
هناك حادثة قديمة تُروى عن الرئيس تقي الدين الصلح مع سفير أميركي وصل إلى بيروت في السبعينيات، في زمن كانت فيه واشنطن تقول إنها تريد للبنان شيئاً أفضل. لم يتحمّس «تقي بك» كثيراً للفكرة، وحين أُقنع الرجل بلقاء السفير، لم يستهلك وقته في المجاملات ولا في التعارف الدبلوماسي الطويل. صافحه، ونظر إليه، وذهب مباشرة إلى أصل الحكاية: «سعادة السفير أنت هنا من أجل أيّ مهمة»؟
كان السؤال يومها سياسياً. وهو يصلح اليوم للسفير الأميركي ميشال عيسى. ذلك أن الأخير يتصرّف كما لو أنه اكتشف أن السفارة لا تكفي، وأن عليه أن يملأ الفراغ بنفسه. يتحرّك بكثافة، يلتقي الجميع تقريباً، ويحرص على أن يعرف الجميع تقريباً أنه التقى الجميع. وكأنّ المهمة ليست فقط ممارسة الدبلوماسية، بل إثبات ممارسة الدبلوماسية.
منذ وصوله إلى بيروت، يصعب على المرء أن يتهمه بالتقصير في شيء واحد على الأقل: الحضور. الرجل موجود. دائماً موجود. في السفارة، في دار طائفة، في صالون سياسي، عند وزير، لدى مرجع، في مناسبة، في لقاء، في حفلات غنائية وفي صورة.
معروف عن عيسى أنه يتكلم كثيراً على نمط جلسات «الصبحية» اللبنانية، وهو لم يأخذ وقتاً للتأقلم مع الـ«لايف ستايل» اللبناني. لكنه في البداية، وبحسب رواية نُقلت عن لسانه، كان يتحدّث عن صعوبة لبنان وتعقيدات ملفه السياسي، حتى إنه قال، في لحظة صراحة لافتة، إنه كان يفضّل لو بقي في واشنطن، حيث يستطيع أن يلعب الغولف مع الرئيس دونالد ترامب في «الويك أند»، بدلاً من أن يجد نفسه غارقاً في متاهة السياسة اللبنانية.
السفير الذي جاء إلى لبنان واكتشف أن البلد ليس مجرّد محطة دبلوماسية مريحة، اكتشف أيضاً أن مهمته نفسها لم تكن واضحة بالقدر الذي كان يتوقّعه. لبنان مُعقّد، نعم، لكنّ الأكثر تعقيداً كان موقع لبنان داخل أولويات الإدارة الأميركية. فواشنطن، في عهد ترامب، لا تبدو وكأنها تحمل مشروعاً لبنانياً متكاملاً بالمعنى السياسي للكلمة. لا ورشة أميركية خاصة لإعادة بناء الدولة، ولا مشروعَ اقتصادياً أميركياً لإنقاذ لبنان، ولا خطة سياسية أميركية معنية بإنجاح عهد الرئيس جوزيف عون ولا تعزيز مكانة الرئيس نواف سلام. لبنان مُهِمّ، لأنه يتقاطع مع ملفات أكثر أهمية: إسرائيل، حزب الله، السلاح وأمن المنطقة. وهنا تحديداً بدأ مأزق السفير!
كانت مورغان أورتاغوس قد ملأت جزءاً من المساحة. وتوم برّاك دخل بتفويض مباشر. ووزارة الخارجية لها قنواتها. والملفات الأمنية والعسكرية لها مؤسساتها. أمّا عيسى، فكان عليه أن يجد لنفسه مكاناً بين كل هذه المستويات، فوجد المكان في العلاقات العامة.
لم يكن سهلاً عليه أن يقبل بأن تكون بيروت مسرحاً يتحرّك فيه موفدون أميركيون بثقل سياسي مباشر، بينما يكتفي هو بدور المراقب المحلي. لذلك بذل جهداً كبيراً لتثبيت صورة مختلفة: أنا المرجعية الأميركية في لبنان، وأنا من يمسك بخيوط الملف، وأنّ رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء والمسؤولين والمرجعيات السياسية والدينية يعرفون أن الطريق إلى واشنطن يمرّ عبري!.
معظم الذين يعرفونه ويجتمعون به، يخرجون بانطباع مشترك مفاده أن الرجل لا يملك رسائل ذات أهمية، وأنّ ثقافته السياسية ضعيفة جداً. حتى معلوماته عن لبنان، فهي تعود إلى حقبة الحرب الأهلية وأخبارها وأحقادها أيضاً. أمّا تصريحاته اليومية فلا تترك مجالاً كبيراً للالتباس، ويمكن اختصارها بوصفة واحدة: على حزب الله أن يسلّم سلاحه وانتهينا!.
