
«أعطونا وزارة الطاقة وشوفوا كيف منجيب الكهربا». لم تكن العبارة مجرد سجال سياسي عابر بالنسبة إلى القوات اللبنانية. فعلى مدى سنوات، قدّمت القوات نفسها على أنها تملك تصوراً مختلفاً وواضحاً لقطاع الكهرباء، وأن المشكلة ليست في استحالة الحلّ بقدر ما هي في طريقة إدارة الملف.
وفي عام 2018، نقل عن سمير جعجع أنّه «يملك رؤيا في هذا الإطار ويملك حلاً حقيقياً له» وأن إعطاء وزارة الطاقة لـ«القوات» يمكن أن يؤمّن الكهرباء 24/24 خلال ستة أشهر. وفي شباط 2025، تحقّق حلم «القوات»، لتصبح وزارة الطاقة في عهدتها من خلال الوزير جو الصدّي.
لكن بعد نحو سنة ونصف، تبدو المسافة هائلة بين الوعود والواقع، إذ إن التغذية في مناطق كثيرة لا تتجاوز ساعتين يومياً، وقد ترتفع إلى أربع ساعات في أحسن الأحوال، وقد يمر أكثر من يومين قبل عودة التيار إلى بعض المناطق، إلى درجة أن مواطنين أنشأوا مجموعات على «واتساب» مهمتها إبلاغ بعضهم بعضاً لحظة عودة التيار واحتساب ساعات الانقطاع. «إجت الكهربا» صارت خبراً يستحق إشعاراً على الهاتف في بلد كان النقاش السياسي فيه يدور حول موعد الوصول إلى 24/24. لا يلغي ذلك أن أزمة الكهرباء متوارثة في السلطة التي عجزت عن تقديم العلاج، ثم أتت الحرب لتضاعف أسعار المشتقات النفطية ما أدّى إلى تقلّص كمية المحروقات التي تستطيع كهرباء لبنان شراءها بالمبالغ التي تجبيها.
لكن ذلك لا يلغي أيضاً أن الوعود قدّمت بسبب وجود هذه المشكلات. فبحسب معلومات «الأخبار»، تعمل كهرباء لبنان حالياً عند الحدود الدنيا للإنتاج، بقدرة تدور حول 500 ميغاواط كحدّ أقصى، في محاولة لإبقاء المعامل والشبكة قيد التشغيل وتوفير أكبر كمية ممكنة من المحروقات لحين وصول الشحنة التالية.
الآن، يتوقع أن تصل الشحنة التالية في مطلع أيلول، بينما لا يكفي المخزون المتوافر لأكثر من الخامس من أيلول المقبل. ويضبط الإنتاج على هذا الأساس، ما يعني أن عدد ساعات التغذية ووتيرتها لن يزدادا، بل سينخفضان إلى جانب انقطاعات على الشبكة. فالإنتاج المحدّد بنحو 500 ميغاواط يومياً يحمل معه احتمالات التوقف التام للمعامل. لذلك، لا تعني القدرة المتدنية ساعتين أو أربعاً من التغذية فقط، بل شبكة أكثر عرضة للأعطال والانقطاع الشامل. والأخير لا يشبه التقنين العادي، إذ لا تكفي بعده إعادة التيار بكبسة زر، بل يتطلب الأمر وقتاً لإعادة التشغيل وربط الخطوط والمناطق. وخلال هذه العملية، تفوت على بعض المناطق حصّتها من دورة التغذية لتتحول ساعات التغذية القليلة يومياً إلى انتظار يصل إلى يومين في بعض المناطق.
أصبحت العودة لـ6 ساعات من التغذية «حلماً» صعبٌ تحقيقُه
هنا تظهر واحدة من أكثر مفارقات المرحلة قسوة؛ بحسب المصادر، فإن حلم التغذية بست ساعات صار يصعب تحقيقه، بينما ينصب التركيز على الإدارة اليومية للاستمرار بالحد الأدنى. أي إن السقف الذي كان 24/24، ثم صار ثماني أو عشر ساعات وفق القدرة المتاحة، انخفض اليوم إلى أقل من ساعتين يومياً. الأولوية أصبحت ببساطة أن تبقى الشبكة «شغالة». والمشكلة هنا ليست تقنية فقط، بل تتعلق بدورة الإنتاج والجباية. رفع الإنتاج يعني استهلاك المزيد من الوقود، والمزيد من الوقود يعني المزيد من الدولارات. رفع التغذية إلى ست أو ثماني ساعات يومياً يحتاج إلى نحو ثلاث بواخر من المحروقات، بكلفة إجمالية تقارب 150 مليون دولار. والسيولة غير متوافرة.
