ألتراس السياسة: حين تتحوّل كرة القدم إلى خطاب
حزيران (يونيو) 1982. الصيف اللبناني الذي لا ينسى. استضافت إسبانيا بطولة كأس العالم لكرة القدم فيما كان العدو الإسرائيلي يقترب من بيروت بخطى دبابات.


حزيران (يونيو) 1982. الصيف اللبناني الذي لا ينسى. استضافت إسبانيا بطولة كأس العالم لكرة القدم فيما كان العدو الإسرائيلي يقترب من بيروت بخطى دبابات. على جبهات القتال، حمل المقاتلون كلاشينكوف والمذياع معاً. الذين عاشوا تلك المرحلة، يقسمون أنهم لن ينسوا حرارة ذاك الصيف، ولا هدير الطائرات الحربية، ولا متابعة المونديال تحت القصف. كانت الحرب وكرة القدم تجريان، في الوقت نفسه، كحدثين متزامنين.
سقطت بيروت بعد أقل من أسبوعين من بدء الاجتياح الإسرائيلي، وفازت إيطاليا بكأس العالم. أهدى الفريق الإيطالي انتصاره لـ «منظمة التحرير الفلسطينية». بدت الحكاية كأنها عزاءٌ رمزي لشعبٍ يباد على مرأى العالم. انتصارٌ جاء كتضامن مع مدينة كانت تتهاوى تحت النار.
اللفتة التي أقدم عليها المنتخب الإيطالي، على شاعريتها، لم تصمد طويلاً، إذ حملت تأويلاً جاء أشبه ببطاقة حمراء. سرعان ما انزلقت في الملعب السياسي إلى معنى آخر. تحوّل الانتصار الإيطالي المُهدى، في بعض الخطابات، إلى ما يشبه التعويض عن هزيمةٍ كاسحة تعرضت لها «منظمة التحرير» في بيروت.
لم تكن المرة الأولى التي يطغى فيها «السياسي» على كرة القدم، وطبعاً لم تكن المرة الأخيرة. حمل المونديال الماضي واحدة من أجمل المباريات في تاريخ كرة القدم: نهائي فرنسا والأرجنتين. ازداد مشجعو فريق الأرجنتين، في ذلك النهائي، أضعافاً عن عددهم، لا حباً بميسي ولا بدي ماريا، إنما كرهاً بفرنسا وتاريخها الاستعماري. تحوّل النهائي إلى مساحة إسقاط سياسي وأخلاقي، كأنّ تسعين دقيقة على العشب قادرة على تصفية حسابات التاريخ. لم تكن اللعبة، بالنسبة إلى كثيرين، مباراة كرة قدم بقدر ما كانت محاكمة لإرثٍ استعماري. انتصرت الأرجنتين على فرنسا في نهاية المطاف، وحمل ميسي، الذي نسج عبر سنوات علاقة «روحية» مع إسرائيل، كأس العالم، فيما عاد المتفرج الذي لجأ إلى كرة القدم بحثاً عن تعويضٍ رمزي لهزيمته السياسية إلى واقعه المتصدّع كما تركه قبل صافرة البداية.
فلسطين في الميدان
صحيحٌ أن المنتخب الإيرلندي ومشجعيه يقفون إلى جانبنا، يرفعون أعلام فلسطين ويهتفون تضامناً مع قضايانا. وصحيح أيضاً أن كاتب هذه السطور، بوصفه مشجعاً للفريق الإيطالي، يشعر بشيء من الزهو أمام أصدقائه كلما استعاد حكاية إهداء المنتخب الإيطالي كأس العالم إلى «منظمة التحرير الفلسطينية». كل ذلك يضفي على اللعبة شيئاً من الثراء الإنساني، ويفتح المشهد الكروي على ما يتجاوز حدود المستطيل الأخضر. الملاعب، في النهاية، ليست معزولة عن المآسي والرغبات والهويات، وإدراج المواقف السياسية داخل فضاءات غريبة عنها لهو امتداد للوجود داخل اللعبة.
