
أعاد العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، وما خلّفه من مفقودين ومخفيّين قسراً، إحياء قضية المفقودين العالقة منذ الحرب الأهلية، والتي لم تُقفل رغم مرور أكثر من أربعة عقود. فبينما لا تزال مئات العائلات تبحث عن مصير أبنائها: أين هم؟ أحياء أم أموات؟ أعادت الاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب انفجار مرفأ بيروت، طرح الأسئلة نفسها حول مصير المفقودين ومسؤولية الدولة في توثيق الحالات، من جمع المعلومات وحماية مواقع الدفن وفتح الأرشيفات، إلى إجراء التحقيقات وتحديد هوية الرفات، ومنع تراكم ضحايا جُدد في ملف لم يُحسم بعد.
وطُرحت مسألة المفقودين الجُدد نتيجة العدوان الإسرائيلي خلال فعّالية «حقكن تعرفوا» التي نظّمتها لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان في مسرح المدينة في بيروت، عشية اليوم العالمي للمفقودين والمخفيّين قسراً في 30 آب. وللمفارقة، «بعض العائلات التي فقدت أفراداً خلال الحرب الأهلية عادت وواجهت حالات فقد جديدة خلال الحروب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان»، بحسب رئيسة «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان» وداد حلواني.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس «الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيّين قسراً»، القاضي جوزيف سماحة، أن «الهيئة تعمل على إنشاء خلية أزمة للتعامل مع تداعيات النزاعات المسلحة، ولا سيما ما خلّفه العدوان الإسرائيلي من مفقودين جُدد»، داعياً ذوي المفقودين إلى الإبلاغ عن الحالات وتقديم ما لديهم من معلومات.
وأشار سماحة إلى «التحضير لاتفاقية مع جمعية ACT لتزويد الهيئة بالمعطيات المتوافرة حول المفقودين والمقابر الجماعية، إضافة إلى العمل على تخصيص جناح في أحد المستشفيات الحكومية في بيروت كمركز للطب الشرعي، يتيح معالجة الرفات البشرية بعد استخراجها وتحديد هويات أصحابها عبر مطابقتها مع عينات مأخوذة من عائلات المفقودين». وأوضح أنّ «الهيئة ستتعاون في هذا الإطار مع مختبر المباحث العلمية في قوى الأمن الداخلي واختصاصيين من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ضمن صلاحياتها القانونية التي تشمل جمع المعلومات، وإدارة قاعدة بيانات الحمض النووي، والإشراف على عمليات البحث واستخراج الرفات والتعرّف إلى هوياتها».
أهالي المفقودين قلِقون من طمس القضية ويعوّلون
على الشباب
ورغم أن العدوان الإسرائيلي الأخير أعاد نبش ملف المفقودين منذ الحرب الأهلية، لم يُخفِ أهالي المفقودين القدامى قلقهم من أن تندثر قضيتهم مع رحيل الجيل الأول الذي ناضل طويلاً لكشف مصير أكثر من 2158 مفقوداً، بحسب ما تشير بيانات لجنة الأهالي، ونحو 17 ألف مفقود خلال الحرب الأهلية، وفق بيانات قوى الأمن الداخلي. فالمناضلون هم غالباً أصحاب القضية، من أبناء وزوجات وأمّهات... واختفاء عدنان حلواني، عام 1982 دفع زوجته وداد للبحث عن عائلات أخرى تعيش المصير نفسه، ليتحوّل اللقاء الذي دعت إليه مئات النساء إلى تحرّك جماعي، وصولاً إلى تأسيس لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان. فما الذي سيحرّك هذا الجيل اليوم؟
وقد بدا هذا القلق واضحاً خلال الفعّالية، من خلال التركيز اللافت على فئة الشباب، في محاولة لصون الذاكرة الجماعية، عبر نقل النقاش من ذاكرة العائلات التي عايشت الحرب إلى جيل لم يشهدها، لكنه اختبر بدوره تداعيات حروب لاحقة، تتقاطع في نتائجها الإنسانية.
ولذلك، قالت حلواني إن «لجنة الأهالي لم تعد في عمر الشباب»، وإن القضية تنتقل إلى جيل جديد «لأنّو حقكن تعرفوا»، ومن هنا خرج عنوان الفعّالية. كما دعت حلواني الشباب إلى التعرّف إلى القضية والمشاركة في الحفاظ على الذاكرة، «ليس بهدف توريثهم الحرب والانقسامات ورواياتها المتعددة، بل لمنع تكرار ما حصل»، معتبرة أن قضية المفقودين «جزء من مستقبل لبنان وليست ملفاً من الماضي فقط».
من جهته، ركّز نائب رئيس البعثة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر شوقي أمين الدين على الجيل الجديد الذي لم يعش الحرب الأهلية، قائلاً إن «الحق في المعرفة لا جيل له، والحفاظ على ذاكرة العائلات يساهم في نقل القضية إلى الأجيال التي جاءت بعد الحرب، خصوصاً أن جزءاً من تاريخ لبنان لا يزال مفتوحاً».
ولتعريف الشباب بالقضية، اختارت اللجنة أن تكون فعّالية هذا العام تفاعلية، من خلال «جواز الذاكرة» الذي حمله المشاركون وانتقلوا به بين سبع محطات. تبدأ الرحلة بمحطة و«تعرّفوا» حول نشأة قضية المفقودين، ثم مسار عمل لجنة الأهالي عبر «حكاية اللجنة»، من دون إغفال أهمية الاستمرار في النضال عبر محطتي «سوا منعمل فرق»، و«زاوية التواصل».
لم يطرأ على الخط الزمني الذي رسمته اللجنة وعرضته قبل سنتين أي تغيير يُذكر، لا على الصعيد الشخصي، ولا الرسمي، ولا تحرّكات على الأرض. أعادت عرضه كما هو. وحتى على صعيد القانون 105/2018، الذي أقرّه مجلس النواب عام 2018، لتكريس حق عائلات المفقودين والمخفيّين قسراً في معرفة مصير ذويهم وأماكن وجودهم، لا جديد يُذكر، بانتظار تطبيقه كاملاً، وإزالة التحدّيات أمام الهيئة الوطنية التي أُنشئت بموجبه، والمرتبطة بالإمكانات والقدرة على تنفيذ صلاحياتها.

