سليمان منصور... حارس الذاكرة الفلسطينية
رحل سليمان منصور (1947 ــ 2026)، أحد أبرز وجوه الفن الفلسطيني الحديث، بعدما جعل من اللوحة حافظةً للذاكرة والهوية.


رحل سليمان منصور (1947 ــ 2026)، أحد أبرز وجوه الفن الفلسطيني الحديث، بعدما جعل من اللوحة حافظةً للذاكرة والهوية. على امتداد نصف قرن، حملت أعماله القدس والزيتون والأرض والمرأة الفلسطينية، ووثّقت تجربة شعب تحت الاحتلال. من «جمل المحامل» إلى أعماله الطينية، ترك منصور فناً يقاوم المحو ويتمسّك بالمكان
لوحاته الأيقونية تشهد على إبداعه الفريد والخاص الذي استقطب اهتماماً عالمياً. رحل سليمان منصور (1947 ــ 2026) أول من أمس حاملاً معه جرح فلسطين، الوطن والإنسان، وقد جسّدهما معاً في لوحاته البديعة التيمات والدلالات والمعاني الإنسانية والوطنية، والمبهجة للعين والقلب والروح تكويناً وألواناً وروعة تنفيذ.
رموز الأرض والهوية
اشتهر الراحل بلوحاته الكبيرة والجميلة، لكنّه كان أيضاً نحاتاً وكاتباً ورسّام كاريكاتور، وعلماً من أعلام الفن الفلسطيني الحديث، موثّقاً في أعماله كلّها للنضال الفلسطيني، وللتعلّق بالأرض والذاكرة والتراث، مع التركيز على إبراز إنسانية الشعب الفلسطيني وعراقته التاريخية، حتى بات فنه رمزاً للهوية الوطنية الفلسطينية، ملهمةً أجيالاً من الفنانين الذين اقتدوا نظرته وأسلوبه. رموزه مستوحاة من الحياة الفلسطينية وتاريخها وتقاليدها وخيرات الأرض، فمن خلال شجرة البرتقال، تناول الأرض المفقودة من نكبة عام 1948، ومن خلال أشجار الزيتون رَمَزَ إلى الأرض المحتلة عام 1967، ومثّل الأرض والثورة والانتماء من خلال النساء المرتديات أثواباً مطرزة تقليدية. أما القدس وقبة الصخرة المتلألئة، فتمثلان في لوحته حلم العودة.
حين صار الطين مقاومة
تنوّعت الوسائط الفنية التي اعتمدها منصور على امتداد مسيرته الفنية الطويلة لنحو نصف قرن، وكانت تتبدّل لتواكب تجربته في النزوح داخل وطنه، وتبعاً لتطورات الحركة الوطنية الفلسطينية وتحولاتها. أسّس مع الفنانين فيرا تماري ونبيل عناني وتيسير بركات حركة «رؤى جديدة» عام 1987 التي دعت إلى مقاطعة الأدوات الإسرائيلية واستبدالها بمواد طبيعية محلية كالحناء والطين والبن. استخدم الطين لابتكار رموز تجسّد ثراء الثقافة الفلسطينية وتنوعها ولكنّها تدلّ أيضاً وفي الوقت نفسه على التفكك الذي يعانيه المشهد السياسي الفلسطيني، وينعكس في الشقوق التي تتسع في الطين أثناء جفافه.
وللفنان الراحل قصص تفوق الخيال نكاد لا نصدّقها من فرط عبثيتها وجنونها، ومنها أنّ كيان الاحتلال أصدر تشريعاً يفرض رقابة على «الفن السياسي» الفلسطيني، و«قواعد» من نوع أنّه لا يجوز استعمال ألوان معينة مثل الأحمر والأخضر والأسود والأبيض! ونشرت هذه «القواعد» في الصحف، أي إنّ سلطة الاحتلال فرضت حظراً على الألوان. سابقة في التاريخ البشري كله! الهدف الأساسيّ هو ألوان العلم الفلسطيني، حتى ثمرة البطيخ مُنع رسمها!