غير أن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يقترب فيها السياسي من كرة القدم إلى حدّ ابتلاعها بالكامل، محوِّلاً إياها، بالتالي، إلى هامش تابع. حين تتحوّل المنتخبات المتنافسة إلى مجموعات تمثّل قضايا، أو ننظر إليها على أنها تعبّر تمام التعبير عن أنظمتها وتاريخ أوطانها، وحين تتحول المباراة إلى محاكمة إيديولوجية، تتحول حينها كرة القدم من لحم ودم وجلدٍ يفرز عرقاً إلى استعارة رنانة تقبع على الضد من اللعب. اللعب، في جوهره، مقاومٌ للمعنى الخالص؛ هو الارتجال، الاحتمال، الحرية، المفاجأة، المجانية، والجمال غير المحسوب.
في اللحظة التي يطلب فيها من كرة القدم أن تبرّر نفسها سياسياً، فإنها تفقد ذلك الفائض الجمالي الذي تنطوي عليه، والذي يجعلها كرة قدم أصلاً. تخسر خفّتها التي تجعلها حدثاً مفتوحاً على الدهشة والفاعلية الإنسانية والانفجار المفاجئ. تخسر نفسها في أن تكون حدثاً مفتوحاً على خطأ التمريرة، دهشة الهدف، ارتباك الحارس، ارتجال اللاعب. ذاك أن كرة القدم تجربة معاشة وليست مواقف ثنائية (مع/ ضد) جاهزة للتبني.
حين تُختزل اللعبة إلى خطاب سياسي، فإنها تخسر جماليّتها، ما يعني أنها تخسر معناها. تصبح كرة القدم عندها أشبه ببيان تعبوي، ويغدو الملعب ساحة حرب، أو في أفضل الأحوال، خريطة سياسية: جغرافيا.
قبل أي شيءٍ، إنّ الكرة هي مجرد كرة: جلد منفوخ بالهواء، يخضع لقوانين فيزيائية سخيفة كالجاذبية والاحتكاك. والجسد الراكض خلفها قبل أن يكون ممثلاً لأيديولوجيا، فهو كيان عضلي يعرق، يتعب، ويفرح إذا أحرز هدفاً. هكذا، فإن كرة القدم تحدث قبل أن تفهم، هي أولاً، حركة مادية. الأجساد تركض، والكرة ترتطم، والشبكة تهتز. مراوغات، وتمريرات، وتوتر، واحتمال. هذه هي الظاهرة في نقائها، لعبة نشأت للتسلية في المدارس الداخلية، وكاستراحة للعمال من وطأة المصانع. المتفرّج، بدوره، يعيش المباراة بجسده قبل أفكاره. تراه يتوتر، وينتظر، يتحمّس أو يحبط. يشعر بالزمن وهو يتمدّد داخل التسعين دقيقة. يشعر به في كامل عروقه ويحتسي البيرة كي يتجنب الجفاف.
في حزيران 1982، كان المقاتلون في بيروت يحملون الكلاشينكوف والمذياع معاً
هذه الانفعالات سابقة على السياسة، وبالأحرى أكثر بداهة منها، إنها لا تحتاج إلى أيديولوجيا كي توجد. إنها تسبق أي تأويل وأي تسييس.
يبدأ التسييس حين تُربط تلك الانفعالات بسردية كبرى، مثل أن فوز هذا المنتخب يعني هزيمة العدو، وخسارة ذاك انتصار قضية مضادة. يتحوّل المتفرج عند هذه النقطة، إلى متلقٍ يؤول العالم على نحوٍ جاهز، آملاً بنوع من التعويض الرمزي. تتحوَّل كرة القدم إلى جغرافيا موهومة، جزيرة «أليس في بلاد العجائب»، ويُسقط عليها المتفرج واقعه المأزوم، فيتحوّل اللعب إلى علاج تخييلي للعجز.
تسييس كرة القدم
إنّ تسييس كرة القدم، يعني من بين ما يعنيه، انزياحاً طرأ على اللعب وحوّله إلى تأدية واجب. تسييسها هو انتظارها لتأدية وظيفة خلاصية تتجاوز طبيعتها بوصفها لعبة واحتمالاً ومشهداً جمالياً، وهو تحوّلٌ يحفّز المتفرج على التصرف كما لو أن المباراة تستطيع أن تغيّر الواقع فعلاً أو تمحو هزيمة. لكنه -تسييس كرة القدم- في نهاية المطاف، خيارٌ مشروع، يتحمل مسؤوليته الفرد الذي أراد من اللاعب أن يكون ممثلاً قومياً، أو مناضلاً نسوياً أو داعماً للشعوب المقهورة، ومن الملعب خريطة بونابرتية أو روبيسبيرية، بيد أن السياسة ليست معطى أوّلياً ملازماً لكرة القدم (ولا لأي شيء آخر؛ فـ«السياسي» ليس جوهراً في الأشياء، بل طريقة نمنح بها الأشياء معناها، وما نقرّره نحن على أنه يستحق أن يُقرأ بوصفه سياسياً).
