ستة أشهر على اتفاق الشرع- عبدي: عودة المهجّرين تخرق جمود التنفيذ

الحسكة | بعد نحو ستة أشهر على توقيع اتفاق 29 كانون الثاني بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، والقائد العام لـ«قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) مظلوم عبدي، لا يزال تنفيذ بنوده يمضي ببطء، في ظلّ التعثّر الواضح في مسارات الدمج المؤسّسي والقضائي. على أن هذا التعثّر يقابله تقدّم ملموس في الملفّات الإنسانية؛ إذ أعلن نائب قائد قوى الأمن الداخلي في الحسكة، والقائد العام لـ«الأسايش»، سيامند عفرين، عودة الدفعة الثامنة من العوائل المهجّرة من عفرين إلى منازلها. وضمّت هذه الدفعة «نحو 1700 عائلة ليصبح عدد الأُسر العائدة أكثر من 8500»، بحسب عفرين، الذي أشار أيضاً إلى أن نحو 1300 عائلة بقيت في مناطق النزوح، حيث اختار بعضها الاستقرار في الحسكة، فيما ينتظر آخرون انتهاء الامتحانات العامة قبل العودة.
إلى جانب ذلك، أنهى الطرفان ملفّ الموقوفين؛ إذ أفرجت الحكومة الانتقالية عن عناصر «قسد» الذين أُسروا خلال معارك كانون الثاني الماضي، في حين أطلقت «قسد» سراح عدد من عناصر الحكومة وموقوفين - في السنوات التي سبقت سقوط النظام - من فصائل مسلحة، بما فيها «هيئة تحرير الشام». وكانت «قسد» وضعت ملفَّي عودة المهجّرين وإطلاق سراح الموقوفين (لدى الطرفين) في صدارة الأولويات منذ اللحظة الأولى لتطبيق الاتفاق، مطالبةً بعودة غير مشروطة للنازحين من عفرين ورأس العين، المقيمين في محافظة الحسكة، إلى مناطقهم.
وسبق أن دفعت سيطرة «هيئة تحرير الشام» التي تقود الحكومة السورية الجديدة على مدينة حلب وأريافها، في كانون الأول 2024 - قبل توقيع الاتفاق -، عشرات آلاف النازحين من عفرين، المقيمين في مدينة حلب وبلدة تل رفعت، إلى النزوح مجدداً نحو مناطق سيطرة «قسد» في الحسكة والرقة. وقدّرت مصادر محلية عددهم آنذاك بنحو 200 ألف شخص، فرّوا خشية تكرار عمليات انتقامية بحقّهم على غرار تلك التي رافقت سيطرة فصائل عملية «غصن الزيتون» على عفرين عام 2018، وأدّت إلى نزوحهم إلى مدينة حلب وأريافها الشمالية.
ومع تشكيل لجنة رئاسية لمتابعة تنفيذ الاتفاق، في الأسابيع الأولى من سريانه، شهد ملفّا النازحين والموقوفين تقدّماً ملحوظاً بالفعل، وإن اصطدما بعقبات لوجستية وأمنية حالت دون إنجازهما بالسرعة المطلوبة. وممّا أسهم في تسيير أولى رحلات عودة النازحين، في شباط الماضي، الضغوط التي مارستها الحكومة الانتقالية على الفصائل المسلّحة المنتشرة في عفرين لإخلاء المنازل التي تعود ملكيّتها إلى سكان المدينة الأصليين؛ وهو ما أنجح إعادة العائلات التي ضمّتها هذه الدفعة إلى منازلها الأصلية واستقرارها في المدينة، وشجّع بقية النازحين على العودة التدريجية.
أكثر من 15 ألف عائلة مهجّرة تبدي استعدادها للعودة إلى رأس العين
ومع ذلك، تشير مصادر كردية، في حديثها إلى «الأخبار»، إلى أن «عودة أهالي عفرين لا تزال قيد التجربة، في ظلّ تسجيل بعض المضايقات التي تعرّض لها الأهالي العائدون». وتضيف المصادر أن «عدداً من العائلات التي عادت من الحسكة والقامشلي إلى عفرين فضّلت لاحقاً العودة إلى مناطق النزوح، نتيجة صعوبة التأقلم مع الواقع الأمني القائم ولا سيما في ظلّ استمرار نفوذ بعض الفصائل المسلحة هناك». وبحسب المصادر نفسها، فإن «ثمّة تعهّدات حكومية تلقّتها "قسد" بإنهاء هذه المضايقات وضمان سير الحياة الطبيعية وفرض الأمان في المنطقة، وذلك لتشجيع العائلات على العودة مجدداً إلى مناطقها، وتبديد مخاوفها من التعرّض لانتهاكات في المنطقة». كذلك، تكشف المصادر عن وعود بضمّ نحو 500 عنصر من أبناء عفرين العاملين في «الأسايش» إلى الأجهزة الأمنية الحكومية، وتكليفهم بمهام حفظ الأمن في المدينة وقراها.
أمّا على صعيد مهجّري رأس العين - المقيمين في الحسكة ومخيمَي «الطلائع» (سري كانيه) و«التوينة» (واشوكاني) اللذين يقعان غرب المدينة -، فقد بدأت كلّ من الحكومة الانتقالية و«قسد» باتخاذ تدابير لإعادة هؤلاء. وفي هذا الإطار، زار قائد الأمن الداخلي في الحسكة، العميد مروان العلي ونائبه العميد محمود خليل (سيامند عفرين)، الأسبوع الماضي، مدينة رأس العين، حيث عقدا اجتماعات تحضيرية للبدء في تسيير أولى قوافل العودة إلى المدينة وأريافها، المتوقَّعة قبل نهاية العام الجاري.
وإذ تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 15 ألف عائلة تبدي استعدادها للعودة بعد تهجيرها إبّان عملية «نبع السلام» التركية عام 2019، تؤكد مصادر كردية، في حديثها إلى «الأخبار»، أن هذا الملف لا يزال يصطدم بعقبات ميدانية، أبرزها استمرار استيلاء بعض عناصر الفصائل المسلّحة على منازل المهجّرين ورفضهم إخلاءها، بالإضافة إلى مطالبة عوائل من حي غويران في الحسكة بالعودة الآمنة إلى منازلها، وهو «أمر جارٍ العمل على حله».
وترى المصادر أن عودة مهجّري رأس العين تُعدّ إحدى أبرز المحطّات المطلوبة لاستكمال مسار دمج «قسد» و«الإدارة الذاتية» ضمن مؤسّسات الدولة، مشيرة، في الوقت نفسه، إلى أن التباطؤ المسجَّل حالياً «يعكس محاولة متبادلة لبناء الثقة التدريجية بعد سنوات طويلة من الحرب والخصومة». وبحسب المصادر نفسها، فإن «نجاح عودة مهجّري رأس العين، إلى جانب معالجة ملفات مشابهة في تل أبيض والرقة، سيكون عاملاً حاسماً في دفع عملية الاندماج إلى الأمام».
وبالعودة إلى ملف السجون، أكّدت المصادر أن هذا الملف «لم يُقفل نهائياً بعد، رغم الإعلان الحكومي عن إنجازه»، مشيرة إلى «استمرار الخلاف حول عدد من الموقوفين الذين تقول الحكومة الانتقالية إنهم يواجهون قضايا جنائية، وهو أمر تتمّ دراسته بهدف إيجاد مخارج مناسبة له».

