إخلاء القاعدة الأخيرة: أميركا تُكمل انسحابها من سوريا

أكملت الولايات المتحدة سحب قواتها من آخر قاعدة أميركية في سوريا، وذلك إثر الإعلان عن «انتهاء مهمّة» تلك القوات هناك. وتأتي هذه الخطوة استكمالاً لتنفيذ تعليمات القيادة العسكرية الأميركية ببدء عمليات الانسحاب التدريجي من سوريا ابتداءً من شباط الماضي، وذلك بعدما دخلت إلى البلاد بذريعة قتال تنظيم «داعش». ويبدو أن ما في وراء الانسحاب خلفيات أعمق من مجرّد انتهاء مهمة، خصوصاً أن التقارير الأممية تؤكد ارتفاع مخاطر التنظيم في سوريا، سواء بسبب «الفراغ والهشاشة الأمنية»، أو بسبب فرار المئات من مقاتلي «داعش» وعوائلهم من مراكز احتجاز ومخيمات.
وأنهى الانسحاب الذي تمّ الإعلان عنه من قاعدة «قسرك» الواقعة شمال غربي محافظة الحسكة، نحو 14 عاماً من الوجود العسكري الأميركي المباشر في سوريا. وكانت سبقته محاولة نفّذتها فصائل عراقية لاستهداف القاعدة بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران، والعدوان الإسرائيلي على لبنان. وبحسب مصادر ميدانية تحدثت إلى «الأخبار»، فإن عملية الانسحاب تمّت على مراحل، بدأت بسحب الآليات الثقيلة نحو الأردن، وتبعه سحب بقية المعدّات والجنود، قبل أن تقوم القوات الأميركية بإحراق مقارّها في القاعدة، وتُسلّمها إلى «الفرقة 60» في الجيش السوري الناشئ.
ومن جهتها، رحّبت وزارة الخارجية في الحكومة الانتقالية السورية، في بيان، بعملية التسليم الجارية والنهائية للمواقع العسكرية التي كانت تشغلها القوات الأميركية في سوريا. واعتبرت أن «استعادة الدولة سيادتها على المناطق التي كانت خارج نطاق السيطرة، بما في ذلك الشمال الشرقي والمناطق الحدودية، تأتي ثمرةً لجهود متواصلة بذلتها الحكومة لتوحيد البلاد ضمن إطار دولة واحدة». وأضافت أن «اكتمال تسليم هذه المواقع يُعدّ نتيجة طبيعية لنجاح عملية دمج «قوات سوريا الديمقراطية» ضمن البنى الوطنية، وتحمّل الدولة مسؤولياتها الكاملة في مكافحة الإرهاب، والتصدّي للتهديدات الإقليمية على أراضيها».
وتكشف نظرة على خريطة الانسحاب الأميركي من سوريا وآلياته، عن تخلّي الولايات المتحدة في البداية عن قواعدها الكبيرة والمفتوحة، وأبرزها قاعدة «التنف» الواقعة عند المثلث الحدودي مع العراق والأردن، والتي كانت قد تعرّضت فعلياً عام 2024، ضمن عمليات الإسناد لقطاع غزة، إلى استهداف بطائرة مسيّرة، طاول نقطة عسكرية أميركية في العمق الأردني. وتبعت ذلك محاولات استهداف عديدة، آخرها في آذار الماضي، بعد إعلان واشنطن انسحابها من القاعدة؛ إذ أعلن الجيش السوري الجديد وقتذاك «التصدّي لهجوم بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق».
رحّبت وزارة الخارجية السورية بعملية التسليم النهائية للمواقع العسكرية التي كانت تشغلها القوات الأميركية
وتَرافق بدء الانسحاب الأميركي من سوريا مع الانسحاب أيضاً من قواعد عسكرية أميركية عديدة في العراق، أبرزها قاعدة «عين الأسد»، لتُبقي واشنطن على حضورها العسكري في أربيل فقط. وجاء ذلك استباقاً للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة بالتعاون مع إسرائيل على إيران - والتي تخلّلها استهداف عدد كبير من القواعد الأميركية في الخليج -، في ما يمكن اعتباره محاولة مسبقة لتخفيض تكاليف الدفاع عن حضور الولايات المتحدة في مناطق مفتوحة ورخوة (سوريا والعراق)، وحصر الحضور الأميركي في مناطق محدّدة أملت واشنطن أن تكون أكثر أمناً.
وبهدف تسريع وتيرة انسحابها، ضغطت الولايات المتحدة عن طريق مبعوثها الخاص، وسفيرها في تركيا، توماس براك، لتنفيذ عملية اندماج بين السلطات الانتقالية و«قوات سوريا الديموقراطية» (قسد). وأتى ذلك بعدما دعمت واشنطن سلطات أحمد الشرع، بشكل مطلق، وتخلّت عن حليفها الأكثر موثوقية (قسد)، بقيادة مظلوم عبدي، الأمر الذي انتهى بتوقيع اتفاقية 29 كانون الثاني الماضي، والتي تنصّ على دمج «قسد» بالنظام الجديد.
كذلك، عمدت واشنطن إلى محاولة حلحلة ملفّ «معتقلي داعش» بشكل عاجل، عن طريق نقل مئات السجناء إلى العراق، وتسليم السجون ومخيمات عوائل التنظيم للسلطات الانتقالية. وتواجه الأخيرة، في الوقت الحالي، مخاطر مركّبة تتعلق بقدرتها على ضبط الأمن في مناطق واسعة، أبرزها الرقة ودير الزور، ومطاردة عناصر «داعش» الفارّين من السجون، بالإضافة إلى تغلغل خلايا تابعة للتنظيم في التركيبة المجتمعية السورية داخل المدن.
وإلى جانب ذلك، يطلّ تحدٍّ آخر برأسه أمام تلك السلطات، يتمثل في ظهور فصائل متشددة يُعتقد أنها مرتبطة بـ«داعش»، قوامها مقاتلون سابقون في فصائل تابعة لـ«هيئة تحرير الشام»، وجدوا في انحياز الشرع إلى واشنطن «خيانة لمبادئهم». ومن بين أبرز هذه الفصائل، «أنصار السنّة» التي تبنّت عمليات اغتيال على خلفيات طائفية، في حمص والساحل السوري ومناطق أخرى، إضافة إلى محاولة اغتيال الشرع نفسه، الذي قال تقرير أممي إنه تعرّض لأكثر من محاولة من هذا النوع.

