جمال واكيم: «تاريخ لبنان» بعيداً عن التمجيد
يُعَدُّ التاريخ من المواضيع الإشكالية على مستوى العالم، وتأتي إشكاليّته من انعدام الموضوعية فيه، التي تتمثَّل بالمقولة الشهيرة: «التاريخ يكتبه المنتصرون».


يُعَدُّ التاريخ من المواضيع الإشكالية على مستوى العالم، وتأتي إشكاليّته من انعدام الموضوعية فيه، التي تتمثَّل بالمقولة الشهيرة: «التاريخ يكتبه المنتصرون». تفرض هذه المقولة على دارس التاريخ قراءة مصادره المتعددة، التي كتبها المنتصرون والمهزومون ومن كانوا خارج معركتهما، للحصول على الرؤية الأقرب إلى حقيقة ما حدث.
في بلدٍ كلبنان، يعيش في حقبة اتفاق الطائف، التي أنهت نظرياً الحرب الأهلية وافتُتِحت تحت عنوان «لا غالب ولا مغلوب»، يمكننا أن نتخيّل حجم التباين في كتابة التاريخ بالنسبة إلى كل طرفٍ سياسي. يترسَّخ هذا التباين ويتجذَّر في المجتمع متحوِّلاً إلى نُذُر تفككٍ وتقسيم مع امتلاك كل حزب مدارسَ ومؤسساتٍ تعليمية خاصَّة به، تُلقِّن طلابها من محازبيه وأبناء بيئته نسختها الخاصّة من تاريخ البلد.
في محاولةٍ لتقديم قراءةٍ أخرى، وكتابة تاريخٍ «يبتعد من السرديات التمجيدية والطائفية، التي دائماً ما طبعت مقاربات عدد من المؤرِّخين اللبنانيين التقليديين»، صدر كتاب «تاريخ لبنان الحديث والمعاصر 1516 ـ 2026»، للباحث جمال واكيم (مركز دراسات الوحدة العربية). من أجل تقديم سردية جديدة تهدف إلى فهم الديناميات المركَّبة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي شكَّلت دولة لبنان الكبير، يركز واكيم على دمج البعد الدولي بالبعدين الإقليمي والمحلي في مختلف مراحل تاريخ جبل لبنان، منذ أواخر عهد المماليك، مروراً بالقرون الأربعة من حكم العثمانيين، وصولاً إلى فترة الانتداب الفرنسي التي أُعلِن في مطلعها إنشاء دولة لبنان الكبير.
1516 : بداية حقبة طويلة
اختار واكيم سنة 1516 بدايةً لتأريخه. في هذه السنة وقعت معركةٌ في سهل مرج دابق، شمال حلب، بين الجيشين المملوكي والعثماني، حيث انتصرت قوات السلطان سليم الأول، ما جعل بلاد الشام، ومن ضمنها جبل لبنان، تحت الاحتلال العثماني. يعود الباحث إلى العقود التي سبقت هذا التاريخ، ويفرد صفحات لشرح نشوء وتوسُّع كلٍّ من المماليك والصفويين والعثمانيين، والتهديد الذي مثَّله لهم المغول خاصَّة في عهد تيمورلنك، من أجل فهم الأوضاع العامة للمنطقة قبل الغوص في تفاصيل بقعةٍ صغيرةٍ منها.
كما يشير إلى دور الصراعات التي نشبت على طرق التجارة البحرية بين البرتغاليين والمماليك، التي خسَّرت الأخيرين دوراً جيواستراتيجياً واقتصادياً، بفعل اكتشاف البرتغاليين لرأس الرجاء الصالح في أواخر القرن الخامس عشر، وبالتالي انعدام حاجتهم إلى المرور براً عبر أراضي شرق المتوسط للوصول إلى الهند وأعماق آسيا.
فخر الدين الثاني:
مؤسِّس لبنان الحديث
في أوائل القرن السابع عشر، ورث الأمير فخر الدين الثاني السيادة على المناطق الدرزية في جنوب جبل لبنان، لكنَّ هذا السياسي الداهية وسّع حدود إمارته تدريجياً، لتشمل أولاً المناطق الشمالية من الجبل، التي كان يعيش فيها الموارنة، «وبذلك وضع الائتلاف الدرزي ـ الماروني الذي قام عليه لبنان كولاية عثمانية».
ثم مدَّ حدوده إلى ولاية طرابلس، والداخل السوري الواقع شرق سلسلة لبنان الشرقية في منطقة حمص. وضمَّ كذلك سنجق صفد في شمال فلسطين. بذلك يُعتبر فخر الدين الأمير الفعلي الأول للبنان بالمعنى الذي تأسس عليه لاحقاً ككيان، بعدما كان يحكمه أمراء متعددون. بهذا يُعَدّ «مؤسِّس لبنان الحديث».
عهد الشهابيين وصعود الكنيسة المارونية
بعد وفاة الأمير أحمد المعني، انتقل الحكم إلى الشهابيين؛ أولاً إلى ابن أخت أحمد بشير الشهابي، ثم إلى حفيد أحمد حيدر الشهابي، بعدما صار بالغاً. لكنّ انخراط الأمير بشير الثاني الشهابي في صفوف المصريين ضمن حملة إبراهيم باشا المصري على بلاد الشام، جعل العثمانيين يُنهون حكم الشهابيين.
قبل ذلك وبعده، ظلّ نفوذ الكنيسة المارونية يزداد ويتوسَّع، إذ تمَّ شراء مساحات واسعة من الأراضي، وُظِّف فيها آلاف الفلاحين، وكانت فرنسا تدعم الطوائف الكاثوليكية في إطار صراع النفوذ مع العثمانيين، وتجارة الحرير تتمّ مع فرنسا عبر الكنيسة، التي أخذت تتطلع مع تراجع دور المقاطعجيين وضعف العائلات الإقطاعية إلى لعب دور سياسي، كان يؤديه لها أولاً الأمراء المعنيون بعد تحوُّلهم إلى المسيحية، ثم صارت تضطلع به بشكل مباشر بعد سقوط حكمهم، وبهذا حصل التداخل الأول بين الدين والسلطة.
تجدر الإشارة إلى أنّ التسامح الديني ساد في عهدي المعنيين والشهابيين إلى حد كبير، فالأمير فخر الدين الثاني نقل الموارنة الذين كانوا حرفيين مهرة من شمال جبل لبنان إلى وسطه وجنوبه، من أجل نقل خبراتهم إلى بقية سكان الجبل. كما أنّ الأمراء الشهابيين السُّنّة، وعدداً من العائلات الإقطاعية الدرزية مثل آل أبي اللمع، تحولوا إلى المذهب الماروني، لاعتباراتٍ تتعلق بحفظ المصالح وتغير الظروف السياسية والاقتصادية في الجبل. ثم إن الحكم انتقل من المعنيين الدروز إلى الشهابيين السنة بقبول شعبي.
مجمع اللويزة والتدخل الفرنسي
لاهوتياً، شهد مجمع اللويزة الماروني الكنسي، الذي عُقِد سنة 1736، تحولات عقائدية ولاهوتية جذرية، تخلّت بموجبها الكنيسة المارونية عن الطقوس التي درجت عليها لقرون، واعتمدت الطقس اللاتيني استجابةً لمطالب كنيسة روما. لكن أهم ما ميّز هذا المجمع، الذي شهد معارضة كبيرة للتعديلات المطلوبة من البطريرك يوسف ضرغام الخازن ومعظم الإكليروس الماروني، التدخُّل السافر في أعمال المجمع لقنصل فرنسا في صيدا (يورد واكيم ثلاث رسائل بعثها إلى وزير خارجيته يُوضح فيها الضغوط التي مارسها والمطالب التي أرسلها للبطريرك)، وضغطه على القنصل الفرنسي في بيروت، نوفل الخازن، ابن شقيق البطريرك، لدفع عمه إلى إقرار التعديلات المطلوبة، التي من شأنها إنهاء أي استقلال للكنيسة المارونية، وجعلها تابعةً رسمياً بالكامل لشخص البابا في روما، ما يُسهِّل السيطرة الغربية عليها، خلافاً لكنيسة الروم الكاثوليك التي حافظت على عقيدتها وطقوسها. كما أنّ من ترأس المجمع هو القاصد الرسولي اللبناني الأصل، يوسف السمعاني، لا البطريرك كما يجب أن يحصل بأمر من البابا كليمنت الثاني، الذي كان يخشى معارضة البطريرك وفريقه للتعديلات.
نظام القائمّقاميتين
ونظام المتصرفيّة
بعد سقوط الشهابيين سنة 1842، ثم النظام الإقطاعي، وُلِد نظام القائمّقاميتين. مثّل أول نظام طائفي رسمي عرفه لبنان منذ أقدم العصور، حيث قُسِّم جبل لبنان إلى منطقة شمالية يسكنها الموارنة، ومنطقة جنوبية يسكنها الدروز، على خلفيّة توترات طائفيةٍ بينهما. لكنّ هذا الفصل الطائفي لم يُفلِح في منع الفتنة الكبرى في 1860 من الوقوع. بدأت في جبل لبنان وامتدَّت إلى مدن أخرى في سوريا ولبنان حالياً، وخاصَّة دمشق، وفي هذا عبرة للحاضر.
بعد أحداث هذه الفتنة الطائفية بعام، أُقِرَّ نظام المتصرفية في جبل لبنان، الذي جعله منفصلاً من الناحية الإدارية عن بقية مناطق بلاد الشام. ومن أهم تداعياته أنَّه كرَّس مبدأ التناقضات بين الطوائف، فتمَّ الاتفاق على أن يكون الحاكم عثمانياً مسيحياً كاثوليكياً، غير تركي وغير لبناني، تُعيِّنه الدولة العثمانية بموافقة الدول الأوروبية الست العظمى (بريطانيا، فرنسا، النمسا ـ المجر، روسيا، بروسيا، وإيطاليا)، ويساعده في أداء مهماته مجلس إدارة استشاري، يتوزَّع أعضاؤه بحسب المناطق والطوائف. وفي هذا صيغة تدويلية مبكرة لحكم لبنان، استمرَّت حتى يومنا هذا.
بقي نظام المتصرفية قائماً حتى ما بعد الدخول في الحرب العالمية الأولى، إلى أن انهار في 1915، مع قرب انهيار الإمبراطورية العثمانية وخسارتها مناطقها الطرفيّة.
إنشاء دولة لبنان الكبير
في 1920، أُعلن عن إنشاء دولة لبنان الكبير، التي رسمت حدودها الحالية فرنسا بالشراكة مع البطريرك المارني الياس الحويّك. المنطق الذي اتَّخذته الدولة الناشئة منذ ولادتها يقوم على الدور الرئيسي للكيانات الطائفية داخل الوطن الواحد، وهو ما دفعت إليه الكنيسة المارونية، بحسب واكيم، لأنها كانت الطائفة الأغنى والأكثر دعماً خارجياً، وبالتالي الأقوى في الداخل، وهو ما تُرجم في نظام الحكم، قبل أن تفقد هذه المكانة بعد الحرب الأهلية. يشير واكيم إلى أن الاصطفافات الطائفية دفعت الطوائف الأخرى إلى تقليد الموارنة، فأصبح لكل طائفة جناحها السياسي، والقوى الخارجية الداعمة لها.
تاريخ بداية الحرب الأهلية هو 26 شباط لا 13 نيسان
إقامة دولة لبنان الكبير بإعلانٍ فرنسي يمكن أن يُفسَّر على أنّه ترجمة للتعاطي الغربي مع «المسألة الشرقية»، التي تقوم على تقاسم تركة العثمانيين في الشرق. وقد بدأ الحديث عنها بالتزامن مع ضعف الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر بسبب عجزها عن مواكبة التغيُّرات العالمية الحاصلة، ثم أُخرجت منها روسيا بسبب خسارتها حرب القرم الثانية ضد العثمانيين المدعومين من الأوروبيين، قبل أن تشرع الدول الغربية في إنشاء كياناتٍ لجماعتها، وهو ما فعلته فرنسا للموارنة في لبنان، وبريطانيا لأولاد الشريف حسين في الأردن.
الحرب الأهلية وأسبابها الطبقية
ينطلق جمال واكيم في تفسيره نشوب الحرب الأهلية عام 1975 من فكر المفكر الماركسي الجديد المتأثر بغرامشي، بيتر غران، الذي يُرجع أنماط الهيمنة في بلدان العالم الثالث، ومنها لبنان، إلى ما سماه نمط الهيمنة القبلي العرقي. وفق هذا التفسير، تُعرقل النخب المُنشِئة لنظام الحكم الصراعات الطبقية من خلال تحويلها إلى صراعات طائفية أو عرقية، بالتعاون مع القوى الخارجية المستفيدة من النظام المأزوم. من هنا، يعارض واكيم الرواية اليمينية السائدة الحاجبة للصراع الطبقي، التي تُصوِّر الحرب على أنَّها «حرب قومية دفاعاً عن الوطن ضد الغرباء الفلسطينيين». تاريخ بداية الحرب الأهلية، بحسب واكيم، هو 26 شباط لا 13 نيسان، ومكانها صيدا لا عين الرمانة، حيث أطلق مقاتلو حزب «الكتائب» النار على حافلة فلسطينية كما هو معروف.
تاريخياً، ظلّ الاقتصاد اللبناني، منذ زمن فخر الدين، ثم نظام القائمّقاميتين، ثم المتصرفية، وصولاً إلى لبنان الكبير، اقتصاداً في خدمة مصالح الطبقة الحاكمة، غير عابئ بعامة الناس. ترسَّخ ذلك بعد نكبة فلسطين، حيث لجأ أصحاب رؤوس الأموال المهجَّرون شمالاً مع ثرواتهم، وأنشأوا مصارف كمصرف «أنترا» ليوسف بيدس، ومصرف «فيرست ناشيونال بنك» و «بنك بيروت»، وغيرها من الشركات العقارية والخدمية. عملت هذه الطبقة الجديدة، التي مُنحت الجنسية اللبنانية دوناً عن عامَّة اللاجئين الفقراء من سكان المخيمات، على جلب رأس مال البترودولار الخليجي إلى مصارفها، بدءاً من مطلع الستينيات، وهي الفترة التي بدأ فيها استخراج النفط في السعودية والكويت والإمارات، ما أدى إلى تركيز الاهتمام الحكومي بقطاع المصارف والخدمات والسياحة، وإهمال القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة. وصلت الأزمة إلى ذروتها منتصف السبعينيات، مع تفاقم هجرة أبناء الأرياف وإقامتهم في أحزمة بؤسٍ حول المدن، ومعاناتهم من البطالة والعوز.
الأسباب الاقتصادية والطبقية كانت المُفجِّر لاحتراباتٍ أهلية سابقة، منها الصراع على ملكية الأراضي بين المقاطعجية والفلاحين بعد انهيار الحكم المصري في بلاد الشام (1831 ـ 1840)، والمواجهات الدامية بين الفلاحين والإقطاعيين التي بدأت قبل عامين من فتنة 1860، وإن كانت العوامل الطائفية حاضرةً دائماً نظراً إلى التداخل بين الدين والسياسة، الذي كانت الكنيسة المارونية تجسيده الأوضح في تلك الفترة، إذ أصبحت المالكة الجديدة للأراضي التي كانت سابقاً للمقاطعجيين الدروز والموارنة.
اتفاق الطائف والجمهورية الثانية
كرّس اتفاق الطائف، الذي انعقد في السعودية عام 1989 وأنهى نظرياً الحرب الأهلية، اختلال توازن القوى على المستويين الإقليمي والدولي. فمع تراجع دور فرنسا التدريجي بعد الحرب العالمية الثانية، صعدت الولايات المتحدة ومدّت نفوذها في مختلف أرجاء الكوكب.
وبعد رحيل جمال عبد الناصر وتوقيع مصر اتفاق كامب ديفيد، تراجع دورها العربي على حساب السعودية. وكانت سوريا المجاورة والمتواجدة منذ عام 1976 بقوات عسكرية على الأرض اللبنانية الأداة التنفيذية لهذا الاتفاق. هكذا تمّ تقاسم النفوذ في لبنان بين هذه الدول الثلاث، وانتقلت كنتيجة للحرب الأهلية ولتغيُّر التوازنات المذكورة أعلاه الكثير من صلاحيات السلطة التنفيذية من رئيس الجمهورية الماروني إلى رئيس الحكومة السني.
اختلَّ الاتفاق بدءاً من الغزو الأميركي للعراق ورفض سوريا مساعدة أميركا فيه، ثم في 14 شباط 2005 باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. سبق هذا الاغتيال قرار من مجلس الأمن يطالب القوات السورية بالخروج من لبنان، وبعده بسنوات انتفض الشعب السوري ضد نظام الأسد، الذي انهار أواخر عام 2024. وبالتالي يمكن وضع ما يشهده لبنان والمنطقة في إطار إعادة تثبيت حدود القوى على الأرض، بعدما اختلّت موازينها بسبب عملية «طوفان الأقصى» في غزة، وما تلاها من حروب مستمرة ومترابطة، في فلسطين ولبنان وإيران.
يخلص واكيم إلى أنّ الدرس الذي يمكن استخلاصه من تاريخ لبنان غير الخطي وغير المتجانس، هو أنّ هذا التاريخ «لا يُفهم إلا إذا نُظِر إليه كحقلٍ دائم التحوُّل، وصراع مستمر على تعريف الهوية، ومجال مفتوح للتفاوض بين الطوائف والطبقات والفاعلين الخارجيين».