لذلك، يُدار المخزون بما يسمح بالصمود لحين وصول الباخرة التالية، فيما يستمر البحث عن الأموال والهبات وتجديد الاتفاقات والعقود ومصادر جديدة للمحروقات. كل واحدة من هذه الوسائل قد تكون ضرورية لتجنّب الأسوأ في المدى القصير، ولكن هل يمكن أن يبقى القطاع رهينة حساب المدّة الفاصلة بين باخرة وأخرى؟ ماذا لو ارتفعت أسعار الفيول والديزل مجدداً ألن تتقلص الدورة أكثر؟
وتزداد المفارقة حين يتبين أن جزءاً من الأموال التي تبحث عنها كهرباء لبنان موجود، نظرياً على الأقل، لدى الدولة نفسها. فقد انتقلت المؤسسة أخيراً إلى قطع التيار عن إدارات ومؤسسات عامة وبلديات لم تسدد مستحقاتها أو تتفق معها على آلية للدفع، في محاولة لتحويل الفواتير المتراكمة إلى سيولة تستخدم في شراء المحروقات. لكن سياسة القطع تصطدم سريعاً بواقع المرافق الحيوية التي لا يمكن التعامل معها كأي مشترك آخر.
مطار رفيق الحريري الدولي نموذج واضح. فبحسب معلومات «الأخبار»، تقارب المستحقات المرتبطة بالمطار لصالح كهرباء لبنان 30 مليون دولار، فيما تصل فاتورته الشهرية إلى نحو مليون دولار. لكن ماذا تفعل المؤسسة إذا لم تحصّل أموالها؟ هل تقطع التيار عن المطار؟ عملياً، يصبح الأمر شديد التعقيد عندما يتعلق بمرفق يرتبط تشغيله بالسلامة العامة واستمرارية حركة الطيران. والأمر نفسه، بدرجات مختلفة، ينسحب على مرافق حيوية أخرى، كمصالح المياه وبعض الإدارات العامة. هكذا تجد كهرباء لبنان نفسها بحاجة إلى أموال الدولة لشراء الوقود للدولة، لكنها لا تستطيع دائماً استخدام سلاح القطع لتحصيل أموالها من الدولة.
أما التعرفة، فتفتح باباً آخر للدائرة المغلقة. تحتاج المؤسسة إلى إيرادات كافية لتغطية كلفة شراء الوقود، وخصوصاً بعدما رفعت الحرب أسعار الطاقة. لكن رفع فاتورة كهرباء لبنان على المواطن يصبح أكثر صعوبة عندما لا يحصل في المقابل إلا على عدد محدود من ساعات التغذية، ويضطر إلى دفع فاتورة ثانية للمولد أو إلى تحمل كلفة الطاقة البديلة لتغطية بقية اليوم. كلما تراجعت تغذية الدولة، ارتفعت فاتورة البديل. وكلما ارتفعت فاتورة البديل، أصبح تحميل المواطن كلفة إضافية أكثر صعوبة.
وإذا بقيت إيرادات كهرباء لبنان دون حاجتها، لا تستطيع شراء كميات أكبر من الوقود، فيبقى الإنتاج منخفضاً، وتتراجع التغذية، ويزداد الاعتماد على المولد. وفي النهاية، يبقى المواطن هو من يدفع ثمن الدائرة مرتين. هل اكتشف وزير «القوات» هذه الوقائع حديثاً؟ هكذا يصبح السؤال المركزي: ماذا استطاعت رؤية «القوات» أن تنجز من الوعود التي قدّمتها عندما تسلّمت دفّة السلطة؟ تسلّمت قطاعاً ينتج نحو خمس ساعات تغذية بالتيار الكهربائي يومياً، والآن معدّل التغذية انخفض إلى ساعتين كل يومين.

