
دمشق | بينما تسعى السلطة الانتقالية في سوريا، وفق ما أعلن رئيسها، أحمد الشرع، أخيراً، خلال «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في تركيا، إلى إحياء مسار التفاوض مع إسرائيل، تمضي الأخيرة في ترسيخ وجودها في الجنوب السوري، والعمل على تثبيت الواقع الأمني الجديد الذي فرضته منذ سقوط النظام السابق. وفي هذا السياق، تشير المعطيات الميدانية إلى ارتفاع ملحوظ في حجم الاعتداءات الإسرائيلية وتحوّل في نوعيّتها؛ إذ بحسب مصادر تحدّثت إلى «الأخبار»، فإن قوات الاحتلال استأنفت العمل على مشروع «سوفا 53» قرب تل عكاشة في ريف القنيطرة الأوسط، بالتوازي مع تعزيز موقعها العسكري في «تل أحمر شرقي»، وذلك عبر استقدام ثلاث غرف مُسبقة الصنع وسلاح مدفعي. وبهذا، يكون الاحتلال، الذي سبق أن اتّخذ نقطة «الحميدية» مركزاً لإدارة التوغّلات - رسّخ وجوده على «أحمر شرقي»، مستفيداً من الأهمية الاستراتيجية للتلّ الذي يتيح كشف عمق الجنوب السوري، الذي خضع لعمليات استطلاع إسرائيلية متكرّرة قبل فرض السيطرة الفعلية عليه.
ولا يقتصر العمل الإسرائيلي في الجنوب على البعد العسكري فقط، بل يمتدّ إلى الجانب الأمني، حيث يستمرّ العمل على تشكيل بيئة «آمنة» لإسرائيل. وفي هذا الإطار، تكشف معلومات «الأخبار» عن نشاط أمني مُتقدّم بدأ نهاية آذار الماضي، تمثّل أحد وجوهه في توغّل كتيبة «آيت 595» (المعروفة بكتيبة النسر) إلى مناطق أعمق من نطاق عملها الميداني المُعتاد، علماً أن هذه الكتيبة هي وحدة استخبارات قتالية مختلطة تعمل تحت إمرة «الفرقة 210» المسؤولة عن الجبهة الشمالية. وفي ظلّ إعلان بعض المناطق القريبة من السدود محظورة على الأهالي، بزر نشاط إسرائيلي لافت بالقرب من أماكن تواجد السكّان، ولا سيما بمحاذاة السدود. ووفقاً للمصادر، شوهدت مُجنّدات إسرائيليات قرب «سد المنطرة» خلال أوقات تنزّه المواطنين، حيث يعمد أفراد الكتيبة إلى فتح أحاديث مُحدّدة معهم بهدف دراسة إمكانات تجنيدهم، ومحاولة استقطاب الشبان والأطفال خصوصاً عبر تقديم مواد غذائية لهم، بما يتيح بناء شبكة جمع معلومات من مصادر بشرية.
وفي سياق متصل، تفيد معطيات «الأخبار» بأن الاحتلال «يدير خلايا مرتبطة به تضمّ تسعة عناصر رئيسِين، جرى تطوير التواصل معهم بعد تكليفهم بمهام توزيع مساعدات عبر بوابات مُستحدثة». ويعمد هؤلاء إلى توزيع المساعدات وفق قوائم اسمية مُعدّة مُسبقاً، فيما يتمّ تصريف المرفوض منها في السوق المحلية، علماً أن معظمها ذو منشأ عربي. وفيما يشهد الشهر الجاري تصاعداً ملحوظاً في الاعتقالات، التي تستند إلى معلومات مُتداولة، وليس بالضرورة إلى «ارتباطات أمنية» مباشرة، وغالباً ما يعقبها إفراج سريع خلال ساعات، كُلّف بعض أفراد تلك الخلايا بتقصّي خلفيات الأشخاص الذين يتعرّضون للاعتقال، بحسب المصادر.
وفي مقابل ما يبدو أنه تفاهم ضمني بين دمشق وتل أبيب على ضبط أيّ نشاط مُضادّ في الجنوب، تتحدّث المصادر عن تعمّد سوري إخفاءَ ما وُصف بأنه «إنجاز استخباري» - في غير مصلحة إسرائيل - تَحقّق قبل نحو شهر ونصف شهر، بمساعدة دولة «حليفة» للنظام السوري الجديد. وتَمثّل هذا «الإنجاز» في كشف خلية ألقت منشورات تدعو إلى «التحرّك ضدّ إسرائيل»، وكانت تستعدّ لتنفيذ «أعمال مشبوهة» قد تمهّد لتدخل إسرائيلي سريع ومُبالَغ فيه، قبل أن يتبيّن أنها تعمل بتوجيهات إسرائيلية. وعلى إثر كشف تلك الخلية، بدأت قوات الاحتلال حملة اعتقالات واسعة على مدار أربعة أيام متواصلة، امتدّت إلى حوض اليرموك في درعا. وأثار التكتّم السوري على هذه القضية تساؤلات المراقبين، بالتزامن مع عودة الحديث عن المفاوضات وتسليط الضوء على الدور التركي في المنطقة.