من هذا المنظور، يبدو مفهوم «سوء النية» الذي أطلقه جان بول سارتر أقرب ما يكون إلى الدافع وراء هذا التحويل. سوء النية كمفهوم السارتري، هو فنّ الهروب من ثقل الحرية، أي أن يتصرّف الإنسان كما لو أنه ليس حراً بل محكوم بدور جاهز يسبقه ويحدّده. تسييس كرة القدم، والنظر إلى المنتخبات على أنها كيانات هوياتية متصارعة لهو هروب من ثقل الحرية، أي من الوجود وقلقه وأعبائه وهزيمته.
ثم إنّ اللاعب، في أصل التجربة، هو كيان مفتوح على الاحتمال. اللاعب: جسدٌ يجرّب إمكاناته داخل زمن المباراة وبلا معنى سابق يأسره.
قد يحرز هدفاً وقد يخطئ في التمرير، فلا شيء حتميّاً أو معداً سلفاً. غير أنه حين يُطلب منه أن يكون «رمزاً»، يصبح مراقَباً بثقل الجماعة وآمالها. تنزعه الأعين المراقبة من أفقه الوجودي، أي من كونه «مشروعاً» (الإنسان هو مشروع عند سارتر) وتراه يؤدي دوراً. بدلاً من تشجيعه على تسجيل هدف، يصبح من الواجب عليه إحرازه. وعليه، لم يعد اللاعب من يختار داخل اللحظة، بل من يُمثّل أهواء وتوقعات من هم خارجها. في هذا الانغلاق تُستبدل الحرية بالدور المؤدّى، ويحلّ التصوّر، أي القناع، محلّ الوجود. عندها يتحوّل اللاعب إلى موضوع، أي إن كرة القدم تشيئه عوضاً عن أن تكون فضاء لحريته.
والحال هذه، إنّ ما يبدو، في ظاهره، توسيعاً لمعنى كرة القدم عبر تسييسها ليس في جوهره سوى تضييقٍ للسياسة حتى تكاد تختنق. فاختزال اللعبة سياسياً يشلّ حركتها، مثلما يحوّل السياسة إلى مشهد فرجة وتصفيق، قوامه الحناجر المرتفعة والتصبب عرقاً؛ وهنا شيء يتم التماثل والتماهي بين كرة القدم وبودكاست سياسي لبناني في أبهى تجلياته.
«المطالب اللامتناهية»
يحذّر الفيلسوف المعاصر سايمن كريتشلي، في كتابه «المطالب اللامتناهية»، من أن نجعل السياسي يلتهم كل شيء. حين نصر على أن كل فعل هو فعل سياسي، فإننا في الحقيقة نُفرغ السياسي من محتواه. «السياسي النبيل هو الذي يحترم فجوة بين ما هو سياسي وما هو ليس كذلك». هذه الفجوة هي مساحة الحرية. تسييس كرة القدم يعني سدّ هذه الفجوة، يعني إعلان أن المتفرج ليس حراً في حبه للعبة، بل هو مجرد انعكاس لانتماءاته الكبرى. إنّ تسييس الحياة اليومية، وفق كريتشلي ينتج كيانات «ما بعد سياسية» شمولية، حيث يختفي الفرد ليحلّ محله «الجمهور» ككتلة هوياتية. واستطراداً، يبدو تسييس الظواهر على أنه ارتكاس إلى مرحلة (وعي) ما قبل الحداثة، حيث كانت كل ظاهرة محمّلة بمعنى أيديولوجي مقدس ومنكمش على ذاته.
ليس سايمن كريتشلي فيلسوفاً يكتب عن كرة القدم، بل يعترف بأنه مغفّل في حبه لهذه اللعبة، كما يقر في كتابه «فيمَ نفكر حين نفكر في كرة القدم؟». في هذا الكتاب القصير، يقدم كريتشلي كرة القدم كمدخل إلى الفلسفة «ما أعتقد أنه صحيح فلسفياً حول الزمان والمكان والعاطفة والعقل والأخلاق يتبين أنه صحيح في كرة القدم».
