«صفحة جديدة» مع سوريا: أوروبا تدفع بإعادة اللاجئين
تتجه أوروبا إلى فتح «صفحة جديدة» مع سوريا عبر إعادة تفعيل اتفاقية التعاون ورفع بعض العقوبات. ويأتي هذا في إطار دعم التعافي الاقتصادي في وقت تسعى فيه أوروبا إلى محاولة تسريع عودة اللاجئين السوريين، والتي لم تحقّق بعد الزخم الذي كانت تأمله إثر سقوط النظام.


في إطار مساعيها إلى استثمار التغيير الذي شهدته سوريا بعد سقوط النظام السابق، عقد وزراء خارجية دول «الاتحاد الأوروبي»، إلى جانب وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية السورية أسعد الشيباني، منتدى للحوار في بروكسل، خُصّص لاستكشاف فرص التعاون السياسي والاقتصادي، وبحث سبل التخلّص من عبء اللاجئين السوريين. ويأتي انعقاد هذا المنتدى، الذي التأم أول من أمس، استجابة لمقترح قدّمته «المفوضية الأوروبية» للاستئناف الكامل لاتفاقية التعاون مع سوريا، وذلك بعدما كانت رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، قد أعلنت، في كانون الثاني الماضي، عن إطار جديد للتعاون مع دمشق، يهدف إلى تكثيف الدعم الأوروبي لـ«انتقال سلمي وشامل بقيادة سورية»، وتلبية الاحتياجات الإنسانية والمساهمة في التعافي الاقتصادي.
وبالفعل، شهد المنتدى خطوات أوروبية متقدّمة تجاه دمشق، أبرزها إعادة تفعيل اتفاقية التعاون بين «المجموعة الاقتصادية الأوروبية» وسوريا، المجمّدة جزئياً منذ عام 2011، والتي تعود إلى عام 1977، وتتيح تسهيلات جمركية ومعاملة تفضيلية لبعض الواردات السورية، إضافة إلى تشجيع إقامة أنواع من الاستثمارات. وأعلن «المجلس الأوروبي»، في بيان، اعتماده قراراً يقضي بإنهاء العمل بالقرار رقم 2011/523/EU، الذي فرض تعليقاً جزئياً للاتفاقية؛ الأمر الذي يعني إعادة تفعيلها بالكامل، بما ينسجم مع سياسة بروكسل الهادفة إلى دعم «انتقال سلمي وشامل» في سوريا، وتسهيل عملية التعافي الاجتماعي والاقتصادي. ووفقاً للبيان، فإن القرار «يبعث برسالة سياسية واضحة بشأن التزام الاتحاد الأوروبي بإعادة الانخراط مع سوريا ودعم تعافيها الاقتصادي».
يهدف رفع العقوبات عن وزيرَي الداخلية والدفاع إلى إفساح المجال أمام الانخراط الأوروبي في تأهيل قوى الوزارتين
بالتوازي، أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في «الاتحاد الأوروبي»، كايا كالاس، توصّل وزراء خارجية دول التكتّل إلى اتفاق يقضي برفع العقوبات المفروضة على كلّ من وزيرَي الداخلية والدفاع في الحكومة الانتقالية، أنس خطاب ومرهف أبو قصرة، والتي كانت تطاول أيضاً عدداً من مسؤولي «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً)، على رأسهم الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الذي شُطب اسمه من القائمة في وقت سابق. ويهدف رفع العقوبات عن وزيرَي الداخلية والدفاع إلى إفساح المجال أمام مؤسسات «الاتحاد الأوروبي» للانخراط في «برامج شراكة ودعم وتدريب وتأهيل» لقوى الوزارتين، وذلك ضمن مساعي «مكافحة الإرهاب»، و«إنشاء قوى أمنية توفر بيئة آمنة للاستثمارات ولإعادة اللاجئين السوريين». وفي هذا السياق، أعلنت المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، دوبرافكا شويسا، أن «الاتحاد الأوروبي» يعمل على تنفيذ حزمتَين من الدعم المالي، الأولى بقيمة 175 مليون يورو، والثانية بقيمة 180 مليون خلال العام الجاري، وذلك في إطار دعم جهود إعادة الإعمار وتحقيق التعافي الاقتصادي والخدمي في البلاد. وقالت شويسا، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الشيباني، إن التمويل الأوروبي سيساعد في فتح المجال أمام الاستثمارات العامة والخاصة، وتشجيع المصارف الأوروبية على الانخراط في السوق السورية، في ظلّ مساعي إعادة البناء وتوفير الخدمات اللازمة لتسهيل عودة اللاجئين. كما كشفت عن التحضير لعقد مؤتمر استثماري نهاية العام الحالي، بهدف دعم الاقتصاد السوري وتعزيز فرص إعادة الإعمار وعودة اللاجئين للمشاركة في إعادة بناء البلاد.
وخلال المؤتمر الصحافي المشترك، بدا لافتاً تركيز الشيباني على التأكيد أن «تغيّراً جذرياً» قد حصل في سوريا، إلى جانب تقديم تطمينات غير مباشرة بأن القوانين السورية تنظر إلى السوريين باعتبارهم مواطنين متساوين، ونفي وجود «إشكالات طائفية». غير أن هذه التصريحات تثير تساؤلات في ظلّ استمرار أزمة السويداء المحاصَرة بعد المجازر التي تعرّض لها الدروز هناك، وتواصل جرائم القتل على خلفيات طائفية في وسط البلاد وغربها، فضلاً عن الانتقادات المتزايدة لمسار «العدالة الانتقالية»، الذي يلاحق مرتكبي الجرائم والانتهاكات ممّن كانوا يعملون تحت عباءة النظام السابق، ويتجاهل، بل ويكرّم، نظراءهم ممّن نشطوا في فصائل معارضة.
وفي المحصلة، تسعى أوروبا، عبر هذا الانفتاح، إلى توسيع حضورها في سوريا ومنافسة روسيا في إحدى أبرز ساحات نفوذها في الشرق الأوسط، بالتوازي مع محاولة تسريع عودة اللاجئين السوريين. إلا أن هذه العملية لم تحقّق بعد الزخم الذي كانت بروكسل تأمله إثر سقوط النظام، وذلك رغم حملات التشجيع المستمرّة للاجئين على العودة. ويواجه من يريدون العودة من هؤلاء جملة من المعوقات، بعضها يتعلّق بالدمار الكبير في البنى التحتية، والتهالك الاقتصادي غير المسبوق الذي تعيشه البلاد، وبعضها الآخر متّصل بالهواجس الأمنية، في ظلّ الهشاشة الأمنية التي تعانيها البلاد، وصعود فصائل متشددة إلى مواقع قيادية.
