
دمشق | يشهد الجنوب السوري تصعيداً إسرائيلياً مستمرّاً، يتمظهر في تحركات عسكرية متكرّرة ومتنوّعة، تجمع بين التوغل العسكري المحدود، وإقامة نقاط التفتيش، والاقتحامات المفاجِئة لمنازل المدنيين. وخلال الأسبوع الماضي وحده، شهدت المنطقة نحو 60 اعتداءً، شملت، أولاً، التوغلات البرية، ومن ثمّ نقاط التفتيش، جنباً إلى جنب عمليات الاعتقال المؤقّت التي زادت مع منتصف حزيران الجاري، لا سيما في الريف الجنوبي لمحافظة القنيطرة.
وبرغم أن القنيطرة تعدّ «بؤرة» لتلك التحرّكات، فقد سُجّل، أخيراً، في درعا، «نشاط» أكثر تقدّماً، يجمع بين الاستطلاع العسكري للتلال، وإدارة الحركة المدنية، وذلك بعدما زادت قوات الاحتلال من توغلاتها التي تهدف إلى الضغط على السكان المحليّين، ولا سيما المزارعين خلال مواسم الحصاد. وتوغّلت، أخيراً، دورية عسكرية في ريف درعا الغربي، ونصبت حاجزاً قرب بئر الغبيطي على طريق كويا، قبل أن تنسحب نحو قرية معرية، التي تشهد، بدورها، توغلات شبه دورية. ورصدت «الأخبار» ارتفاعاً في وتيرة تلك التوغلات، التي تسهم في فرض واقع أمني واقتصادي خانق، لا سيما عقب تعطيل بئر المياه التي تغذّي القرية، ومنع المزراعين من الوصول إلى محاصيلهم التي باتت تقع، بحكم قُربها من نقاط عسكرية إسرائيلية، ضمن مناطق «محظورة». وتؤدي هذه الممارسات إلى تعطيل حركة المزارعين ورعاة الأغنام، وتُعرِّضهم، في بعض الأحيان، للاعتقال. كذلك، برزت محاولات لاستمالة الأهالي عبر عروض خدماتية، من مثل إصلاح الآبار، واستغلال أوقات السماح بالرعي وتفقّد المناحل في حوض اليرموك.
بالتوازي، ظهرت نزعة إسرائيلية «مستجدّة»، متمثّلة في العودة إلى استطلاع التلال التي سبق وأن توغل فيها الاحتلال خلال الأيام القليلة التي أعقبت سقوط النظام السابق. وفي السياق، شهدت «تلّة المُغَر» في حوض اليرموك في درعا، توغلاً عسكرياً وإطلاق قنابل دخانية، فيما سُجّل في «تلّة أبو قبيس» في القنيطرة توغّل بدبابتين استمرّ لـ12 ساعة، وذلك قبل انسحابهما نحو تلّة «أحمر غربي»، التي تعتبر نقطة عسكرية متقدّمة، يسعى العدو إلى ربطها ببقية التلال الحاكمة، بهدف تشكيل طوق عسكري حول المحافظة.
وبصورة أعمّ، يبدو أن المخطط الإسرائيلي يستهدف ترسيخ قواعد اشتباك جديدة، تحول دون بناء قوة عسكرية موازية ومضادّة للعدو -رغم التبدّل الجذري في الواقع السوري عمّا كان عليه الحال قبل سقوط النظام-، وذلك في ترجمة لاستراتيجية «منع التمكين». ويتجلّى جانب من هذا التوجّه في الإصرار الإسرائيلي على تغيير المزايا الطبوغرافية للمنطقة العازلة، بما يضمن سعةً أعلى لتحرّكات الاحتلال، التي لا يمكن أيضاً فصلها عن الرغبة في التأثير على أيّ تفاوض محتمل بين دمشق وتل أبيب.
