خارطة التوسّع جنوباً لا تستقرّ: 32 اعتداءً إسرائيلياً منذ مطلع حزيران

يتصاعد الحضور العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا عبر توغّلات متكرّرة وبناء قواعد دائمة، وسط تسجيل مئات الخروقات و32 عملية خلال أيام قليلة منذ مطلع حزيران. ويأتي هذا بالتزامن مع استكمال أعمال «خط سوفا» العسكري بوتيرة متسارعة.

الأخبار
الخميس 11 حزيران 2026
تعمل إسرائيل على تطبيع وجودها في الجنوب السوري (أ ف ب)
تعمل إسرائيل على تطبيع وجودها في الجنوب السوري (أ ف ب)
الخط

دمشق | حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي يمكن الاستناد إليه لتحديد حجم مساحة الأراضي السورية التي باتت تحتلّها إسرائيل بعد سقوط النظام السابق. ويقف وراء غياب هذا الإعلان تعقيدٌ واضح يعود بالدرجة الأولى إلى طبيعة السيطرة المفروضة؛ إذ لم يعُد الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا يقتصر على التمركز داخل «المنطقة العازلة» التي أنشئت بموجب «اتفاق فضّ الاشتباك» لعام 1974، وألغتها إسرائيل مع انهيار النظام السابق فحسب، بل سرعان ما انتقل إلى نمط التوغّلات العميقة والمنظّمة داخل الجنوب، من دون أن يترتّب على ذلك، حتى اللحظة، أيّ تغيير في الوضع القانوني للمناطق التي تشهد تلك التوغّلات.

وكانت إسرائيل بدأت التوغّل في «العازلة» قبل سقوط النظام بعامَين، حيث قامت بشقّ طريق عسكري يُعرف بـ«سوفا 53» على أطراف بلدة حضر، وصولاً إلى مثلّث الحدود جنوباً مع الأردن وفلسطين. وإذ يتجاوز عمق هذا الطريق في بعض المقاطع كيلومتراً واحداً داخل الأراضي السورية، فقد أدّت أعمال استكماله، المتواصلة بوتيرة متسارعة، إلى تجريف آلاف الدونمات الزراعية واقتلاعها.
ولا يقتصر دور «سوفا 53» على كونه ممرّاً عسكرياً؛ إذ يشكّل العمود الفقري لشبكة القواعد التي استحدثها الاحتلال منذ 19 كانون الأول 2024، والبالغ عددها تسعاً - بالإضافة إلى نقطة مراقبة في تل أحمر شرقي يُتوقّع أن تتحوّل إلى قاعدة مستقبلاً -، كونه يربط في ما بينها على امتداد الشريط الحدودي مع الجولان المحتل، حيث أقيمت أيضاً سواتر وموانع أرضية على الطرق المؤدّية إليها. ويؤشّر ذلك إلى انتقال إسرائيل من سياسة التحرّك الميداني المؤقّت إلى تشييد بنية عسكرية دائمة، تتيح لها فرض نفوذ أمني يمتدّ تأثيره حتى محيط العاصمة دمشق، تحت عنوان «الضرورة الأمنية».

وفي هذا السياق، تشير بيانات منظّمة «أكليد» الأميركية التي تأسّست عام 2005، وتقدّم نفسها على أنها منظّمة مستقلّة وحيادية في رصد النزاعات حول العالم، إلى تسجيل أكثر من 800 نقطة توغّل للقوات الإسرائيلية خارج حدود «العازلة»، أي داخل العمق السوري، وذلك منذ سقوط النظام وحتى منتصف كانون الثاني 2026. وتوزّعت مواقع تلك التوغّلات بين ريف درعا، حيث وصلت القوات الإسرائيلية إلى عمق 63 كيلومتراً داخل حرج الجبيلية، وريف دمشق بعمق 34 كيلومتراً في اتجاه الكسوة، بالإضافة إلى أخرى بلغ مداها 22 كيلومتراً انطلاقاً من مدينة السويداء. وجاء التقدّم الأخير عقب المواجهات التي شهدتها المحافظة بين فصائل درزية وقوات السلطة الانتقالية، في ما يعكس، في جانب منه، سعي الاحتلال إلى فرض حضور أمني متحرّك تحدّده «الحاجة» الإسرائيلية، وهي الحاجة نفسها التي يبدو أن تل أبيب تعمل على تثبيتها في أيّ تفاهمات مستقبلية مع دمشق.

تعمد إسرائيل إلى إحراق المحاصيل الزراعية في قرى الشريط الحدودي بهدف إفقار سكانها


ومنذ بداية الشهر الجاري، شهد النشاط الإسرائيلي في الجنوب السوري تصاعداً ملحوظاً. ووفق رصد أجرته «الأخبار»، نُفّذت خلال الفترة الممتدّة بين الأول والخامس من حزيران، 32 عملية متنوعة، بينها ثمانٍ في درعا، فيما بقيت القنيطرة مركز الثقل الرئيس لتحرّكات العدوّ. ويكشف توزّع هذه العمليات عن اتجاه إسرائيلي إلى توسيع «النشاط» جنوب القنيطرة؛ ففي الثاني من حزيران، توغّلت قوات الاحتلال في بلدة عين زيوان في ريف المحافظة الجنوبي، ونفّذت مداهمات واعتقلت أحد الشبان قبل الإفراج عنه لاحقاً. وفي اليوم نفسه، أعادت تفعيل ما يشبه «الاستبيان الأمني» في شمال المحافظة، وذلك عبر دخولها إلى قرية طرنجة وإجراء عمليات تفتيش ميدانية، شملت تصوير عدد من الأهالي وجمع بياناتهم الشخصية وأرقام هواتفهم.

وبحسب مصدر تحدّث إلى «الأخبار»، فإن إسرائيل تعمل على تطبيع وجودها في الجنوب السوري، وتسعى إلى دفع بعض السكان نحو القبول بالتعامل معها. ويشير المصدر إلى أن العدو يركّز على عائلات محدّدة، مستفيداً أحياناً من وجود معتقلين من أبنائها لديه للضغط عليها وابتزازها. كما تؤكد معلومات «الأخبار» أن بعض عمليات الاعتقال التي تنفّذها قوات الاحتلال ليست سوى غطاء للقاءات مع متعاونين محليين، يكون هدفها الأساسي جمع المعلومات، ولا سيما المتعلّقة بوجود السلاح، حتى وإن كان فردياً.
وفي موازاة ذلك، يبرز بُعد آخر لـ«النشاط» الإسرائيلي يتمثّل في الإفقار الممنهج لأهالي قرى الشريط الحدودي عبر تعمّد إحراق المحاصيل. فإلى جانب تسجيل أكثر من 30 حريقاً في محاصيل القمح جنوباً، ولا سيما في درعا، خلال الأسبوع الماضي - بفعل أسباب غير واضحة أحياناً -، سُجّل في الأول من حزيران احتراق مساحات من حقول القمح في قرية المسراتية في ريف درعا الغربي نتيجة سقوط قذيفة أطلقها جيش الاحتلال.
وتتقاطع هذه الوقائع مع تواصل سياسات إسرائيلية أخرى، قوامها تهديد مقوّمات البقاء نفسه في الجنوب - عبر خلق بيئة طاردة للسكان -، والاستمرار في عملية تغيير الحدود، والتي تؤدّي، في كلّ الأحوال، إلى إضعاف قدرة دمشق على استعادة ما كان قائماً قبل الثامن من كانون الأول 2024، حتى عبر التفاوض.