
دمشق | منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024، وسّع العدو الإسرائيلي نطاق عملياته داخل «المنطقة العازلة» ومحيطها، مستغلّاً الفراغ الأمني لتنفيذ حملات مداهمة واعتقال طاولت عشرات المدنيين السوريين في محافظات القنيطرة ودرعا وريف دمشق. وبحسب مراصد محلية، سُجّلت 223 حالة احتجاز موثّقة على الأقلّ، حتى مطلع حزيران 2026. وفي حين أفرجت قوات الاحتلال لاحقاً عن 171 مُعتقلاً من هؤلاء، لا يزال خلف القضبان 51 سورياً، خمسة منهم تمّ اعتقالهم قبل سقوط النظام، ومن بينهم قاصر مُحتجز في سجن «مجدو».
ويتوزّع المعتقلون على عدد من السجون الإسرائيلية، بينها «مجدو» و«عوفر» و«راكيفيت» و«سديه تيمان»، حيث يُحتجزون تحت تصنيف «مقاتل غير شرعي»، ما يتيح للاحتلال، بموجب هذا البند، تمديد اعتقالهم ستة أشهر إضافية في كلّ مرّة. ويأتي ذلك وسط تعتيم على مصير بعضهم الذين تمّ إدراجهم، في سجلّات الأمم المتحدة، ضمن فئة «المُغيَّبين قسراً». وخلال حزيران الجاري فقط، وثّقت «الأخبار» عشر حالات اعتقال - في جباتا الخشب وأم اللوقس وصيدا الجولان وصيدا الحانوت -، لمدنيين أُفرج عنهم لاحقاً، بعضهم ينتمون إلى العائلة نفسها.
وتُظهِر المتابعة الميدانية أن الاعتقالات تستهدف بصورة متكرّرة رعاة الأغنام والمزارعين، ولا سيما في القنيطرة، كما تطاول أحياناً كثيرة عائلات بعينها، مثلما حدث في بيت جن. وفي عدد من الحالات، تضمّ الأُسر المُستهدَفة بالاعتقال معتقلين سابقين من أبنائها، ما يؤشّر إلى الأهداف الاستخبارية أو النفسية لهذه العمليات، ومن بينها استثمار معاناة الأهالي لدفعهم إلى أشكال من التعاون تحت وطأة التهديد، أو قبول المساعدات بما يفيد في أنسنة التحرّكات العسكرية للعدو.
كذلك، يُلاحظ تكرار اعتقال قوات الاحتلال للأشخاص أنفسهم خلال فترات زمنية قصيرة نسبياً. ووفق توثيق «الأخبار»، تعرّض أحد أبناء بلدة كودنا للاعتقال أربع مرّات، وشخص من طرنجة ثلاث مرّات، فيما اعتُقل أحد أبناء أم اللوقس مرّتين خلال أقلّ من شهر. كذلك، سُجّلت أربع حالات اعتقال طاولت أفراداً من عائلة واحدة في جباتا الخشب. وفي سياق مشابه، اعتُقل شابان في سنّ متقاربة من عائلة واحدة، هما (ع. ك. - 18 عاماً) و(ح. ك. - 19 عاماً). وبدت هذه العملية، بحسب مصدر مُقرّب من الشابَّين، «مدروسة بعناية»؛ إذ رافقها إيذاء مُتعمّد لعائلتَي المعتقلَين، ومصادرة للهواتف الشخصية لأفرادهما.
تشمل الاعتقالات شباناً من خارج القنيطرة فُقِدوا خلال زيارات إليها
تُضاف إلى ما تقدّم، عمليات اعتقال أخرى غير موثّقة في منطقة حوض اليرموك، طاولت إحداها خمسة أشخاص دفعة واحدة. وهي عمليات تمّت في ظروف مشبوهة نسبياً، كونها لم تأتِ في سياق توغّل، كما لم تقع عند نقاط التقاء تشهد عادةً احتكاكاً للسكان مع مصادر خطر محتملة. وتغيب عن سجلّات التوثيق أيضاً، اعتقالات شهدتها بلدة حضر ذات الغالبية الدرزية، واستهدفت أفراداً من عائلة واحدة. ورفض مقرّبون من هؤلاء المعتقلين الإدلاء بأيّ معلومات لـ«الأخبار»، مبرّرين رفضهم الحديث بمخاوف أمنية قد تمسّ مصالح الطائفة نفسها.
ولا تقتصر الاعتقالات على سكان المناطق الحدودية؛ إذ تشمل شباناً فُقِد بعضهم خلال زيارات إلى القنيطرة أو محيطها. ومن بين هؤلاء الشاب ش. ز. من بلدة كناكر، الذي مضى على اعتقاله أكثر من سبعة أشهر، إضافة إلى الشاب ل. ب. المفقود منذ كانون الأول 2025، في ظروف غامضة في محيط قطنا في ريف دمشق الغربي، وذلك أثناء زيارته للبلدة.
وبحسب مصدر أمني مطّلع تحدّث إلى «الأخبار»، فإن جانباً من هذه الاعتقالات يخدم أهدافاً استخبارية مباشرة. ويشير المصدر إلى أن بعض المعتقلين - بينهم حالة رُصدت الشهر الماضي - يُنقلون إلى داخل الأراضي المحتلة، حيث يخضعون لاستجوابات تتركّز على جمع المعلومات أكثر من التحقيق الأمني التقليدي، لافتاً إلى أن هذا ما تسعى إليه قوات الاحتلال أيضاً خلال توغّلاتها، وذلك من خلال مُطالبة الأهالي بالإبلاغ عن أيّ «شخص غريب عن المنطقة» وأيّ «حركة مشبوهة» في نظر العدو، والتهديد بفرض إجراءات عقابية في حال الامتناع عن التعاون معه.

