
منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بدأت آثارها تنعكس تدريجياً على الداخل السوري، ولا سيما في قطاع الطاقة، حيث تأخّرت إمدادات الوقود المخصَّصة لتوليد الكهرباء، وهو ما أدّى إلى تراجع ملحوظ في ساعات التغذية. ورغم أن هذا التراجع لا يشكّل الهاجس الأكبر للسوريين، في ظلّ معاناتهم من فواتير مرتفعة أساساً، إلا أن القلق يتزايد من تداعيات اقتصادية أوسع، مع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية، وغياب أيّ أفق قريب للتحسّن، واحتمال اتساع رقعة الحرب أو امتدادها إلى البلاد، إذ قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار المشتقات النفطية ونقصها، وتراجع مستوى الخدمات الأساسية، بما فيها النقل والرعاية الصحية وإنتاج الخبز.
ويتمثّل الانعكاس الأبرز للحرب في الارتفاع المتسارع لأسعار السلع الغذائية، في وقت باتت فيه غالبية الأسر السورية تحت خطّ الفقر، ولم يعُد دخل معظم المواطنين قادراً على مواكبة موجة الغلاء التي تتصاعد بوتيرة تفوق قدرتهم الشرائية. وممّا زاد من تعقيد المشهد تأخّر صرف الرواتب من دون توضيحات رسمية، وهو ما فتح الباب أمام تفسيرات متباينة؛ إذ يعزو البعض هذا التأخّر إلى تراجع الدعم الخارجي، ولا سيما من دول الخليج، في ظلّ انشغال الأخيرة بتداعيات الحرب، فيما يرى آخرون أن تصدير بعض المواد الغذائية، من مثل الخُضر واللحوم، إلى الأسواق الخارجية أسهم في تقليص المعروض محلياً ورفع الأسعار. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن الحكومة التي اكتفت بتصريحات تؤكد توافر مخزون كافٍ من الطحين والمشتقات النفطية، لم تطبّق إجراءات احترازية ملموسة تحسّباً لأي اضطرابات، في وقت لجأت فيه دول عدة إلى تعزيز مخزونها من السلع الأساسية.
ثمّة توقعات بارتفاع أسعار السلع المستوردة بنحو 25% خلال الشهر المقبل
وتباينت ردود فعل السوريين تجاه تداعيات الحرب وفقاً لاختلاف ظروفهم الاقتصادية ومناطق إقامتهم؛ إلا أن القاسم المشترك بينهم ظلّ الشعور بالضيق المعيشي وخشيتهم من امتداد الحرب إلى الداخل الذي يعاني أساساً من واقع هشّ أنهكته سنوات طويلة من القتال. ويقول يوسف الحسن (40 عاماً)، من مدينة حماة، والذي فقد عمله أخيراً، إن «الحرب لم تعد حدثاً استثنائياً للسوريين، بل واقعاً مزمناً»، مشيراً إلى أن فقدان مقوّمات الاكتفاء الذاتي وتحوّل الاقتصاد نحو الاعتماد على الاستيراد والمساعدات «زادا من هشاشة البلاد». ويرى الحسن أن تداعيات أيّ تصعيد جديد ستكون «أشدّ وطأة على السوريين، في ظلّ تراجع مستوى المعيشة وارتفاع معدّلات الفقر وضعف فرص العمل». وتتفق معه صحافية من مدينة بانياس (فضّلت عدم الكشف عن اسمها)، لافتةً إلى أن الغلاء «ليس جديداً، لكنّ وتيرته الحالية غير مسبوقة». وإذ تحذّر من أن استمرار الحرب سيجعل السوريين «من بين الأكثر تضرّراً، نظراً إلى هشاشة الوضع الاقتصادي»، فهي تطالب بـ«اتخاذ إجراءات استباقية للتخفيف من الأضرار».
ورغم قساوة الظروف، لا يغيب الحسّ الساخر عن الشارع السوري. فبعد أن كان سعر الصرف يُستخدم مبرّراً لرفع الأسعار، باتت التطورات الجيوسياسية، وعلى رأسها التوتر في مضيق هرمز، ذريعة جديدة لارتفاع أسعار السلع المُنتَجة محلياً. وعن ذلك، يقول أحد الشبان ساخراً: «يبدو أن أيّ أزمة في العالم، حتى لو كانت في كوكب آخر، كفيلة برفع الأسعار في سوريا».
سيناريو اقتصادي قاتم
يرى الخبير الاقتصادي، عامر شهدا، أن «هشاشة الاقتصاد السوري، الناتجة من تراجع الإنتاج وضعف السيولة، ستُفاقِم تأثيرات الحرب على مختلف القطاعات، من النقدي إلى الزراعي والخدمي». ويشير إلى احتمال حدوث اختناقات في توريد المشتقات النفطية، ما يستدعي، برأيه، «إدارة دقيقة للاحتياطات المتاحة وتوجيهها نحو القطاعات الحيوية، من مثل المشافي والنقل والمخابز». كما يلفت شهدا إلى أن إعادة تأهيل حقول النفط تحتاج إلى «استثمارات كبيرة وتقنيات متقدّمة»، في وقت تتقلّص فيه فرص التمويل الخارجي نتيجة تداعيات الحرب وارتفاع تكاليف الاستثمار. ويضيف أن دول الخليج، رغم استفادتها من ارتفاع أسعار النفط، قد تعيد توجيه مواردها نحو أولويات داخلية، ما يقلّص فرص الدعم أو الاستثمار في سوريا على المدى القريب.
أمّا على الصعيد النقدي، فيحذّر شهدا من أن الكتلة النقدية المُتاحة «لا تلبّي احتياجات السوق، ما ينعكس سلباً على الاستهلاك والإنتاج، ويدفع نحو زيادة الاعتماد على الاستيراد». ويتوقع ارتفاع أسعار السلع المستوردة بنحو 25% خلال شهر نيسان، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل في حال استمرار الظروف الحالية، منبّهاً، في الوقت نفسه، إلى «محدودية احتياطي النقد الأجنبي، ما سيزيد الطلب على العملات الصعبة ويضغط على سعر صرف الليرة، الأمر الذي قد يقود إلى حالة ركود تضخّمي تصعب معالجتها على المدى القصير».
دعوات إلى خلية أزمة
في ضوء هذه المؤشرات، يحذّر شهدا من تداعيات أوسع قد تطاول اندماج سوريا في النظام المالي العالمي، في وقت تسعى فيه دول أخرى إلى تعزيز استقرار عملاتها ومواجهة التضخم. ويرى أن من شأن غياب الإجراءات الحكومية الفعّالة، مقابل الاستمرار في سياسات من مثل تصدير بعض السلع الأساسية، أن «يزيد الضغوط على السوق المحلية». ولذا، يشدّد على ضرورة «تشكيل خلية أزمة لوضع سيناريوات عاجلة للتعامل مع التداعيات»، معتبراً أن تفاقم الأزمة الاقتصادية سيقود حتماً إلى «انعكاسات اجتماعية خطيرة، تشمل ارتفاع معدّلات الفقر والجريمة، بما يهدّد الاستقرار العام».

