية والطقوس الجماعية المتنوعة.

العراق: المناحة العظيمة

إذا كانت إيران قد طورت النص المسرحي، فإن العراق منح التعزية كثافتها الاجتماعية والسياسية الأكثر وضوحاً. في المدن المقدسة مثل كربلاء والنجف والكاظمية، تطورت المجالس من مناسبات دينية إلى فضاءات اجتماعية وثقافية كبرى. وكان «الروزخون» أو قارئ المقتل يكيّف لغته وأسلوبه بحسب جمهور الحاضرين وخلفياتهم العشائرية والطبقية، وانعكس الطابع العربي العشائري للمجتمع الشيعي العراقي في الشعر المستخدم في المجالس، ولا سيما «الأبوذية» و«الهوسة»، حيث تحضر قيم الشجاعة والفروسية والوفاء حضوراً طاغياً. كما يشتهر العراقيون بركضة «طويريج» وهي واحدة من أشهر الشعائر العاشورائية في العراق، وتُقام في يوم العاشر من محرم في مدينة كربلاء، ويشارك فيها مئات الآلاف، بل أحياناً ملايين المعزين، الذين يركضون لمسافة عدة كيلومترات باتجاه مرقد الإمام الحسين.

وقد سُمّيت بهذا الاسم نسبة إلى مدينة طويريج، وهو الاسم القديم لقضاء الهندية الواقع شرق كربلاء بنحو 20 كيلومتراً. بحسب الرواية المتداولة، تعود بدايتها إلى أواخر القرن التاسع عشر. فقد كان العالم الشيعي السيد صالح القزويني يقيم مجلس عزاء في طويريج يوم عاشوراء، وعندما وصل المجلس إلى لحظة استغاثة الحسين «ألا من ناصر ينصرني»، نهض الحاضرون بشكل عفوي واندفعوا ركضاً نحو كربلاء وكأنهم يلبون النداء متأخرين.

ثم تحولت هذه الحركة إلى تقليد سنوي. كما اكتسبت شخصية العباس بن علي مكانة خاصة. فهو الفارس الكامل الذي يقتحم صفوف الأعداء ويقلب الميمنة على الميسرة بحثاً عن الماء للأطفال والنساء، قبل أن يلقى مصرعه قرب الفرات. وقد جعلت هذه الصورة منه بطلاً شعبياً لا يقل حضوراً عن الحسين نفسه في الوجدان العراقي.

أما تمثيل المعركة، أو ما يعرف بـ«الشبيه»، فقد بلغ درجة كبيرة من التعقيد. ففي بعض القرى العراقية منتصف القرن العشرين شارك عشرات الممثلين فوق الخيول، وانقسموا إلى معسكر الحسين ومعسكر خصومه. واللافت أن الجمهور لا يكون متفرجاً سلبيًّا، بل يبدو منخرطًا في هذا المسرح الشعبي بالتعبير البريختي، فالنساء والرجال يهتفون، يشجعون، يحتجون، ويشاركون عاطفياً في مجريات العرض. بل إن بعض الروايات تذكر استخدام البنادق وإطلاق النار فوق رؤوس الممثلين أثناء المشاهد الحربية، ما جعل الحدود بين المسرح والواقع تبدو شديدة الهشاشة. وفي مواكب كربلاء والنجف، كانت المدينة كلها تتحول إلى خشبة مسرح: فرسان، جِمال، سبايا، رجال دين، تجار، لطم، سلاسل، وأناشيد؛ مشهد هائل تتحرك فيه طبقات المجتمع المختلفة داخل سردية واحدة هي سردية كربلاء.

بين الطقس والمسرح

بالعودة إلى النقد الأدبي الحديث، قد يبدو السؤال مشروعاً حول انطباق المعايير المسرحية على مسرح التعزية العاشورائي. فالتعزية ليست مسرحاً بالمعنى الأوروبي الدقيق، لأنها لا تقوم على الفصل الكامل بين الممثل والمتفرج، ولا تهدف إلى الترفيه أو الجمال الخالص.

لكنها في الوقت نفسه تتضمن معظم العناصر المسرحية الأساسية: نصاً، وشخصيات، وحواراً، وفضاءً للعرض، وأزياء، وموسيقى، وجمهوراً. بل إن خصوصيتها تكمن تحديداً في تجاوزها لهذا الفصل. فالمتفرج فيها ليس شاهداً محايداً، بل مشارك وجداني في الحدث. إنه يعرف النهاية مسبقاً، لكنه يعود كل عام ليعيشها من جديد. ولهذا ربما فشلت كثير من المحاولات التي حاولت فهم التعزية بوصفها مجرد بقايا طقس ديني أو مجرد مسرح شعبي.