بدأ العدو الإسرائيلي في ملاحقة الإعلاميين العاملين في الجنوب ومداهمة منازلهم
وفي إطار التحركات نفسها الهادفة إلى تغيير الواقع، عمدت آليات إسرائيلية، الأربعاء، إلى تسليك الأراضي وتجريفها، وذلك بهدف إقامة طرق بمحاذاة السلك الفاصل بين الجولان المحتل والمنطقة العازلة، وتحديداً من جهة غرب بلدة الرفيد التي شهدت، أخيراً، حركة عسكرية مكثفة. وكانت قوات «اليوندوف» تستخدم الطريق المشار إليه في إطار مهام مراقبة «المنطقة العازلة» سابقاً. وبحسب معطيات «الأخبار»، فإن قوات الاحتلال، تعمد خلال توغلاتها الأخيرة، إلى مضاعفة قلق الأهالي، عبر الترويج -على لسان جنودها- لنيّتها تثبيت وجود عسكري دائم، والسعي لزرع نقاط رصد وتنصُّت في عمق القرى المحاذية للحدود.
وانسحبت الممارسات الإسرائيلية المستجدّة على مجال الرقابة الأمنية، حيث انتقل العدو إلى ملاحقة الإعلاميين العاملين في الجنوب ومداهمة منازلهم. وإذ يتمثّل الهدف الحقيقي من ملاحقتهم في محاولة «تغييب» الحقيقة بشكل ممنهج، يتذرّع الاحتلال بأن استهدافهم يأتي في سياق توغّل «وظيفي»، يستهدف، على جري العادة، المدنيين. وبحسب ما اطّلعت عليه «الأخبار» من عمل مراصد محلية سورية، وقعت 4 استهدافات في حق إعلاميين ومراسلين محلّيين، كان أحدثها، توغّل في منزل صحافي عامل في مديرية إعلام القنيطرة قبل أيام، حيث قامت دورية للعدو باستجوابه قرابة الـ20 دقيقة، فيما تمحورت الأسئلة حول طبيعة عمله الإعلامي ووضعه العائلي، وذلك قبل منعه من تصوير الدوريات المتوغلة. وكان السيناريو نفسه قد تكرّر مع إعلامي آخر، توغّل العدو في منزله وفتّش جهازه، واستفسر عن وجود طائرة «درون» تصويرية فيه، طالباً منه عدم استخدامها. وفي الإطار نفسه، يفيد مصدر أهلي تحدّث إلى «الأخبار»، بأن قوات الاحتلال طلبت من الأهالي منع أيّ فرد من تصوير الدوريات والإبلاغ عنها، مهدّدةً بـ«عقوبات» في حال عدم الالتزام، في ما يبدو محاولة لتطبيع الألم الناتج من توغلاتها في الجنوب.
وتقترن المساعي الإسرائيلية هذه بـ«تقصير» إعلامي إزاء ما يجري في جنوب سوريا، حيث تركّز التغطيات على حركة العدو، كخبر في شريط عاجل، وتُغفل، أحياناً، الأبعاد الاجتماعية والأمنية الكامنة خلفها، وهو ما يرى فيه الأهالي «تطبيعاً مع أوجاعهم». كذلك، تركّز الأنباء، بشكل يبدو مستقصداً، على القنيطرة ودرعا، كمركز رئيس لحركة العدو في الأراضي السورية. ورغم صحة ما تقدّم، فإنّ الوقائع تظهر، أيضاً، حراكاً مماثلاً، ربما لا يقلّ خطورة، في قرى جبل الشيخ، التي يستغلّ الاحتلال وجود المكوّن الدرزي فيها لتطبيع حركته وتأمينها، خصوصاً بعد مجازر السويداء عام 2025، وتصدير خطاب «حماية الأقليات»، جنباً إلى جنب الدفع بمشاريع صحية وإنسانية.
وفي هذا الإطار، يدور حديث عن مطالبة شيوخ دروز لضباط في جيش العدو بالمساهمة في إنشاء مستشفى في بلدة جندل. ورغم غياب المعلومات الكافية حول حجم المشاركة الإسرائيلية في ذلك المشروع حتى اللحظة، أُقيم فعلاً في البلدة مبنىً مؤلّف من أربعة طوابق، تم تجهيز واحد منها لتقديم خدمات طبية لقرى الجبل؛ علماً أن إسرائيل، كانت قد أنشأت، في وقت سابق، مستشفى متكاملاً في بلدة حضر، بالإضافة إلى نقطة طبية ميدانية في البلدة نفسها، ونقطة اتصال دخلت الخدمة ربيع 2025.
:

