
الحسكة | أثار قرار الحكومة السورية الانتقالية تحديد سعر شراء القمح في المراكز الحكومية بـ46 ألف ليرة للطن الواحد، أي ما يعادل نحو 330 دولاراً، استياءً شعبياً في المحافظات الزراعية، وخصوصاً في المناطق التي انتقلت خلال الأشهر الماضية من سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» إلى سيطرة تلك الحكومة، مبدّداً الآمال التي كان علّقها السكان على انتعاش اقتصادي يعيد الحياة إلى القطاع الزراعي. وخرجت احتجاجات شعبية في كلّ من الحسكة والرقة ودير الزور، بعد ساعات من صدور القرار الذي أعلنه وزير الاقتصاد والصناعة، نضال الشعار، السبت الماضي، مطالبةً بإعادة النظر في التسعيرة التي لم تترك أيّ هامش ربح للفلاحين، بل حوّلت الموسم الزراعي إلى عبء إضافي عليهم. وتطوّرت الاحتجاجات، في بعض المناطق، إلى إحراق أجزاء من المحاصيل أو تجريفها بالجرافات، وذلك في محاولة للضغط على الحكومة وإيصال رسالة بأن السعر المُحدّد لا يتناسب مع تكاليف الإنتاج وحاجة الفلاحين إلى تعويضهم خسائر مواسم الجفاف السابقة.
ويأتي هذا القرار بعد عام واحد فقط من اعتماد تسعير القمح بالدولار، حين حدّدت الحكومة الموسم الماضي سعر الكيلو بـ32 سنتاً، مع مكافأة تشجيعية بلغت 13 سنتاً، ليصل السعر النهائي للكيلو إلى 45 سنتاً للكيلو. إلّا أن الحكومة عادت، العام الحالي، إلى التسعير بالليرة، في خطوة يربطها البعض بمحاولات الحدّ من اتساع التعامل بالدولار، الذي يُحمَّل جزءاً من مسؤولية انهيار سعر الصرف منذ سقوط النظام السابق. ولعلّ التراجع الإضافي في قيمة العملة المحلية، التي وصلت إلى حدود 14 ألف ليرة للدولار، هو ما زاد من حجم الاعتراضات، خصوصاً أن تحديد التسعيرة بالعملة المحلية يجعل قيمتها الفعلية تتآكل مع كلّ انخفاض جديد في سعر الصرف، على غرار ما حدث في مواسم حصاد سابقة.
وبحسب التقديرات الرسمية، من المُتوقّع أن تنتج سوريا هذا العام نحو 2.3 مليون طن من القمح، نصفها تقريباً في محافظة الحسكة وحدها، التي يُنتظر أن تنتج نحو مليون و100 ألف طن. وفي حين بلغت المساحات المُخطَّطة للزراعة نحو 1.4 مليون هكتار، بينها 640 ألف هكتار مرويّة و830 ألف هكتار «بعل» - أي ما يقارب تلك المُخطَّطة للموسم السابق مع زيادة قدرها 20 ألف هكتار -، وصلت المساحات المزروعة فعلياً إلى نحو 1.2 مليون هكتار - بنسبة تنفيذ قاربت 86% -، من بينها 505 آلاف هكتار مرويّة بنسبة 79%، و763 ألف هكتار «بعل» بنسبة 92%.
من المُتوقّع أن تنتج سوريا هذا العام نحو 2.3 مليون طن من القمح
وفي وقت لا تزال فيه الاحتجاجات الرافضة للتسعيرة الجديدة متواصلة في عدد من المدن الزراعية التي علّق فيها الفلاحون آمالاً على إعادة استثمار أكبر مساحة ممكنة من أراضيهم وإنعاش الزراعة فيها، يقول أبو أحمد، أحد المشاركين في الاحتجاجات، في حديثه إلى «الأخبار»، إن «التسعيرة صادمة للفلاحين الذين كانوا ينتظرون موسماً يعوّضهم خسائر الموسمين الماضيين، ويؤمّن رأسَ مال يساعدهم على متابعة الزراعات الصيفية والشتوية»، محذّراً من أن «استمرار التسعيرة الحالية قد يدفع كثيرين إلى الامتناع عن تسليم محاصيلهم في انتظار تحسّن الأسعار». وبدوره، يبدي إبراهيم المحمد، في حديثه إلى «الأخبار»، استغرابه من «الآلية التي تُتّخذ بها القرارات الحكومية»، مشيراً إلى أن الحكومة «رفعت أسعار المحروقات قبل أيام، لكنها لم تأخذ هذه الزيادة في الاعتبار عند تحديد سعر شراء القمح، رغم أن المحروقات تشكّل أحد أبرز عناصر الكلفة». ويدعو المحمد إلى «الاستعانة بخبراء اقتصاديين قادرين على حماية الاقتصاد الوطني، بدلاً من اتخاذ قرارات تدفع الفلاحين إلى العزوف عن الزراعة».
وكان الفلاحون يعوّلون هذا العام على موسم استثنائي، مدفوع بغزارة الأمطار وانتظامها، وتكرار مواسم الثمانينيات، ولا سيما 1986 الذي يُعدّ من أغزر فترات الإنتاج الزراعي في البلاد، لكنّ هذه التوقّعات سرعان ما تبدّدت مع صدور التسعيرة الحكومية. وفي السياق، يرى عواد إبراهيم أن «الفلاحين السوريين اعتادوا لعقود أن تكون الدولة هي بمثابة الأب والراعي الأساسي لقطاع الزراعة»، معتبراً أن «التخلّي عن ذلك الدور يهدّد الأمن الغذائي، خصوصاً أن انتهاء الحرب يتيح فرصة للعودة إلى الاكتفاء الذاتي من القمح والشعير». ويضيف الرجل، في حديثه إلى «الأخبار»، أن الفلاحين «كانوا ينتظرون دعماً حكومياً لإنعاش موسم زراعة القطن، قبل أن يُفاجأوا بتراجع الدعم حتى لمحصول القمح»، مطالباً بـ«تعديل التسعيرة بما يوفّر هامش ربح مقبولاً يسمح للفلاحين بالاستمرار في زراعة أراضيهم والإسهام في الأمن الغذائي الوطني».
وسبق أن أصدرت فروع «الاتحاد العام للفلاحين» في المحافظات بيانات مندّدة بالتسعيرة، داعيةً إلى تعديلها بما يراعي ارتفاع تكاليف الإنتاج العالية - من بذار وأسمدة وريّ -، فضلاً عن ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود. وفي هذا الإطار، علمت «الأخبار» أن «الاتحاد» اقترح على «الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية» إضافة مكافأة تشجيعية تُراوِح بين 5 و12 سنتاً للكيلو الواحد، تختلف بحسب نوعية القمح وجودته، وبين المرويّ و«البعل». غير أن «الاتحاد» لم يتلقَّ حتى الآن أيّ تأكيد بشأن الاستجابة لهذه المطالب. والجدير ذكره، هنا، أن عدداً من الاقتصاديين المقرّبين من الحكومة برّروا قرار خفض التسعيرة، بأن تكاليف الإنتاج كانت أقلّ في الموسم الحالي بسبب وفرة الأمطار وعدم الحاجة إلى الريّ أو استهلاك كميات كبيرة من الكهرباء والديزل، وأن التسعيرة الحالية تؤمّن هامش ربح يُراوِح بين 25 و35% للفلاحين.