فهي تقع في منطقة وسطى بين الاثنين: طقس يتحول إلى مسرح، ومسرح يستمد قوته من الطقس. ومن إيران إلى العراق ولبنان وتركيا، ظلت التعزية العاشورائية تقدم مثالاً نادراً عن قدرة الذاكرة الدينية على إنتاج أشكال فنية معقدة ومستمرة عبر القرون. وفي الوقت الذي ظل فيه سؤال «الإسلام والمسرح» مفتوحاً أمام الباحثين، بقيت التعزية تذكّرنا بأن الحضارة الإسلامية لم تكن خالية تماماً من المسرح، بل ربما أنجبت مسرحها الخاص، المختلف عن كل ما عرفته الحضارات الأخرى، مسرحاً ولد من الحزن، وعاش في الذاكرة، واستمر لأن الناس لم يتوقفوا عن رواية القصة نفسها، جيلاً بعد جيل.


مقاطع من مسرح التعزية

(ترجمة محمد عزيزة عن الفارسية في كتابه «الإسلام والمسرح»، منشورات عيون، 1988)

تدخل زينب إلى خيمة الحسين
الحسين: (وحده)
في هذه الساعة البعيدة عن الثبات... التي تنقلب فيها الأشياء.
أي اضطراب يمسكك يا نفس؟
هل أتابع الطريق رغم العقبات؟
هل أقود هذا الشعب نحو أجله من أجل أهداف؟
هل أسبابي نقية حقاً؟ أم أنها الكبرياء التي تدفعني؟
وهل يكون إغراء السلطة بهذه القوة حتى تجعلني أنسى مسؤوليتي تجاه هذا الشعب؟
ولكن... كيف يمكن للرجل الفاضل أن يقبل دون نقاش إهانة المتسلطين في هذا العالم؟
أيمكن لأكثر الأهداف عدلاً أن تُدفن في التراب عاراً وخوفاً أمام البربرية المتسلطة؟
يا نور القرار الصائب... أنت تتخلى عني بقسوة.
الجوقة:
في قلب الرجل العادل.
الظل يحارب الضياء.
زينب:
استيقظ يا أخي، أتوسل إليك، لقد اسودّ وشاحي باقتراب أجلك.
استيقظ، إن جيش الأعداء هنا... يا ملكًا دون فرسان.
استيقظ، نومك هادئ، ولكن مملكة الأحلام خداعة.
استيقظ، فنحن محاصرون في أعماق شقائنا.
الحسين:
حلمت حلماً... كان السهل فيه أخضر... ولكنك لم تدعيني أكمله،
والماء رقراقاً، والنبع نقياً... ولكنك لم تدعيني أكمله.
وخيّل إليّ أني أميز والدتي... وقد ارتدت السواد كلها... وأشارت إليّ بيدها إشارة خفيفة... وابتسمت ابتسامة عذبة وكأنها تريد مني أن أجتاز المياه وأن أصل إليها... ولكنك لم تدعيني أكمله...
زينب:
كنت نائماً يا أخي... وفي هذه الأثناء وصل شمر وصرخ بنا.
أريد أن أقتل الحسين وأن أسبي زينب... هذا ما قاله شمر.
الحسين:
لقد أكملت شمس الشقاء السوداء دورتها إذن،
لقد أخذ مني هذا الفارس المتعطش للدم أخي وأولادي وخير ما لي من أعوان.
وها هو يطمع الآن بسلبي حياة لم تعد ذات قيمة،
وأن يجعلك تحملين يا أختي المعبودة أهوال أسر مخجل،
لقد كُتب عليّ ألا أدخل أبواب الجنة إلا وعيناي مليئتان بالأشواك.
زينب:
كيف لا يمكنني أن أموت من أجلك يا نور عيني...
فأنقذك وأجنّب نفسي شقاء أسر أكثر هولاً من الموت؟
الحسين:
لقد حانت الساعة التي لا مفر منها والتي عليّ أن أواجه فيها رياح القدر المعاكسة...
آن أوان الرحيل يا أختاه، سأبلغ سلامك والدتنا...
لقد كان الحلم نبوءة، كانت تعرف أنه عَليّ أن ألقاها.
زينب:
لن يسمح الله بذلك، ولن ترضى السماء بأن يقع مثل هذا الظلم.
إذا مت أيها الملك... فلن يبقى أمامي إلا أن أضع حدًّا لحياتي بيدي هاتين.
الحسين:
لن ترتكبي هذا العمل الأحمق أبداً... لأنني أعهد إليك بصغيرتي سكينة،
لا تكفّي لحظة واحدة عن السهر عليها،
ستكونين ملاذها الوحيد.
سكينة (تستيقظ)
أنا ظمأى... ظمأى... يا والدي الحبيب... أتوسل إليك... نقطة ماء.
الحسين:
على شفتيها المشققتين تقف روحها التي عذبها الظمأ تنتظر الرحيل.
انظري يا زينب... يأس الوالد الذي يعجز عن إنقاذ فلذة كبده،
انهضي يا سكينة... وكفّي عن الأنين سأذهب وآتيك بقليل من الماء،
آتيني بأسلحتي يا أختاه...
آن الأوان كي أستعد لمعركتي الأخيرة،
وربما عندما أصل إلى فوق... أمام الينابيع السماوية،
ربما أمكنني أن ألقي بقطرة من ماء على النار التي تلتهم أحشاء طفلتي الصغيرة.
زينب:
أيها الملك، كيف يمكننا تحمل الحياة من دونك؟
لا تذهب إلى حقل المعركة.
الحسين:
وما يمكنني أن أفعل سوى ذلك... يا أعز الأخوات.
أنت تعلمين أن زمرة الكلاب الجائعة التي تحاصرنا لا تدع لنا مجالاً للإفلات.
إذن خير لنا أن نموت بشجاعة... وسلاحنا في يدنا،
بدلاً من أن نذبح على سرير وثير.
أعهد إليك بسكينة، اسهري عليها... كلميها عني بين وقت وآخر.
الوداع... كم أحببتك يا زينب.
(يخرج)
زينب:
الشقاء الكبير يخرس اللسان... ويجفف الدمع.
أيتها الشمس... أيتها الشمس الوقحة، كيف يكون في وسعك أن تتوهجي وأن تضيئي بأنوارك هذا الكفر الذي لا يطاق.
(ظلام)
(الحسين أمام الجيش الأموي، ينتظر نهوض الشمس)
الحسين:
ها أنت ذا أخيراً، أيها الصباح الصغير الأبيض، يا معلن اليقظة.
الديك يصرخ في الضياء المظلم، والأرض تنفخ بثقل أحلامها البشعة... وتهيئها نشوى لاستقبال النهار.
عما قريب... سيتورد الأفق، وعما قريب ستدفئ الشمس الهضاب، وعما قريب... سيأتي صباحي الأخير.
أيتها السماء، أيتها السماء الصامتة، لم تركتني؟
الملاك فيتروس
أتيت إليك يا ابن علي المرتجى. إن كفيّ فارغتان، ولكن قلبي يفيض رحمة.
ولا أملك إلا كلمات مطمئنة أقدمها لك.
الحسين:
شقائي كبير أيها الصديق.
فيتروس:
أتفهمك لأنني أيضاً عرفت الشك والقلق.
في يوم ما، كنت مسؤولاً عن خطأ جسيم، وطردني الخالق من السماوات، وأكلت النار أجنحتي.
وبعد ذلك هبطت إلى الأرض وخلال ثلاثين ألفاً وتسعين من السنوات كنت أهيم في جزيرة من جزر الروم، محرومًا من رضا الرب، وعرفت إغراء الإلحاد وعرفت نداء الشر.
ولكن في ليلة، الليلة التي أتيت فيها أنتَ إلى الدنيا، أيها المنقذ، أتاني الملاك جبرائيل الأمين وأعلمني بالنبأ السعيد.
قال لي أمير الملائكة: «اسعَد يا فيتروس، لقد عفا الخالق عن أخطائك وأعادك للجنان، لأن في هذه الليلة وضعت فاطمة جوهرة لا مثيل لها، في هذه الليلة أصبح عليٌّ والدًا لطفل سيكمل مهمته.«
هكذا تكلم جبرائيل الأمين، ونما جناحاي من جديد... وبدأت صعودي المجيد.
الحسين:
يا زهرة النسيان، أيتها الكلمات، لم لا تستطيعين أن تحلّي مكان الحقيقة السامة؟
فيتروس:
إن الخالق لا يهجر مختاريه أبدًا... فاطمئن يا حسين.
الحسين:
اذهب أيها الملاك الجميل... اذهب واعلم أني ما زلت مصمماً أن أهب حياتي تكفيراً عن خطايا أمّتي.
(يختفي الملاك فيتروس)


المراجع
محمد عزيزة، «الإسلام والشعر »، منشورات عيون، الدار البيضاء، 1988.
صابرينا ميرفان، «حركة الإصلاح الشيعي»، صابرينا ميرفان، 2008.
إسحق النقاش، «شيعة العراق»، ترجمة عبد الإله النعيمي، دار المدى، 1996.
نجاح طاهر، «الهجر»، دار الآداب، 2009.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانصفعة لعيسى ورجي: شيباني باقٍ في بيروت
الأخبار

25.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك