توتير في سوريا: إسرائيل تمهّد لعمليات قضم جديدة
لم يكن تسريب موقع «والا» العبري عن مصادر عسكرية إسرائيلية معلومات عن قيام الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، بنقل قوات ووسائل قتالية إلى أطراف الجولان المحتلّ، سوى جزء من «التمهيد الإعلامي» في سياق تهيئة الأجواء قبل القيام بأيّ عدوان، وشيك أو بعد حين.


لم يكن تسريب موقع «والا» العبري، أمس، عن مصادر عسكرية إسرائيلية معلومات عن قيام الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، بنقل قوات ووسائل قتالية إلى أطراف الجولان المحتلّ، سوى جزء من «التمهيد الإعلامي» الذي اعتادت المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية اعتماده، في سياق تهيئة الأجواء قبل القيام بأيّ عدوان، وشيك أو بعد حين.
التسريبات المقابلة من دمشق سارعت إلى نفي أي نية أو تحرّكات فعلية من القوات التابعة للشرع. ويبدو النفي السوري أقرب إلى الحقيقة، خصوصاً أن النظام الجديد وافق سابقاً على الشروط الإسرائيلية بسحب ما تبقّى من السلاح الثقيل للجيش السابق من جنوب دمشق وإفراغ المنطقة من أيّ قوات قتالية. كما أن إسرائيل كانت قد شنّت عدداً كبيراً من الغارات في أكثر من حملة جوية على رحَبات الدبابات ومخازن الصواريخ والذخائر في الألوية والفرق الجنوبية بعد سقوط النظام، ومجدّداً بعدما شنّ نظام الشرع حملته على جرمانا وصحنايا في نيسان 2025.
وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمهل، في شهر كانون الثاني، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حتى نهاية شباط، من أجل توقيع «اتفاق أمني» مع سوريا، وذلك في إطار سعيه إلى تسجيل أسماء دول إضافية في لائحة «الاتفاقات الإبراهيمية» - ولو كانت تلك التفاهمات مجرّد إعلانات فارغة -، إلا أن المراوغة الإسرائيلية المستمرة في مختلف الملفات، ومنها الملفّ السوري، نجحت في إحباط «مهلة ترامب» الدعائية أساساً، حتى بات الرئيس الأميركي اليوم منغمساً في الحرب على إيران.
عبّرت إسرائيل مراراً عن عدم استعدادها لعقد أيّ اتفاق جدّي مع النظام السوري الجديد، ومارست الخداع والتحايل على فريق ترامب ومبعوثه إلى سوريا توماس برّاك، حتى وصل الأمر إلى حدّ اتهام نتنياهو للأخير بتغليب المصالح التركية على المصلحة الإسرائيلية. لا بل إنه مع كلّ جولات التفاوض التي خاضها النظام مع إسرائيل، كانت الأخيرة تقضم المزيد من الأراضي السورية وتجرف المنازل والمناطق الزراعية وتوسّع سيطرتها على قمة جبل الشيخ، وصولاً نحو سفوحه الشرقية والشمالية المتاخمة للحدود اللبنانية.
وبينما كان بعض أنصار الشرع يحتفلون بالهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران ولبنان خلال الأيام الماضية، كانت إسرائيل تحشد قواتها في شمال فلسطين المحتلة وفي الجولان المحتل، وتعزّز مواقع الفرقتَين 91 و210 والجبهة الشمالية بجنود المظليين والوحدات الخاصة، بالتوازي مع الحشود على الجبهة اللبنانية.
تقدّم إسرائيل نحو مناطق شمال النهر من المحاور الشرقية، يسمح بسيطرتها على غالبية القرى ذات الغالبية الدرزية
ومما لا شك فيه أن الأولوية الإسرائيلية الآن هي للجبهة الإيرانية، مع إيلاء أهمية عالية للجبهة اللبنانية لما لها من تأثير عسكري مباشر على شمال فلسطين بسبب القرب الجغرافي. إلا أن إسرائيل ترى أيضاً في العمليات العسكرية الحالية والتحالف الدولي والعربي الواسع الذي بدأ يتشكّل إلى جانبها لاستكمال المعركة مع إيران، فرصة تاريخية قد لا تتكرر لقضم مساحات واسعة من الجنوبيْن اللبناني والسوري، وتثبيت أمر واقع استباقاً للتحوّل الاستراتيجي الهائل الذي قد تحدثه نتائج الحرب على إيران.
وفيما لم يُحسم بعد شكل العملية البرية المرتقبة لجيش الاحتلال في لبنان - خصوصاً مع حاجة إسرائيل إلى تجاوز منطقة جنوب الليطاني للوصول برياً إلى مواقع «حزب الله» ومخابئه في شمال النهر -، تخشى عدة مصادر عسكرية من لجوء إسرائيل إلى استغلال الوضع للتقدّم أيضاً نحو مناطق شمال الليطاني من المحاور الشرقية (جبل الشيخ وقرى العرقوب وقضاء حاصبيا وصولاً إلى قضاء راشيا)، أي باستخدام المدرجات الغربية والشمالية للجبل، والتي تتيح التقدم غرباً وشمالاً.
هذا الانتشار العسكري يسمح سياسياً وديموغرافياً بسيطرة إسرائيل على غالبية القرى ذات الغالبية الدرزية في منطقة جبل الشيخ ووادي التيم، بينما تسيطر إسرائيل حالياً على القرى ذات الغالبية الدرزية في المقلب الشرقي السوري من الجبل. ويزيد من مؤشّرات القلق، التركيز الإسرائيلي في الملف السوري على قرار «حماية الدروز»، وهو ما كرّره الإعلام العبري في الأيام الماضية، وفي الوقت نفسه استمرار التوتر على جبهات السويداء بين «قوات الحرس الوطني» وقوات الحكومة الانتقالية، التي تستمر في حصار المحافظة وتنفيذ عمليات الاعتقال فيها، فيما يشنّ جمهورها حملة تحريض طائفية ضد الدروز وغيرهم من السوريين.
وخلال الأيام الماضية، تردّدت معلومات حول تحضيرات إسرائيلية لفتح ممر بري نحو المحافظة الجنوبية انطلاقاً من الجولان المحتل، بالتوازي مع تحضيرات واتصالات يجريها اللواء غسان عليان، الذي جرى تعيينه الشهر الماضي في مهمة استثنائية مُستحدثة كـ«منسّق» لجيش الاحتلال للتواصل مع الدروز في لبنان وسوريا. ولم يكن تعيين عليان إلا مثالاً من بين مئات الأمثلة للتحضيرات الإسرائيلية الطويلة الأمد لخلق الفرص للتحرك التوسعي والعدواني في المنطقة. وبينما تلعب إسرائيل الشطرنج، يبدو الرئيس السوري الانتقالي وكأنه «يلعب الطاولة»، معتقداً بأنه أقنع الرئيس الأميركي بأنه أصبح الشريك المطلوب لتحقيق السلام في المنطقة، وأن ترامب قد صدّق هذا التغيير إلى حدّ الضغط فعلاً على نتنياهو وإمهاله شهراً للتوصّل إلى تسوية مع سوريا.
إلا أن حديث وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، مساء أول من أمس، عن أن الولايات المتحدة تحرّكت لضرب إيران، لإدراكها أن إسرائيل كانت ستضرب الأخيرة في كلّ الأحوال، هو اعتراف مهم بأن إسرائيل هي من يجرّ الإدارة الأميركية في كثير من المناسبات وليس العكس. فهل سيدرك الشرع ذلك أم أن أوان الإدراك قد فات أساساً؟
