الشرع في برلين: برنامج ألماني لإعادة اللاجئين

في إطار الاستجابة لمساعي ألمانيا المُعلَنة للتخفيف من عبء اللاجئين، زار الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، برلين، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ تسلّمه السلطة. وأجرى الشرع سلسلة لقاءات مع مسؤولين ألمان، على رأسهم المستشار فريدريش ميرتس، وذلك قبل أن ينتقل إلى لندن، حيث التقى رئيس وزراء المملكة المتحدة، كير ستارمر، وبحث معه ملفات عدة، في مقدّمها «الإرهاب واللاجئون»، وفق بيان رسمي صادر عن مكتب ستارمر.
وكان من المُفترض أن تتمّ الزيارة إلى ألمانيا، التي تُعدّ من أولى الدول الأوروبية - إلى جانب فرنسا - التي رحّبت بوصول الشرع إلى السلطة، مطلع العام الحالي، غير أنه تمّ تأجيلها إثر اندلاع المعارك بين السلطات الانتقالية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، والتي أعقبها توقيع اتفاق في 29 كانون الثاني، يقضي باندماج الأخيرة في هيكلية النظام الجديد.
ورافقت زيارة الشرع ترتيباتٌ أمنية مشدّدة من قبل السلطات الألمانية، التي استنفرت قواتها لتأمينها، فيما طاولتها انتقادات حادّة من بعض الأطراف السياسية الألمانية، التي أصرّت على التذكير بماضي الشرع «الجهادي» وارتباطه السابق بتنظيم «القاعدة». وفي هذا السياق، اعتبرت النائبة عن «حزب اليسار الألماني»، جانسو أوزدمير، أن لقاء ميرتس مع الشرع «ليس خطوة دبلوماسية، بل إفلاس أخلاقي»، مضيفة أن المستشار الألماني «يضفي الشرعية على الإسلاميين الذين يرتكبون مجازر بحق جماعات عرقية ودينية غير مرغوب فيها، مثل المسيحيين والعلويين والدروز والأكراد»، وفق تعبيرها. والجدير ذكره هنا أن رحلة الشرع تزامنت مع تصعيد ضدّ المسيحيين في ريف حماة وسط سوريا، دفعهم إلى إلغاء مظاهر الاحتفال بأعياد «الشعانين»، وذلك احتجاجاً على سلوك السلطات الانتقالية والجماعات الموالية لها بحقّهم.
وخلال مؤتمر صحافي مشترك، قال ميرتس إن الشرع أكّد له «احترام الحقوق الدينية للشعب السوري، والعمل على تحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية»، مشيراً إلى أن «حقوق الأقليات الدينية مُحترَمة في سوريا بقدر كبير». وأضاف أن القوات الكردية «سيتمّ دمجها في الجيش السوري ولن يكون الأمن مُجزّأ»، وذلك في محاولة لتخفيف الضغوط السياسية من بعض الأطراف في ألمانيا، الداعمة للأكراد في سوريا.
كذلك، كشف المستشار الألماني أن نحو 80% من اللاجئين السوريين في ألمانيا سيعودون إلى بلادهم، موضحاً أن عملية العودة ستتمّ على مراحل تمتدّ لـ«ثلاث سنوات»، مع إعطاء الأولوية لترحيل المخالفين للقوانين الألمانية. وأعلن أن بلاده ستقدّم دعماً لسوريا بقيمة 200 مليون يورو، يهدف إلى توسيع شبكة المياه وتعزيز الاقتصاد، إلى جانب تنشيط برنامج «الهجرة الدائرية»، والذي «يتيح للكفاءات السورية المساهمة في إعادة إعمار وطنها من دون التخلّي عن حياتها في ألمانيا، لمن يرغب بالبقاء منها»، علماً أن عدد السوريين في ألمانيا يُقدّر بنحو 1.3 مليون شخص، بينهم 6 آلاف طبيب وأكثر من ربع مليون يساهمون في الاقتصاد الألماني.
بموازاة ذلك، عقد الشرع اجتماعاً مع ممثّلين عن عدد من الشركات الألمانية، حضره وزراء الخارجية والمغتربين، والاقتصاد، والطاقة، والطوارئ وإدارة الكوارث، وعرضت الشركات خلاله «فرصاً استثمارية» في قطاعات الطاقة والتمويل والأمن والتحوّل الرقمي، إضافة إلى البناء والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية.
وشهد الاجتماع توقيع عدد من مذكّرات التفاهم، فيما كشف وزير الطاقة السوري، محمد البشير، عن توقيع مذكرتَين مع شركة «سيمنس»، مرتبطتَين ببناء نظام قيادة وتشغيل للشبكة الكهربائية السورية، إضافة إلى توقيع مذكّرة مع شركة «كناوف» لصناعة ألواح الجبس، والتعاون في مجالات المياه والطاقة. وإذ تُعدّ «سيمنس» المورّد الأبرز لآليات توليد الطاقة الكهربائي في سوريا، بما يشمل محطّات التوليد وأجزاء نقل الطاقة، إلا أن العقوبات التي كانت مفروضة على البلاد، خلال فترة حكم النظام السابق، حالت دون إجراء الصيانة اللازمة لعدد من المحطّات، وعلى رأسها محطة حلب الحرارية، ما دفع السلطات حينها إلى الاستعانة بشركات إيرانية.
وعقب زيارته إلى ألمانيا، توجّه الشرع إلى لندن، حيث التقى ستارمر في مقرّ الحكومة البريطانية. وذكر بيان بريطاني أن الرجلين ناقشا العلاقات الثنائية، واتّفقا على أن المرحلة الراهنة تمثّل «لحظة هامة» في العلاقات بين البلدين، كما شدّدا على ضرورة خفض التوتر في الشرق الأوسط. وبحسب البيان، رحّبت بريطانيا بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة السورية حتى الآن للتصدّي لداعش». كما أشادت بـ«التقدّم الحاصل في التعاون بين المملكة المتحدة وسوريا في مكافحة الإرهاب». وفي ما يتعلق بملفّ الهجرة، أعرب ستارمر عن أمله في «إحراز مزيد من التقدّم»، بما يشمل «التعاون الوثيق بين البلدين بشأن إعادة المهاجرين، إلى جانب التعاون في مجال أمن الحدود، والعمل للتصدّي لشبكات تهريب الأشخاص»، وفقاً للبيان.

