
لا تبدو الدولة اللبنانية مستعدّة لمنح الغطاء السياسي لمسار توثيق جرائم الحرب التي يرتكبها العدو الإسرائيلي في لبنان، ولا سيما لجهة تحويل هذا التوثيق إلى مسار رسمي يمكن أن يُبنى عليه لاحقاً في المقاضاة. ومع أن توثيق هذه الجرائم من قبل اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، يبقى ضرورياً لحفظ الأدلة والوقائع، فإنّ تحويله إلى مسار قضائي أو سياسي يبقى متعذراً في ظلّ قرار واضح لسلطة الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام، بعدم إغضاب إسرائيل. إلا أنّ ما يكشفه متري بصراحةٍ غير مسبوقة، عن هذا الملف، يقود للاستنتاج أنّ ليس عون وسلام وحدهما من قررا التنازل عن حق لبنان في مقاضاة العدو، بل هناك لوبي وزاري غير معني بالإبادة، وأنّ متري وجد نفسه وحيداً، يجاهد في سبيل توثيق الإبادة العمرانية والثقافية والبيئية المرتكبة بحق البلد.
وخلال جلسة حوارية نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت مع متري كشف الأخير تفاصيل مرتبطة بسياق إدراج المادة 13 في اتفاق الإطار، وبرفض بعض الوزراء البحث في انتهاكات العدو مع الجهات الخارجية والداخلية المهتمة. خصوصاً وأنّ تنازل عون وسلام عن حق مقاضاة إسرائيل كرّساه في المادة 13 من «اتفاق الإطار» الموقّع بين السلطة اللبنانية وإسرائيل. وخلال الجلسة التي شارك فيها صحافيون وحقوقيون نقل متري عن رئيس الوفد المفاوض، السفير السابق سيمون كرم، أنّ «الوفد الإسرائيلي هدّد الوفد اللبناني بمقاضاة الدولة اللبنانية أمام محاكم في الولايات المتحدة الأميركية، بحجّة أن السلطة اللبنانية تأوي منظمة إرهابية، (حزب الله) ما استدعى أخذ قرار التنازل عن مقاضاة إسرائيل».
وإذا كان كرم يقدّم هذه الرواية باعتبارها حجّة تبرر قبوله بالمادة 13، التي يتنازل لبنان بموجبها عن حقه في مقاضاة إسرائيل، فإنّها، في المقابل، تطرح علامات استفهام حول خبرة وأداء الوفد المفاوض، وقدرته على التعامل مع الضغوط في أثناء عملية التفاوض. إذ إن مجرد التهديد بمقاضاة لبنان لا يمكن أن يكون بحدّ ذاته مبرراً للتنازل عن حقّ أساسي في ملاحقة جرائم الحرب الإسرائيلية، خصوصاً أنّ لا شيء محسوم بأن إسرائيل ستتمكن من مقاضاة لبنان، في المقابل فإن مسألة الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني، هي انتهاكات تتوافر بشأنها وقائع وشهادات وأدلة، ويجمع على كثير منها حلفاء إسرائيل قبل خصومها.
متري، أبدى ملاحظات عديدة على مسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية ونتائجها، وعلى «اتفاق الإطار»، مع تأييده لعملية التفاوض من حيث المبدأ. لكنه يعتقد أن المشكلة لا تتوقّف عند اتفاق الإطار. كون الأجواء، «لم تكن في أيّ وقت مؤاتية لطرح ملف التوثيق الذي يعمل عليه داخل الحكومة، أو لانتزاع تعهد رسمي بمقاضاة إسرائيل».