-
سليمان منصور. «فلسطين الأم». زيت على قماش. 1986. عن موقع المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة
الرموز المتضمنة في فن سليمان منصور، كشجرة الزيتون المعمّرة والتطريز الفلسطيني، هي أوعية للذاكرة الجماعية والمقاومة الراسخة، يسعى من خلالها إلى تجاوز حدود الزمان وإلى نسيج بصريّ يتردد صداه مع الروح الصامدة لشعب عانى التهجير الجسدي والنفسي. كان طفلاً يوم شاهد جدته تصنع خلايا نحل من الطين الممزوج بالقش.
وحين فكر في استخدام مواد طبيعية، تذكّر جدته ومعجونة الطين التي مزجها بقشّ مطحون ليحصل في النهاية على مادة قوية رغم مظهرها الهشّ، ثم خلطها بالألوان ورسم بها بواسطة الأصابع ثم استخدم في النهاية فرشاة ليرسم بمسحوق ملوّن بعض الأشكال والخطوط. ويتشقق الطين عند جفافه، فيملأ الفنان شقوقه في عملية شاقة تتطلب وقتاً وجهداً. في النتيجة، كانت اللوحات الطينية تبدو مثل المنحوتات.
فلسطين في اللوحة
أمّا بالزيت على القماش، فقد أنجز لوحات كثيرة بهذه التقنية التعبيرية، من أشهرها «طقوس تحت الاحتلال» (1989) بما تحمل من بعد منظوريّ مدهش لجموع من الشعب الفلسطيني تحمل صليباً طويلاً وعملاقاً من حجر ثقيل، يرمز بالطبع إلى الوطن، مطليّاً بالعلم الفلسطيني، وجبال فلسطين في الأفق البعيد. ولكونه وافداً من إرث لاهوتيّ مسيحيّ فلسطينيّ، ويثري إيمانه هويته، بحسب تعبيره، يرسم في «رحلة إلى مصر» (1984) العذراء محتضنةً طفلها في رحلتهما إلى مصر على الحمار، لكن العذراء هنا هي رمز كل امرأة فلسطينية تهرب بأبنائها من الموت. أما في لوحة «الأسلاك الشائكة» (1986)، فنرى أيضاً جموعاً من الشعب الفلسطيني المحاصر.
إنّها تحفة تشكيلية منمنمة، مليئة بالوجوه والأجساد التي تقوم كلّ منها بحركتها الخاصة في اتجاه الانعتاق ونشدان الحرية والخروج من أسر المحتلّ وقمعه. منصور نفسه عانى الكثير من ظلم الاحتلال الذي كان يُقدم أحياناً على مصادرة لوحاته من غاليري العرض في رام الله، فقد اعتاد «الجيش» الإسرائيلي زيارة كل معرض ومصادرة ما لا يروق له، حتى لو كانت اللوحات تعبّر عن الحياة الفلسطينية والعمل في الحقول والأزياء التقليدية. تستفزّهم كل لوحة تتناول موضوع الهوية.
صارت العذراء رمز كل امرأة فلسطينية تهرب بأبنائها من الموت
من لوحاته التي نالت شهرة عالمية، لوحة «جمل المحامِل» (1973) وفيها شخصية الحمّال العجوز الذي يمشي حاملاً على ظهره حملاً ثقيلاً جداً هو مدينة القدس. الرمز مدهش، آسر، منتشر على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، مثل طابع بريديّ أو بطاقة سياحية تاريخية.
يتقن منصور استحضار التجربة الفلسطينية تحت الاحتلال بواسطة الاستعارة، التي قد تكون بسيطة ومباشرة لكنّها لا تخلو مع ذلك من ابتكار، كما هي الحال أيضاً في لوحة «رمز الأمل» (1985) التي تستحوذ فيها حمامة على سماء الليل، حاملةً غصن زيتون في منقارها، وأسفل اللوحة أمّ تنظر إلى الأعلى في ذهول وهي تحتضن أطفالها الثلاثة بين يديها، ويقف الناس على أسطح المنازل مستمتعين بمنظر الحمامة الرائع. تبعث اللوحة على الأمل والتفاؤل، أنجزها الفنان قبل اندلاع الانتفاضة الأولى.
