خمسة اتصالات أخرجته من بيته وعشرات لم تجد له سقفاً
من بنت جبيل إلى صيدا، تصارع عائلة جنوبية القلق والخوف في رحلة طويلة مليئة بالتحديات، بحثاً عن مأوى آمن يحميها في بلدها


فجر الإثنين، لم يوقظ عائلة أحد أساتذة التعليم الثانوي في منطقة بنت جبيل صوت قذيفة، بل رنين هاتفين. خلال ربع ساعة فقط، تلقّى الأستاذ وزوجته خمس مكالمات متتالية تحمل تسجيلاً بارداً يدعوهما إلى الإخلاء الفوري وإنقاذ حياة عائلتهما. يقول: «شعرنا أن الصوت الآتي من الهاتف يتحدث معنا شخصياً… كأنّه يعرفنا». تبادل وزوجته نظرة سريعة، فيما كانت ابنتاهما لا تزالان نائمتين. لم يكن هناك وقت للتفكير، حملوا حقيبة صغيرة، بعض الأوراق الثبوتية، وما تيسر من ملابس، وخرجوا كما خرجت عشرات العائلات الجنوبية.
عند الرابعة، بدأت ساعات ثقيلة من بنت جبيل إلى صيدا. اشتد الازدحام على الطريق، بينما راحت العائلة تبحث عن إشارة هاتف لا تأتي. الشبكات شبه متوقفة، والإرسال ضعيف جداً. «بقينا عالقين لساعات طويلة، كأن الطريق قرر أن يمتحن صبرنا». عند الثانية عشرة والنصف ليلاً، وصل أفراد العائلة أخيراً إلى صيدا، منهكين بعد رحلة يفترض أن تستغرق ساعتين فقط، فامتدت يوماً كاملاً من القلق والتوتر. استقر العائلة عند أحد الأقارب.
لكن البحث عن مأوى لم ينته بعد، وكان عليهم مواجهة الواقع الجديد والأسعار الخيالية للشقق والفنادق. «صيدا تكاد تخلو من البيوت، وبعض المضيفين يهابون استقبال النازحين، وهو أمر لم نألفه في الحرب السابقة، حين كان الناس أكثر تعاوناً».
«ثلاثة أيام مضت وأنا أحاول البحث من دون توقف»، يقولها الأستاذ بنبرة تخفي تعباً واضحاً. أجرى عشرات الاتصالات بأرقام أصحاب الشقق المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت النتائج صادمة. في عرمون مثلاً، طُلب منهم 1500 دولار شهرياً مع دفع ستة أشهر مقدماً، أي تسعة آلاف دولار.
أرقام الإيجارات فلكية وراتبي لا يحتمل مغامرة كهذه
وفي أحد الفنادق، وصل السعر إلى 250 دولاراً لليلة الواحدة. يضيف: «الأرقام فلكية، وراتبي لا يحتمل مغامرة كهذه. المشكلة أنني إذا دخلت بعقد إيجار بهذه المبالغ، سأغرق في الديون بعد أشهر». بين الخوف والحرج، تشعر العائلة بالامتنان لاستضافتها مؤقتاً عند الأقارب، لكنها تدرك أن الإقامة على هذا النحو لا يمكن أن تستمر طويلاً. ويستدرك الأستاذ قائلاً: «ليكن الشخص منصفاً… هذا النوع من الاستغلال ليس مقتصراً على طائفة دون أخرى، وليس لأن النازحين من طائفة معينة. هو موجود في كل الطوائف، ومن أبناء البلدة الواحدة أحياناً».
مع ذلك، يقر بأن بعض البلديات أو القوى السياسية تعاطت مع الموضوع من منظور طائفي في أماكن معينة، على خلفية أنها ليست معركتهم ولـ «يدبر النازحون راسهم». ويشير إلى أن الظروف مختلفة هذه المرة «الخوف أكبر، الانتشار أوسع، والناس أكثر تعباً اقتصادياً».
خمسة اتصالات كانت كافية ليخرج الأستاذ من منزله، لكن عشرات الاتصالات لم تكن كافية ليجد مأوى. بين بيت تركه على عجل، وطريق احتجزه لساعات، وشقة يفوق إيجارها قدرته، يقف ابن الجنوب في منطقة رمادية: لاجئ في بلده، ينتظر سقفاً لا يطلب منه أكثر مما يحتمل.