ينطلق كريتشلي من تأمل ظاهراتي (فينومينولوجي) خالص يسأل عن جوهر التجربة الكروية كما تُعاش وتختبر وليس كما تُفسر نظرياً. لكن مفارقة كريتشلي الكبرى تكمن في رؤية التناقض الحي، على العيش في التوتر بين الجمالي والسياسي، دون محاولة حل هذا التوتر لصالح طرف على حساب الآخر.
كرة القدم، كما يرى، هي صورة لعصرنا «كل الرعب موجود: رعب الرأسمالية الجديدة، رعب الاستبداد، العنصرية، القومية، الاستعمار». هذا كله وكرة القدم في رأي كريتشلي «اشتراكية»، وهي آخر ما «تبقى من الحلم الاشتراكي في بريطانيا التي مزقتها ثاتشر». غير أنه يرفض النظرة الأحادية واختزال كرة القدم بالسياسة، إنّ برشلونة يجسد الجمال والهوية الكاتالونية في اللحظة ذاتها التي يرعاها تمويل قطراوي. ثمة تعايش أخلاقي صعب: أن ترى القبح وأنت لا تكف عن حب الجمال.
هذه الاشتراكية تعيش في توتر دائم مع رأس المال الذي يدمرها من داخلها. الإخلاص للعبة يعني الإخلاص لهذا التناقض، وليس التظاهر بخلوه. الفيلسوف الحقيقي، عند كريتشلي، هو الذي لا يتوقف عن رؤية الشيئين معاً: الهدف الجميل كـ«إيماءة في خدمة الجمال»، والقبضة القذرة للتمويل الذي يجعله ممكناً. نجد اعترافاً بأن كرة القدم، في واقعها المادي، ملوَّثة بالسياسي والاقتصادي والفساد.
ولكن هذا الاعتراف لا يدفعه إلى تبني موقف اختزالي. هو يكتب «ما أريد أن يراه الناس حين يشاهدون مباراة هو هذان الشيئان معاً: هذا العرض الجميل لكيف أن أفراداً مدربين تدريباً عالياً يعملون معاً من أجل هدف مشترك يمكن أن ينتج نتيجة استثنائية، وفي اللحظة نفسها كيف أن هذا الأمر برمته أصبح ممكناً بفضل حركة المال، انتقال رأس المال. الأمران متزوجان بعمق. كرة القدم هي صورة لعالمنا في أقصى حالاته جمالاً وفي أقصى حالاته بشاعة، في آنٍ معاً».
في مديح التعدد
للسياسي مكانٌ في كرة القدم، بلا شك. هناك ملاعب شيّدت بمالٍ فاسد، وبطولات سخّرت لتلميع صورة ديكتاتور، ومدرجات لا تخلو من عنصرية. تتبُّع هذه الظواهر ونقدها عملٌ سياسي مشروع وضروري. غير أن الهزيمة تبدأ حين يتحول هذا التأويل إلى قراءة وحيدة، تُختزل فيها اللعبة في السياسة، ويُنسى معها أن فرصة الهدف التي أهدرها المنتخب الفرنسي في الدقائق الأخيرة من المونديال الأخير كانت لحظة لا تتكرر، ولا يمكن أسرها في أي سردية.
ماذا يعني أن نلعب؟ ماذا يعني أن نلهو؟ وهل يمكن للمطر الذي يبلل وجهي في الشتاء أن يكون برجوازياً؟ كرة القدم لا تجيب عن هذه الأسئلة. هي، كما يصفها كريتشلي، شكلٌ حديث من طقسٍ علماني تتناوب فيه الصرامة والانفجار، حيث يتجاور النظام العقلاني الصارم (أبولون) مع الانفجار العاطفي الجماعي (ديونيسوس) في فضاءٍ فرجوي قريب من المسرح.
إنها ليست هذا أو ذاك على نحوٍ خالص، بل هذا وذاك معاً: طقسٌ حديث يجمع بين العبث والمأساة، والكوميديا مع التوتر، والانضباط مع الاحتمال. هذه التعددية تحديداً هي ما ينبغي الدفاع عنه؛ ضد كل اختزال يُريد أن يجعل من اللعبة معنى واحداً مغلقاً. وإلا، فليلعب المنتخب «الرفيق» وحده.
