مطالبات إسرائيلية بـ«ضبط» الخطاب الديني: الشرع يحذّر «المتمرّدين» من العمل ضدّ العدوّ

دمشق | باتت السياسة التي ينتهجها العدو الإسرائيلي في جنوب سوريا، قائمة بوضوح على ملء الفراغ الاستراتيجي الذي نتج من سقوط النظام السابق، وذلك وفقاً لعقيدة «العمق الأمني» التي تنسحب، في جزء منها، على سلوك إسرائيل في جنوب لبنان أيضاً.
وبالتوازي مع العدوان الذي تشنّه إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، يتّسم السلوك الإسرائيلي في جنوب سوريا بتصاعد عدواني ملحوظ، ولا سيما في محافظة القنيطرة الحدودية مع الجولان السوري المحتل. وبالمقارنة مع الشهر الماضي الذي ارتفعت فيه وتيرة إقامة نقاط التفتيش ومداهمة المنازل، عزّزت قوات الاحتلال، خلال الشهر الجاري، من إجراءاتها الضاغطة على أهالي الريفَين الأوسط والجنوبي للمحافظة، وذلك من خلال اعتقال المدنيين ورعاة الأغنام خصوصاً.
أمّا محافظة درعا، فاحتلّت المرتبة الثانية من حيث حجم الانتهاكات، التي تنوّعت بين مداهمات المنازل والاعتقالات، وترافقت مع نشاط ملحوظ لـ«قوات فضّ الاشتباك» الأممية (يوندوف)، بات يتزامن، للمفارقة، مع توغّلات العدو. واللافت في هذه المحافظة، حسبما تقول مصادر ميدانية في حديثها إلى «الأخبار»، انتقال جيش الاحتلال إلى جمع الاستبيانات في حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، وذلك بعدما قطع شوطاً كبيراً في جمعها في القنيطرة. وإذ تهدف هذه الخطوة إلى إضعاف المقاومة المجتمعية، فهي تمثّل وسيلة أيضاً لتجنيد العملاء، تُفعَّل بالتوازي معها إجراءات ميدانية ضدّ مصادر رزق المواطنين، بهدف رفع كلفة معيشة هؤلاء، ودفعهم إلى القبول بالتعامل مع العدو.
وفي هذا السياق، عمدت قوات الاحتلال، خلال اليومين الماضيين، إلى توقيف رعاة أغنام ونحّالين في حوض اليرموك، وذلك بعد نصب حاجز في وادي الرقاد غربي درعا، حيث وجّهت إليهم أسئلة تفصيلية حول قراهم وتركيبة سكانها واحتياجاتهم. وتأتي هذه الإجراءات، وفقاً للمصادر، بالتوازي مع لقاءات سرية تجريها قوات الاحتلال مع قوات «يوندوف» في تل «أبو الغيثار» في الريف الأوسط للمحافظة. وتشير المصادر إلى أن القوات الأممية «تجاوزت مهامها التقليدية في نزع الألغام ضمن النطاق الذي يؤثّر في عملها، وباتت تنشط في مناطق يُفترض أن تدرأ فيها الاحتكاك بين الاحتلال والمدنيين»، وهو ما يثير تساؤلات حول طبيعة المهام الجديدة الموكلة إليها، ولا سيما أن مثل تلك الأنشطة تتطلّب موافقة السلطة السورية الانتقالية.
حذّرت السلطات الانتقالية بعض عناصرها من مغبّة القيام بأي تصرّف عدائي ضد القوات الإسرائيلية
هكذا، تعمل إسرائيل على تثبيت «منطقة عازلة» في الجنوب السوري، تضمن لها ولأجهزة استخباراتها «حرية الحركة»، وهو ما يبدو أن السلطة الانتقالية لا تمانع توفير متطلّباته. وفي هذا الإطار، تشير مصادر أمنية رفيعة، في حديثها إلى «الأخبار»، إلى أن من بين المتطلّبات الإسرائيلية التي طُرحت خلال جولات التفاوض التي جرت بين دمشق وتل أبيب، «فتح مكتب ارتباط استخباري بين الطرفين»، يكون بمثابة «قياس التزام»، يتركّز عمله، في المرحلة الأولى، على دعم وخلق خلايا تنشط في البحث عن أفراد مرتبطين بـ«حزب الله» و«داعش»، إضافة إلى التعهّد بإبعاد أي قيادات ذات خلفية جهادية داخل الأجنحة العسكرية التابعة للرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، قد تعرقل «مسار السلام».
وتكشف المصادر أن رسالة «شديدة اللهجة» وصلت قبل شهرين من دمشق إلى بعض العناصر المدنيين والعسكريين في السلطة الجديدة - من بينهم عناصر كانوا يتبعون لفصائل مسلّحة سابقة اندمجت في الجيش الجديد -، مفادها أن أي تصرّف عدائي ضد إسرائيل، من شأنه أن «يجلب أضراراً تفوق الأمر الواقع (أي الاحتلال)». ولم تخلُ الرسالة، بحسب المعلومات، من نبرة تهديد وتلويح بالإقصاء. وكانت منصّات سورية وأصوات محسوبة على السلطة الانتقالية قد تداولت تساؤلات مشكّكة في مدى صحّة وفاة قياديين عسكريين في الفرقتَين 52 و54 (الناشطتين في المنطقة الوسطى)، جراء نوبات قلبية خلال الشهر الحالي.
ويُضاف إلى جملة المطالب الإسرائيلية أيضاً، تعهّد السلطة الدينية السورية بعدم نقل تجربة شبكة «دار الوحي الشريف» إلى المحافظات الجنوبية، خصوصاً القنيطرة، علماً أن هذه الشبكة كانت قد تأسّست عام 2018 في إدلب (شمال غرب سوريا) خلال حكم «هيئة تحرير الشام»، وشهدت توسّعاً كبيراً بعد سقوط النظام، لتشمل أكثر من 70 مدرسة وروضة موزّعة على مختلف المحافظات. وإذ يُراد، وفق هذه المطالب، حصر النشاط التعليمي في مدرسة شرعية تأسّست عام 2000، فإن ذلك لا ينفصل، بطبيعة الحال، عن الجهد الإسرائيلي لاستبعاد الخطاب الديني الذي يمكن أن يقف عقبةً أمام توسّع العدوان.

