الشيباني في القاهرة: كسر الجمود... من بوابة الاقتصاد

في زيارة هي الأولى من نوعها منذ صعود السلطات الانتقالية في سوريا، وصل وزير الخارجية، أسعد الشيباني، إلى القاهرة على رأس وفد حكومي يضمّ إلى جانبه وزير الاقتصاد، محمد نضال الشعار. وأجرى الوفد سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين مصريين، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة جديدة لكسر الجمود في العلاقات بين سوريا ومصر، والمستمرّ منذ سقوط النظام السابق في الأولى.
على أن اللافت في الزيارة التي جاءت بعد أيام من لقاء عابر جمع الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الذي التقطته بعض الكاميرات على هامش قمة الاتحاد الأوروبي وشركائه الإقليميين في قبرص وهو يحاول تجاهل الشرع - ممّا أثار ضجة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي - ، أنها حملت طابعاً اقتصادياً بحتاً بعيداً عن تعقيدات السياسة والأمن اللذين يشكّلان عائقاً مستمرّاً أمام انفتاح كبير في العلاقات بين البلدين.
وتبدي مصر تخوّفها المعلن والمستمر من صعود التطرف في سوريا، ووجود شخصيات مصرية مطلوبة للعدالة باتت تملك حظوة ومناصب قيادية في النظام الجديد. ولربما يفسّر ذلك سبب غياب أيّ تعليق سوري رسمي على مستويات عليا على العمليات المصرية المتواصلة لترحيل السوريين - والتي تأتي في إطار حملة موسّعة ضدّ اللاجئين في البلاد -، إضافة إلى المحاولات المتتابعة لتقديم تطمينات إلى القاهرة، تشمل ملاحقة شخصيات وجّهت إساءات إلى مصر، وسجن عدد منها.
وذكرت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، أن الجانبَين عقدا مباحثات موسعة، بمشاركة وزيرَي صناعة البلدَين، المصري خالد هاشم والسوري محمد نضال الشعار، تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف إزاء التطورات الإقليمية الراهنة. وقال المتحدث باسم الوزارة، تميم خلاف، إن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، أكد عمق الروابط التاريخية والشعبية والثقافية التي تجمع مصر وسوريا، مشيراً إلى أن «هذا الرصيد المشترك يجسّد تلاقي إرادة الشعبين الشقيقين عبر التاريخ».
ولفت عبد العاطي إلى أن موقف بلاده تجاه الأزمة السورية استند منذ اندلاعها إلى مبادئ واضحة تنطلق من الحرص الصادق على دعم الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار، والحفاظ على وحدة سوريا وتماسك نسيجها الوطني، مجدّداً تأكيد دعم مصر للتطلّعات المشروعة للشعب السوري بمكوناته كافة. كما شدّد على الاحترام الكامل لسيادة سوريا ووحدتها واستقرارها وسلامة أراضيها، وضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، ورفض أيّ تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية، وذلك بما «يلبّي تطلعات الشعب السوري المشروعة نحو إرساء دعائم الاستقرار الداخلي الشامل».
إلا أنه بدا واضحاً، في خلال حديث الوزير المصري، إصراره على موقف بلاده الرافض لصعود المتطرفين؛ إذ شدد على ضرورة تضافر الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف بصوره وأشكاله كافة والتعامل مع ظاهرة المقاتلين الأجانب، وأن تكون سوريا مصدراً للاستقرار. كذلك، ذكّر عبد العاطي برفض بلاده القاطع لانتهاكات إسرائيل للسيادة السورية، مديناً محاولات استغلال القوات الإسرائيلية للوضع القائم في سوريا باحتلال مزيد من الأراضي وتقويض أمنها واستقرارها. وإذ طالب إسرائيل بالالتزام باتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974، فقد جدّد موقف مصر الثابت والداعم لضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للجولان السوري.
وبدورها، أعلنت وزارة الاقتصاد السورية أن اللقاء تناول سبل تطوير التعاون الاقتصادي والصناعي والاستثماري بين البلدَين، مع التركيز على توسيع الشراكات الثنائية وفتح آفاق جديدة للتعاون، بما يعزّز المصالح المشتركة ويدعم التكامل الاقتصادي. وأشارت إلى أن وزير الاقتصاد والصناعة السوري أصدر قراراً يقضي بتشكيل «مجلس الأعمال السوري - المصري» كخطوة جديدة على صعيد العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وبحسب القرار، يمثل المجلسَ - من الجانب السوري -، الموكّل بالعمل وفقاً لأحكام «النظام الأساسي» لمجالس الأعمال السورية المشتركة مع دول العالم، كلٌّ من غسان كريم رئيساً، وأحمد راغب آغا نائباً، ومحمد باسل رضون سماقية نائباً، ووائل خير النن مديراً تنفيذياً، إضافة إلى عمار أبو اللبن، وأيمن الحفيري. وتأتي هذه الخطوة بعد نحو أربعة أشهر على زيارة أجراها وفد تجاري مصري إلى العاصمة السورية، جرى خلالها بحث سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتوسيع آفاق التعاون الاستثماري والتجاري، بما يسهم في دعم الشراكات القائمة وفتح مسارات جديدة للتكامل الاقتصادي.
وإذ يُنظر إلى هذه الزيارة على أنها محاولة لكسر الجمود، فإن الحكم النهائي على نتائجها يبقى مرهوناً بالتطورات اللاحقة لها، بما فيها مدى الانفتاح السياسي بين البلدين، وإمكانية عودة العلاقات الأمنية والعسكرية التي كانت متينة في أثناء مدة النظام السابق. والظاهر أن معالجة هذه النقطة تبقى بحاجة إلى وقت طويل جداً، في ظلّ التغييرات الهيكلية الواسعة التي طاولت المنظومتين السوريتَين الأمنية والعسكرية، إلى جانب مخاوف القاهرة المستمرّة من احتواء سوريا شخصيات مطلوبة أو قد تثير المشاكل في المستقبل.

