مرسوم حظر البضائع الإسرائيلية: السلطة تسترضي أهالي الجنوب

دمشق | أصدر الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، مرسوماً جديداً يتعلّق بإعادة هيكلة عمل الجمارك، ويحمل الرقم 109 لعام 2026، حلّ محلّ القانونَين اللذَين يحملان الرقمين 37 و38 لعام 2006 وتعديلاتهما. وأثارت المادة 112 من المرسوم، التي تنصّ على حظر دخول «البضائع الممنوعة لمخالفتها أحكام مقاطعة إسرائيل» إلى المناطق الحرة، تفاعلاً شعبياً واسعاً؛ إذ اعتبره البعض مؤشراً إلى محطّة جديدة في تعامل السلطات مع الملفات الاقتصادية المرتبطة بإسرائيل، على الرغم من الخطاب الدبلوماسي المتمسّك بإبرام «اتفاق أمني» مع الأخيرة، فيما عدّه آخرون محاولة لاسترضاء الأهالي في الجنوب، الذين يتعرّضون لشتّى أنواع الانتهاكات بصورة مُمنهجة.
غير أن قراءة مضمون المرسوم تُظهِر أنه لا يشكّل تحوّلاً تشريعياً بقدر ما يمثّل امتداداً لمنظومة قانونية سورية قائمة منذ عقود، حتى قبل قيام الكيان الإسرائيلي، إذ تعود النواة الأولى لقوانين المقاطعة في سوريا إلى التشريع الرقم 60 لعام 1947 الخاص بـ«مقاطعة البضائع الصهيونية في فلسطين»، الذي دُمج لاحقاً ضمن قانون «منع التعامل مع إسرائيل» - يحمل الرقم 286 لعام 1956 -، ويُعدّ أكثر تشدداً في حظر تداول بضائع العدو. وكان تضمّن قانون عام 1956، في المادة الثالثة منه، بنداً لم يرِد في المرسوم الجديد (109)، يتمثّل في حظر «تصدير البضائع إلى بلادٍ ثبُت أنها تُعيد تصديرها إلى إسرائيل». وفي المقابل، شدّد المرسوم الجديد العقوبات المالية المفروضة على تهريب البضائع الممنوعة، ومن بينها الإسرائيلية، عبر مضاعفة الغرامات وسحب امتيازات الطعن والتسوية المنصوص عليها في القانون السابق الرقم 38 لعام 2006.
يُحتمل قيام قوات الاحتلال بتوزيع ألعاب تحمل رموزاً إسرائيلية على الأطفال في قرى ريف درعا الغربي
ورغم التشدّد القانوني في حظر البضائع الإسرائيلية، تبرز صعوبات جمّة تجعل كشف هذا النوع من السلع أمراً عسيراً، ولا سيما مع اعتماد بعض الشركات على إعادة التعبئة والتغليف في دول وسيطة، بما يسمح بتغيير بيانات المنشأ والرموز الشريطية (الباركود)، لتَدخل الأسواق السورية على أنها مُنتجات أوروبية أو آسيوية أو إقليمية. وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً مع اعتماد إجراءات التحقّق التقليدية لفحص بلد المنشأ من خلال وسم المنشأ الثابت (... Made in)، والذي يُشترط أن يكون محفوراً أو مطبوعاً بشكل غير قابل للإزالة أو التعديل على البضاعة نفسها أو غلافها المباشر، في وقت تتطلّب فيه عمليات الكشف تقنيات تتبّع وفحص رقمي متقدّمة.
ويأتي هذا المرسوم بعدما سُجّلت خلال أيام عيد الفطر، في ريف درعا تحديداً، حالة أثارت قلقاً واسعاً بين الأهالي، متمثّلة بوصول مُنتجات تحمل رموزاً إسرائيلية إلى الأسواق المحلية، إذ انتشرت في الريف ألعاب أطفال على شكل مسدّسات بلاستيكية تحمل كتابات وعلامات مرتبطة بصناعات عسكرية إسرائيلية. وظهرت على بعض الألعاب عبارات من مثل: «Made in Israel» (صُنع في إسرائيل)، و«Israel Military Industries - I.M.I» (الصناعات العسكرية الإسرائيلية)، إضافة إلى اسم «Desert Eagle» (نسر الصحراء)، وهو نموذج معروف من المسدّسات، إلى جانب «Magnum Research Inc. Minneapolis».
وبحسب مصادر أهلية تحدّثت إلى «الأخبار»، فإن بعض هذه الألعاب يُعتقد أنه جرى استيرادها من الصين، حيث تعتمد المصانع هناك على نَسخ التصاميم الأصلية للمُنتجات المطلوبة تجارياً، من دون مراعاة الدلالات السياسية أو الجغرافية للبلد المُصدَّر إليه. وتُظهِر عيّنة من تلك المُنتجات عاينتها «الأخبار»، أن العبوات الخارجية للألعاب تحمل عبارة «Made in China»، فيما يظهر على القطع البلاستيكية نفسها نقش «صُنع في إسرائيل». ويعزّز ذلك فرضية «الاستنساخ البصري» التي تعتمدها بعض المصانع، بحيث تُنسخ المُنتجات بتفاصيلها كافة، بما فيها العلامات والكتابات الأصلية، بينما تكتفي الجهات الرقابية غالباً بفحص الغلاف الخارجي والوثائق الرسمية للبضائع التي تؤكّد أن الأخيرة صينية، من دون فتح كلّ قطعة وفحص الكتابات المحفورة عليها بدقّة.
مع ذلك، لا تُستبعد فرضية دخول هذه الألعاب، أو أيّ بضائع أخرى، عبر المنطقة الحرّة المشتركة مع الأردن قبل إحكام الرقابة عليها، خصوصاً أن هذا النوع من الألعاب متوافر بكثرة في الأسواق الأردنية. أيضاً، تُثير الواقعة احتمال قيام قوات الاحتلال بتوزيع تلك المُنتجات في قرى ريف درعا الغربي التي تشهد توغّلات مستمرة ومحاولات خلق حالة من «التطبيع النفسي» لدى الأهالي تجاه العدو. وكانت بعض أرياف القنيطرة شهدت، بالفعل، توزيع ألعاب وأطعمة للأطفال بهدف خلق «الألفة» وتقليل الحساسية الاجتماعية تجاه الرموز المتّصلة بالاحتلال، والتي لطالما ارتبطت بالحروب والدمار والإبادة.