-
سليمان منصور. «رمز الأمل». زيت على قماش. 110 × 90 سم. 1985
أما لوحة «حصاد الزيتون» (1988)، فقد أراد سليمان منصور من خلالها إظهار حصاد الزيتون كعمل يومي من أعمال التحدي للإحتلال واستمرار الإنسان الفلسطيني في رعاية أرضه والعيش منها. أما لوحة «جسم يتقلّص» (1996) المصنوعة من مادة الطين وتبدو كأنها منحوتة، فتشير إلى انحسار مساحة الوطن الفلسطيني بسبب القضم والضمّ المستمرين اللذين يمارسهما الاحتلال، فلا يبقى لأصحاب الأرض إلا مساحة محدودة وضئيلة منها.
ومن لوحات الفنان الغائب، الحديثة نسبياً، لوحة «البحر لي» (2016) وفيها امرأة وحسناء وشاب يحمل كلّ منهم رموزاً أساسية للنضال الفلسطيني، هي حمامة السلام ومفتاح العودة وبندقية الكفاح، والشخوص الثلاثة تسير جنباً إلى جنب على رمال شاطئ مكتظ بالسابحين الذين يجلسون مستمتعين بأشعة الشمس غير مكترثين بالصراع الدائر، والأرجح أنه شاطئ يافا المحتلة، المسمّاة من قبل لصوصها «تل أبيب»! فالبحر بحر فلسطين، والشاطئ شاطئها، والشمس شمسها، ولا شيء للمستعمرين فيها. أما لوحة «من النهر إلى البحر» (2021)، ففيها الرمز الواقعي لامرأة فلسطينية تحتضن جذع شجرة الزيتون المهدّدة بالاقتلاع (مستلهمة من واقعة حقيقية مشهورة) دلالة على الثبات والتشبث بالأرض.
اللوحة حافظة للذاكرة
طوال مسيرته الفنية، كان مشروع سليمان منصور تحويل الذاكرة الفلسطينية إلى صورة، واللوحة إلى ذاكرة، متحدّياً عملية محو المكان والزمان والذاكرة التي تشكل جزءاً أساسياً من الصراع. ولد الراحل قبل النكبة بسنة واحدة، ونشأ في ظلّ آثارها على الشعب الفلسطيني. ابن بيرزيت الذي درس الفن في القدس، أمضى حياته شاهداً على تحولات القضية الفلسطينية من داخل الأرض المحتلة. لذا لم تكن فلسطين يوماً عنده موضوعاً اختيارياً، فما اختاره هو الأسلوب فقط، الواقعي البعيد عن التجريد، إنّما المغرق بالرمز.
والمشاهد الشعبية أو التراثية تتحوّل في لوحاته إلى مفردات وجودية متصلة بالذاكرة. كل عنصر منها يحمل تاريخاً، مقاومةً، رسالة وطنية أو سياسية. الرجل الذي يحمل مدينة في لوحة «الحمّال» هو يحمل في الحقيقة تاريخاً وذاكرة ووطناً، دونما حاجة إلى بندقية أو شعار. يحمل الجسد مدينةً بعراقة القدس ورمزيتها الكبيرة، والقدس نفسها تحمل تاريخها الذي يُثقل الجسد. كذلك الأمر بالنسبة إلى المرأة، الكثيرة الحضور في لوحاته، فهي حافظة الذاكرة والتراث، ورمز الأرض والخصب والاستمرار والهوية.
* أضحى سليمان منصور بفنه جزءاً من تاريخ الثقافة الفلسطينية الحديثة، حارساً للذاكرة في فلسطين والعالم.
