
دمشق | خرجت، على مدار اليومَين الماضيَين، مسيرات شعبية غاضبة في ثماني قرى في محافظتَي درعا والقنيطرة، تنديداً بإقرار «الكنيست» الإسرائيلي «قانون» إعدام الأسرى الفلسطينيين، ورفضاً لانتهاكات الاحتلال المتصاعدة في «المسجد الأقصى» وممارساته في الجنوب السوري. وعبّر المشاركون في تلك التحرّكات عن تضامنهم مع الأسرى الفلسطينيين، مطالبين بالإفراج عنهم، كما ردّدوا هتافات تدعو إلى رصّ الصفوف في مواجهة العدو. وفي درعا، جابت تظاهرات ليلية معظم شوارع المحافظة، قبل أن يتوجّه المحتجّون صوب خطّ وقف إطلاق النار، وسط تفاعل شعبي مماثل شهدته مناطق في ريف القنيطرة الجنوبي.
وبحسب معلومات «الأخبار»، فقد كثّفت قوى الأمن التابعة للسلطات السورية الانتقالية من حواجزها في القنيطرة، بهدف منع التحاق محتجّين قدِموا من ريف دمشق بالوقفات والتظاهرات. ومع تواصل التحركات الشعبية في المحافظتين، استنفر العدو الإسرائيلي، بدوره، قواته على طول الشريط الفاصل مع الجولان المحتل، حيث أقدم على إطلاق قنابل مضيئة، بالتزامن مع تحليق مكثّف لطيرانه الحربي.
وصباح أمس، شرعت قوات الاحتلال في إقامة نقاط تفتيش وإطلاق نار عشوائي في محيط القواعد العسكرية المُستحدثة بعد سقوط النظام السابق، توازياً مع تحليق مكثّف لطيران الاستطلاع في أجواء الجنوب. ورافق ذلك تنفيذ توغل برّي في الريف الشمالي للقنيطرة التي تشهد تصعيداً ميدانياً متواصلاً، إلى جانب قصف ترهيبي استهدف كادراً إعلامياً في الريف الأوسط من المحافظة.
وتأتي هذه التطورات في وقت شهد فيه الريف الشمالي لمحافظة القنيطرة، الإثنين الماضي، سيولاً غزيرة غمرت الأراضي الزراعية والمنازل وخلّفت أضراراً واسعة. وفي حين انصبّ التركيز على ماهية تلك الخسائر، لم تتمّ الإشارة إلى أن المياه المتدفّقة هي في الأصل من حصّة المحافظة، وأن ما أعاق انسيابها هو السواتر الترابية التي أقامها الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2022، ضمن مشروع خطّ «سوفا 53» العسكري على طول الشريط الفاصل مع الجولان المحتل. فقد أدّت تلك السواتر، التي جرى ترميمها عقب سقوط النظام السابق، إلى حسر المياه ومنع تدفّقها عبر المسيلات الطبيعية التي تغذي سدود القنيطرة.
ومع ترجيح فرضية أن يكون الانفتاح الجزئي للساتر في القطاع الشمالي ناجماً عن الضغط المائي المرتفع نتيجة الهطولات الكثيفة هذا العام، تبرز قراءة أخرى لا تستبعد تعمّد الاحتلال إحداث ثغرة في الساتر، بهدف الإضرار بالمحاصيل عبر غمرها والتسبّب بانجراف التربة، في ما يعكس - في حال صحّته - مستوىً متقدّماً من التحكم بالدورة الزراعية في المحافظة.
وبحسب رصد «الأخبار»، انحسرت المياه داخل خندق حفره الاحتلال خلف السواتر الترابية، بعمق خمسة أمتار، وذلك عقب تجريف حرش «الشحّار» شمالي القنيطرة في حزيران 2025، والذي اتّخذ ذريعة كشف الرؤية أمام المراصد العسكرية في الداخل المحتلّ. وتكمن خطورة هذه الإجراءات في آثارها على الواقع المائي للجنوب السوري عموماً، إذ يُعدّ نهر «الشحّار» مجرىً أساسياً للمياه القادمة من جبل الشيخ، حيث يغذي عدداً من الآبار والنقاط السطحية، ويلتقي مع عدّة روافد، قبل أن يصبّ في مجرى وادي الرقاد، الذي يشكل جزءاً من الحدود الطبيعية مع محافظة درعا غرباً، وصولاً إلى نهر اليرموك.
وفيما تكتسب هذه المنطقة أهمية خاصة للاحتلال، الذي كثّف نشاطه فيها منذ مطلع العام الجاري، حوّلت إسرائيل «المنطقة العازلة» المقابلة للقرى الحدودية في ريف درعا الغربي إلى مراعٍ للأبقار، وذلك بعد شهرين من تسييج الطريق الممتدّ من الأراضي المحتلة في اتجاه وادي الرقاد. وتُعد هذه المنطقة من أبرز المساحات الخصبة للرعي وتربية النحل، وهي كانت شهدت سابقاً تضييقاً ممنهجاً من قِبل قوات الاحتلال، شمل اعتقال رعاة الأغنام والنحالين ومنعهم من مزاولة عملهم، فضلاً عن الاستيلاء على نحو 250 رأساً من الماشية.
ويزداد المشهد تعقيداً مع خضوع المنطقة لإشراف ناري من ثكنة «الجزيرة» التي تحتلّ موقعاً استراتيجياً بين واديَي اليرموك والرقاد، ومنها تُدار عمليات التوغل والاستطلاع الجوي في ريف درعا الغربي. وإلى جانب ذلك، تشير معطيات «الأخبار» إلى انطلاق عمليات «استبيان» معلوماتية، قبل مدة قصيرة، في قرى حوض اليرموك، تهدف إلى جمع بيانات عن أهالي تلك القرى وعلاقاتهم وروابطهم العشائرية، فضلاً عن فتح قنوات تواصل لتتبّع تحركات قيادات يُعتقد بارتباطها بتنظيم «داعش»، عادت إلى المنطقة بعد سقوط النظام السابق، إلى جانب رصد أيّ نشاطات مناوئة للاحتلال، وملاحقتها.