شرح نائب رئيس الحكومة تبرير كرم قبول لبنان المادة 13 من اتفاق الإطار بينما يرفض وزراء في الحكومة البحث في انتهاكات العدو
وتكشف الوقائع التي أوردها متري عن مشكلة أعمق. وفي معرض شرحه للقاءات بين وفود أجنبية ومحلية مع بعض الوزراء بشأن قتل إسرائيل لصحافيين، قال متري «إن الوفود كانت تسمع من الوزراء عبارة مثل أن إسرائيل ليست من اختصاصنا، وعليكم بالتوجّه إلي (متري) لمتابعة هذا الملف». ويتقاطع الكلام مع معطيات توافرت لـ«الأخبار»، حول ما سمعته منظمة «مراسلون بلا حدود» من وزير العدل عادل نصّار، عندما فاتحته بمسألة التعاون من أجل محاسبة إسرائيل على قتل الصحافيين اللبنانيين، فكان جوابه وفق المصادر «يجب البدء من محاسبة إيران وحزب الله، اللذين تسبّبا بنشوب الحرب». وتدل هذه الوقائع على أنّ غالبية الوزراء يتعاملون مع الجرائم الإسرائيلية باعتبارها شأناً لا يعنيهم، ولا يريدون التعاون مع الجهات المهتمة بإلقاء الضوء على ما يتعرض له لبنان. وفي ظل هذا الواقع، يؤكّد متري أنّه «اختار الاستمرار في الحكومة، والعمل بالحد الأدنى على توثيق مادة عن جرائم العدو».
وقد ركزت الجلسة على مسار توثيق الانتهاكات الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة على لبنان، والمنهجية والآليات التي اعتمدتها اللجنة التي يرأسها متري. وهو أكّد أنّه أخذ على عاتقه توسيع نشاط مرصد التوثيق، ليشمل أكبر قدر ممكن من الانتهاكات التي ترتقي إلى مستوى الإبادة، بما في ذلك عمليات قتل الصحافيين والمدنيين. ووجّه دعوة إلى الجمعيات والمنظمات والنقابات والصحافيين وكل المهتمين بهذا الملف للتعاون في عملية التوثيق، مشيراً إلى أنه يضطر بنفسه إلى التواصل مع الصحافيين الذين ينشرون مواد توثيقية عن الانتهاكات، في دلالة واضحة على غياب جهاز أو جهة رسمية متخصصة تتولى مساعدته في هذه المهمة. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الطروحات عليها أن تراعي حدود الحركة المتاحة، قائلاً «الجميع هنا يعلم ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله».
وفي ما يتعلّق بإمكان ملاحقة إسرائيل أمام المحكمة الجنائيّة الدوليّة، استعاد متري ملفات تعود إلى الحكومة السابقة التي كانت قد أقرّت الانضمام إلى «نظام روما» الأساسيّ، قبل أن تتراجع عن قرارها، ما حال دون استكمال الإجراءات المطلوبة لتمكين لبنان من اللجوء إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة. وقال بوضوح إنّ «الحكومة الحاليّة لن تعود إلى فتح هذا المسار أو إلى طرح قرار الانضمام». مع إشارته إلى أنّ المحكمة الجنائيّة الدوليّة تستطيع، ضمن ظروف وآليّات محدّدة، قبول النظر في جرائم ارتُكبت خلال مدة زمنيّة معيّنة، حتى في حال عدم انضمام الدولة المعنيّة إلى «نظام روما».
ما تكشفه الجلسة يتجاوز آليات التوثيق نفسها، فحين يعمل مسؤول حكومي على جمع أدلة جرائم ارتكبت بحق مواطنين من دون غطاء سياسي واضح من حكومته، وحين يقال للوفود التي تطرح هذه الجرائم إن «إسرائيل مش اختصاصنا»، يصبح البحث متعلقاً بوظيفة الدولة نفسها، وبمدى قدرة المواطن على الوثوق بأنّها ستحميه، إذا كانت الدولة نفسها تتعامل مع توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها وكأنه ملف لا يعنيها، علماً أن متري نفسه، كان عرضة لإرباك يوم حمل الملف إلى لجنة حقوق الإنسان في فيينا، وصادف أن طائرته أقلعت بعد ساعات من توقيع لبنان اتفاق الإطار، ولم يكن يعرف كيف يتصرف، وما إذا كان التوقيع يمنعه من القيام بالخطوة، قبل أن يقرر السير بالخطوة طالما لم تطلب منه العودة إلى بيروت.