لا يترك ميشال عيسى مأدبة أو سهرة غنائية تعتبان عليه، وبات له أصدقاء يرافقونه حيثما يذهب... وغير ذلك، لا يبدو أن الرجل لديه ما يقوله، غير خبرياته عن لبنان في زمن الحرب الأهلية
عيسى ليس سوى مُكبِّر صوت لعاصمته. ولغته العربية باللهجة المحلية، لا تسعفه كثيراً، فيدخل دائماً في سجالات، كان آخرها مع النائب وليد جنبلاط. جاء ذلك إثر لقائه شيخ العقل سامي أبي المنى، في دار طائفة الموحّدين الدروز. حين سُئل عن جنبلاط وموقفه من «الإطار الثلاثي»، اختصر عيسى موقف الرجل بعبارة «يوم بدو ويوم ما بدو»، وأضاف أنه سيتواصل معه قريباً. لم ينتظر جنبلاط طويلاً.
ردّ بأن السفير «وسط انشغالاته الثقافية والسياسية المتعدّدة»، لم يتمكّن من قراءة تعليقاته على الوثيقة. قد يكون الردّ الجنبلاطي واضحاً في سخريته، لكنه حمل رسالة سياسية واضحة: لبنان لا يُقرأ من جدول المواعيد ولا من عدد اللقاءات. وكثرة الحركة لا تعني أنه يدير بالضرورة ملفاً كبيراً بقدر ما يدير المساحة الصغيرة المُتاحة له داخل ملف أكبر منه... ولجنبلاط قصة مع الرجل، الذي بادره في زيارته الأولى له، إلى تذكيره بأنه من منطقة تعرّضت لحملة عشوائية من قبل المقاتلين الدروز، وأن خاله قتله أفراد من أنصار جنبلاط!
لعلّ عيسى يصحّ فيه، حتى الآن، لقب «سفير عصا الغولف». فما حمله إلى بيروت سفيراً لم يكن خبرة دبلوماسية راسخة، وقد فضحت حركته في لبنان محدودية هذه الخبرة، بقدر ما كان قربه من ترامب، وما رافق ذلك من علاقة شخصية وسبقها من دعم مالي لحملته الانتخابية. وربّما لهذا السبب تحديداً، يبدو أن السفير لا يزال يبحث عن دوره، فيما لم تتحدّد بعد مهمته الفعلية، ولم يستطع، حتى الآن، أن يترك بصمة سياسية واضحة في لبنان، خارج كونه مُردِّداً لشعارات إدارته ومُكثِّفاً لحضورها في المجال العام.
وإذا كان بعض اللبنانيين قد أُصيبوا بحالة «جَلق» بهذا السفير، باعتباره ممثّل الدولة العظمى، فإن ذلك لا يحوّل كثرة اللقاءات إلى نفوذ، ولا كثافة الظهور إلى دور سياسي. فالسفير الذي لم يحدّد بعد لأيّ مهمة أُرسل، لا يستطيع أن يُقنِع الآخرين بأنه يمسك بملف لمجرّد أنه يجلس مع الجميع ويصوّر مع الجميع.
ولأن لبنان تهمّه كثيراً «خبريات» السفراء الأجانب، فإن عيسى لا يترك مجالاً للبحث الكثير. فهو دائم التنقّل بين عشاء في هذا المطعم وغداء في ذلك الفندق، لكنه لا يتأخر عن تلبية أي نشاط اجتماعي تتخلّله حفلات زجل وأغانٍ تعيده إلى «التراث»، حتى إنه دائم التأثّر. لكن مع الوقت، صارت لديه حفنة صغيرة من الأصدقاء الذين يرافقونه في رحلاته، حتى تعوّدت الشخصيات التي تريد دعوته إلى لقاء اجتماعي أو عشاء، أن توجّه الدعوة إلى الأصدقاء الأقرب له، مثل المقدّمة أنابيلا هلال وزوجها نادر صعب.
ويبدو أن هلال باتت تساعده على التعرّف إلى الناس، وذلك ما جرى في آخر لقاء حصل في فقرا، عندما كان عيسى وزوجته يلبّيان دعوة نائب رئيس المجلس النيابي الياس أبو صعب إلى العشاء، وفي المكان، صودف مرور أحد الأخوين رحمة (تيدي وريمون)، وقد بادر إلى السلام على أبو صعب، وقبل أن يمدّ يده لمصافحة السفير عيسى، كانت أنابيلا قد سبقته هامسة في أذن السفير: انتبه، هذا الرجل موضوع على لائحة العقوبات الأميركية!
لهذا، لا يعود السؤال القديم الذي طرحه تقي الدين الصلح على سفير أميركا في حينه مجرّد حكاية من زمن مضى. بل يصبح سؤالاً أكثر إلحاحاً اليوم: «سعادة السفير، أنت هنا لأيّ مهمة»؟

