رفض عشائري لدمج «قسد»: احتجاجات في الرقّة ومؤشراتُ عصيان

تشهد مدينة الرقة وريفها، إلى جانب بعض مناطق ريف دير الزور، حالة من العصيان والتظاهرات الرافضة لتطبيق السلطات الانتقالية اتفاقية 29 كانون الثاني الموقّعة مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، والتي تنصّ على دمج الأخيرة في هيكلية وزارة الدفاع، وتعيين قيادي كردي في منصب معاون وزير الدفاع، إضافة إلى تعيين محافظ كردي للحسكة، ومنح قوات الأمن الكردية (الأسايش) مسؤولية إدارة المناطق الكردية (الحسكة وعين العرب/ كوباني).
وظهرت أحدث ملامح الاحتجاج في الرقّة وريفها، عقب إعلان السلطات الانتقالية تعيين القيادي الكردي، سيبان حمو، معاوناً لوزير الدفاع ومسؤولاً عن المنطقة الشرقية. ويُعدّ حمو من أبرز القادة العسكريين في «قسد» وعضواً في قيادتها العامة، كما يشغل منصب القائد العام لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية (YPG)، علماً أنه بقي طوال السنوات الـ14 الماضية بعيداً عن الإعلام، قبل أن يظهر للمرّة الأولى في لقاء إعلامي في آب من العام الماضي.
وفور إعلان القرار، خرجت تظاهرات في الرقة، خصوصاً عند دوار النعيم وسط المدينة، حيث رفع المحتجّون لافتات وردّدوا شعارات تعبّر عن رفضهم للقرار ومطالبتهم بالتراجع عن هذا التعيين. واتّهم المتظاهرون، حمو، الذي يُعدّ أحد أبرز القادة الأكراد الفاعلين في مجال محاربة تنظيم «داعش»، بارتكاب انتهاكات بحق المكوّن العربي في مناطق سيطرة القوات الكردية سابقاً.
وبينما تربط بعض الأوساط السياسية هذه التظاهرات بالموقف التركي الذي يعدّ «وحدات حماية الشعب» امتداداً لـ«حزب العمال الكردستاني»، الذي تصنّفه تركيا على قوائم الإرهاب، يبدو أن ثمة عوامل أخرى تراكمية تسبّبت بإشعال حالة الغضب تلك، أبرزها القوائم النهائية لانتخاب أعضاء مجلس الشعب عن محافظة الرقة، إذ ضمّت القوائم المُشار إليها أسماء معروفة بولائها للسلطات الانتقالية، فيما استُبعدت منها شخصيات عشائرية أو سياسية أو ثقافية نافذة في المنطقة، وهو ما ساهم في توسيع الفجوة بين السلطات الانتقالية وأهالي المحافظة. والجدير ذكره هنا أن اختيار قوائم المرشحين يتمّ من قبل لجنة تشكّلها السلطات، ما يعني أن العملية الانتخابية هي عملية صورية في نهاية المطاف، وأقرب إلى تعيين يستهدف الالتفاف على الانتخابات الحقيقية.
إلى جانب ذلك، تسبّب مقتل الشاب علاء الدين الأمين داخل أحد مراكز الاحتجاز التابعة لـ«الأسايش» في محافظة الحسكة، وما تبعه من محاولة القوات الكردية منع إقامة مجلس عزاء له، بحالة غليان شعبي في الأوساط العربية. ولم تنجح محاولات قائد «قسد»، مظلوم عبدي، الذي أصدر بيان اعتذار ووعد بفتح تحقيق ومعاقبة للمتسبّبين بمقتله، في تخفيف وطأة هذا الغليان.
بدوره، حاول المتحدّث باسم الفريق الرئاسي المُكلّف بمتابعة تنفيذ اتفاق كانون الثاني، أحمد الهلالي، التخفيف أيضاً من حالة الاحتقان الشعبي، وذلك من خلال تصريحات أعلن فيها أنه بعد تنفيذ الاتفاق، «لن تبقى هناك إدارة ذاتية»، مشيراً إلى أن شخصيات كانت محسوبة سابقاً على «قسد»، باتت تشغل حالياً مواقع داخل مؤسسات الدولة - في إشارة إلى مسار الانخراط التدريجي لكوادر المنطقة ضمن المؤسسات الرسمية -، ممثّلاً على ذلك بوزير التربية، محمد تركو، وعدد من المسؤولين المحليين الأكراد، من مثل خيرو العلي في عفرين، وإبراهيم مسلم في عين العرب، إضافة إلى محمد ولي في لجنة الانتخابات.
وأيّاً يكن، فإن الرفض الشعبي والعشائري لاتفاقية دمج «قسد»، أو لطريقة انتقاء أعضاء مجلس الشعب، لا يمكن، في ظلّ الظروف الحالية، أن يُحدِث تأثيراً كبيراً في المشهد السياسي، الذي اشتغلت السلطات الانتقالية على نسجه على هواها، عن طريق تكليف شخصيات موثوقة بإدارة القطاعات الأساسية. غير أن هذا الغضب يفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات انفجار مستقبلية، ولا سيما في ظلّ تراكم العوامل التي تساعد على ذلك، بدءاً بالتفرّد بالسلطة، وليس انتهاءً بتدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل مستمر، مع استنكاف السلطات عن تقديم أي مساعدة للمواطنين، واعتمادها «سياسة السوق الحرة»، ورفعها الدعم عن جميع المواد، من دون بدائل.
كذلك، يضيف البعد الأمني ثغرة كبيرة إلى المشهد السوري عموماً والمشهد في المنطقة الشمالية الشرقية على وجه الخصوص، ولا سيما مع تزايد نشاط تنظيم «داعش» الذي وجد في الظروف الأمنية حالة مثالية لصعوده، إلى جانب موقف بعض الأطراف المتشدّدة الرافضة لتعاون الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، الوثيق مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، أعلن «داعش»، عبر نشرته الأسبوعية، مسؤوليته عن سلسلة هجمات منفصلة في سوريا، استهدفت عناصر من قوات السلطات الانتقالية و«قسد» في ريف حلب وريف الحسكة خلال الأسبوع الماضي، وهو ما أسفر عن مقتل خمسة عناصر وإصابة آخرين.
وفي دورية «النبأ» الصادرة عن التنظيم، تبنّى «داعش» هجومَين منفصلين في ريف حلب، استهدفا عناصر من جيش النظام وما سمّاه «الفرع 90» التابع لـ«التحالف الدولي». وممّا جاء في الصحيفة أيضاً، أنه في 10 من آذار قام عناصر «داعش» بإعدام عنصر من «قسد» في بلدة الدشيشة شمال شرقي الحسكة، بعد أن كانوا قد أسروه سابقاً واحتجزوه لمدة تزيد عن أسبوع.

