
على خلفية هجمات تعرّض لها مسيحيون في مدينة السقيلبية في ريف حماة، أعلنت كنائس عديدة في سوريا إلغاء مظاهر الاحتفال بـ«الشعانين»، والاكتفاء بإقامة الصلوات داخل أسوار الكنائس. ويستبطن هذا الإلغاء رسالة رمزية تعبّر عن رفض سلوك السلطة، وذلك بعدما أظهرت تسجيلات مصوّرة مشاركة عناصر تابعين لها في تلك الهجمات.
وجاءت الاعتداءات التي طاولت المدينة الواقعة في ريف حماة الشمالي الغربي، عقب دخول شخصين من خارجها إلى شارع المشوار، حيث قاما بالتحرّش بعدد من الفتيات، ما أدّى إلى تدخل شبان من أبناء المنطقة واندلاع شجار. وعلى إثر ذلك، وصلت مجموعات مسلّحة لمؤازرة عناصر يتبعون لـ«الأمن العام»، قادمةً من بلدة قلعة المضيق المجاورة، واعتدت على المحالّ التجارية، وأطلقت الرصاص بشكل عشوائي الذي استهدف منازل ومقاهيَ، كما سُجّلت عمليات سطو وتخريب في حيّ السوق. أيضاً، نشر عدد من المهاجمين تسجيلات مصوّرة توثّق الانتهاكات التي ارتُكبت، أظهر بعضها توجيه المسلحين شتائم طائفية بحق أبناء المدينة من الديانة المسيحية.
وعقب تلك الأحداث، نظّم مسيحيون وقفات احتجاجية غاضبة في السقيلبية وفي العاصمة دمشق، رفع المشاركون فيها شعارات تندّد بالتضييق على المسيحيين. وفي الوقت نفسه، أعلنت «أبرشية دمشق للسريان الكاثوليك» و«كنيسة سيدة دمشق للروم الكاثوليك» إلغاء مظاهر الاحتفال بعيد «الشعانين»، وذلك بسبب «الظروف الراهنة التي تمرّ بها البلاد، وحرصاً على أمن وسلامة الرعايا والمواطنين». وفي المقابل، وفي محاولة لـ«لفلفة» تداعيات ما جرى، أعلنت السلطات الانتقالية عقد اجتماعات صلح بين وجهاء السقيلبية ووجهاء قلعة المضيق. كما أفادت بإطلاق سراح عدد من الموقوفين، في حين ذكرت مصادر محلية أن قوى الأمن كثّفت انتشارها في المنطقة، ومنعت وقوع «هجوم جديد».
من جهتها، أصدرت «بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس» بياناً أكّدت فيه أن البطريرك، يوحنا العاشر، تابع شخصياً ما تعرّضت له السقيلبية من «هجوم وترهيب من الجوار، ومن أعمال عنف وتكسير طاولت الممتلكات»، مشيرة إلى أن الرصاص طاول أيضاً مقام السيدة العذراء. ولفتت إلى أن «لهذا الاعتداء ارتدادات وموجات غضب شعبية امتدّت حتى دمشق واستمرّت حتى ساعات متأخرة من الليل أمام أبواب البطريركية».
يعيش المسيحيون تحت وطأة عملية «فرز دينية» تقوم بها السلطات في مختلف المناطق السورية
وإذ دانت ما جرى «بأقسى العبارات»، فهي ذكّرت بأن ما يتعرّض له المكوّن المسيحي غالباً ما يُبرَّر بصفته حوادث فردية «وهو ليس بالضرورة كذلك»، داعية الجهات المختصّة إلى «التعامل بحزم مع كلّ من يسيء إلى السلم الأهلي وعدم التغافل عما يجري من أحداث». كما طالبت بفتح تحقيق رسمي يفضي إلى «توقيف ومحاسبة المتورطين»، وإبلاغ البطريركية بنتائج التحقيق، بالإضافة إلى مطالبتها بـ«التعويض على المتضررين مادياً، وبالعمل على منع تكرار هذه الأحداث»، وذلك عبر «تحمّل الدولة بمؤسساتها النظامية وحدها دون سواها مسؤولية الحفاظ على السلم الأهلي بما في ذلك ضبط السلاح المتفلّت».
أمّا «الاتحاد السرياني الأوروبي» فوجّه نداءً عاجلاً إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا للتدخل وحماية مسيحيّي سوريا، داعياً إلى «إعادة النظر بشكل عاجل في الدعم» المقدّم إلى الحكومة السورية. وأشار الاتحاد، في بيانه، إلى أن البلاد «انزلقت إلى دوامة من العنف» منذ نحو عام ونصف عام ومنذ بدء دعم (الرئيس الانتقالي) أحمد الشرع في الوصول إلى السلطة في سوريا، معتبراً أن ما يجري بات «مأساة إنسانية واضحة».
كما تحدّث البيان عن تصاعد أعمال العنف التي طاولت الطائفتَين العلوية والدرزية، وصولاً إلى الهجمات الأخيرة على المسيحيين في السقيلبية، والتي وصفها بأنها «بلغت مستوى مقلقاً»، مع تسجيل اعتداءات على ممتلكات ومدنيين، وتزايد حالات التحرش بالنساء والفتيات. وحذّر الاتحاد من أن عدم اتخاذ إجراءات فعّالة «لن يقتصر خطره على سوريا، بل ستشكل بيئة التطرف والعنف هذه خطراً متزايداً على العالم أجمع، وخاصة أوروبا»، داعياً المجتمع الدولي إلى عدم التزام الصمت، وتحمّل المسؤولية، واتخاذ تدابير ملموسة لحماية المدنيين، وفق البيان.
وتأتي هذه التطورات في وقت يعيش فيه المسيحيون تحت وطأة عملية «فرز دينية» تقوم بها السلطات في مختلف المناطق السورية، آخرها العاصمة دمشق، حيث جرى تقييد بيع المشروبات الكحولية وقصر بيعها على بعض المحالّ في «المناطق المسيحية». وأثارت تلك الإجراءات ردود فعل غاضبة سواء بسبب تقييد الحريات أو بسبب محاولة وصم المسيحيين بأنهم «سكارى»، وذلك وفق منشورات عديدة لناشطين معارضين.

