إسرائيل في سوريا: «يد مطلَقة»... بمباركة أميركا
يكرّس قصف مطار أبو الظهور معادلة إسرائيلية تقوم على إبقاء سوريا مكشوفة عسكرياً، مع استمرار الاعتداءات وتوسيع هامش التدخل تحت غطاء منع بناء أي قوة جديدة. ويستفيد هذا النهج من تراجع الدور الأميركي ورهان دمشق على اتفاق أمني لم ينجح في كبح تل أبيب.


لم يكن استهداف إسرائيل الأخير لمطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب شمالي سوريا، سوى انعكاس للسياسة الإسرائيلية تجاه دمشق منذ ما بعد سقوط النظام السابق، وجزء من استراتيجية تل أبيب الإقليمية في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر. ورغم رهانات النظام السوري الجديد على عقد صفقة أمنية مع إسرائيل برعاية أميركية، تكفّ يد الأخيرة عنه بما يتيح له تثبيت أقدامه في حُكم الشام، إلا أن الأسباب التي تجعل تل أبيب تتهرّب من مثل هكذا اتفاق، كثيرة وواسعة، بينما تنحسر أسباب إبرام صفقة لديها، حالياً، بمحاولة إرضاء الرئيس دونالد ترامب وبعض أفراد إدارته الساعين إلى تسجيل «إنجازات» كيفما اتفق.
في حرب غزّة، اكتشفت إسرائيل أن حال الهدوء النسبي بينها وبين حركة «حماس» التي سبقت 7 أكتوبر، استفادت منها الحركة لتنظيم قواتها وجمع الأسلحة والمعلومات عن الداخل الإسرائيلي عبر شبكة واسعة من العمال الفلسطينيين وحمَلة الجنسية الإسرائيلية من فلسطينيي الداخل. كما استغلّتها في تنفيذ عملية خداع استراتيجي، بالإيحاء بالجنوح نحو العمل السياسي والإداري، بينما كان على الأرض يتمّ التحضير لهجوم عسكري ضخم لاقتحام المستوطنات في «غلاف غزّة» ومحاولة الوصول إلى أعماق الضفة الغربية.
اليوم، تتذرّع إسرائيل بأن منح النظام السوري الجديد الوقت ليستقر ويقوّي حكمه وعلاقاته الإقليمية والدولية ويوسّع شبكة مصالحه، سيكون مغامرة تشبه مدة الهدوء مع حركة «حماس». وتقوّي هذه الذرائع الإسرائيلية، الأعمال الدعائية التي تقوم بها بعض المجموعات العسكرية التابعة للحكومة الجديدة، من مثل إطلاق الهتافات المؤيدة لغزّة أو تهديد اليهود، في حين تستغلّ إسرائيل العناصر الداخلية وتصاعد موجات العداء الطائفي وأعمال العنف المستمرة التي تمارسها الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للحكومة الانتقالية وبعض الجماعات البدوية المرتبطة بها بحق السوريين، على أسس طائفية وإثنية ومناطقية، وعدم وجود حكومة منتخبة ذات شرعية قانونية، بالإضافة إلى الخلفية «الجهادية» التي ينحدر منها قادة النظام الجديد، لمواصلة سياساتها العدوانية.
ولعلّ أكثر ما يساعد إسرائيل، هو التخبّط الأميركي بين ما وعد به ترامب جمهوره، وما أعلنه في وثيقة الأمن القومي الأخيرة من نية بلاده إهمال الشرق الأوسط، وما يردّده مبعوثه الخاص وسفير بلاده في تركيا، توم برّاك، عن «ترك المنطقة لأهلها لإدارتها»، وبين متطلّبات حرب إيران والتغيرات الدولية وحاجة الولايات المتحدة إلى إبقاء وجودها في المنطقة دفاعاً عن مصالحها بشكل مباشر. إذ إن اعتماد نظريّة برّاك، وتراجع الاهتمام الأميركي بالتفاصيل في سوريا لصالح التركيز على المعركة مع إيران، يعطيان إسرائيل ذريعة لتكون «حرّة ومطلقة» في تحرّكاتها لـ«ضمان أمنها بنفسها». وعلى هذا الأساس، تتخذ تل أبيب إجراءاتها الأمنية والعسكرية بصورة تلقائية، بما يشمل مهاجمتها إيران مباشرةً كما حصل في حرب الـ12 يوماً، وما تقوم به بشكل يومي من استيلاء على الأراضي في جنوب لبنان والضفة الغربية وسوريا وغزة، وتهجير لمئات الآلاف من السكان، وتدمير للبنى التحتية، وتغيير لمعالم المناطق وهويتها بذريعة تشكيل مناطق عازلة لتحقيق الأمن.
ونظريّة برّاك فعليّاً، هي المسؤولة عن جزء من التجاذب الإسرائيلي ـ التركي في سوريا أيضاً؛ إذ إنها تسمح لتركيا بتوسيع هامش دورها الإقليمي، تماماً كما تعطي الهامش لإسرائيل. وكانت أتت زيارة ترامب إلى أنقرة خلال قمّة حلف «الناتو»، والدعم الإعلامي الذي قدّمه للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، في خلالها، لتعطي تركيا دفعاً إضافياً في محاولة وراثة الدور الأميركي في الإقليم، وتعبئة الفراغ الذي يتركه التراجع الإيراني، وتعزيز التحالفات مع السعودية وباكستان، والتوسّع في سوريا. وفيما يقتصر الدعم التركي للجيش السوري الجديد، على التدريب والإدارة وتقديم بعض المكونات العسكرية «غير القاتلة»، تنصبّ محاولات الأتراك على الاستفادة من القواعد الجوية السورية السابقة سواءً من المدارج أو لنقْل منظومات رادار ودفاع جوي. وهذا بالضبط ما حصل في «أبو الظهور» الذي تعرّض للقصف بسبب جولة عسكرية لمستشارين أتراك، وما حصل أيضاً العام الماضي عندما استطلع الأتراك مطار حماه العسكري، لتردّ إسرائيل على ذلك سريعاً بقصف المطار.
وتستفيد إسرائيل في بناء سرديتها حول التهديد التركي في سوريا، من الخطابات والتصريحات التي يدلي بها بعض المسؤولين والشخصيات التركية والتي تتضمّن وعيداً للكيان، وهيمنة التركمان والمخابرات التركية على جزء كبير من مفاصل الجيش السوري الجديد، ومحاولات الجيش التركي التموضع في سوريا. ليس هذا فحسب، بل يبدو رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أكثر المستفيدين من الاشتباك الكلامي مع الأتراك، ومن اتخاذ إسرائيل خطوات عملية على الأرض ضدّ الوجود التركي في سوريا، وهو يتقاطع في ذلك مع استراتيجية جيش الاحتلال الجديدة في إزالة التهديدات والعوائق قبل تكوّنها.
ولعلّ أكثر ما يساعد إسرائيل على استكمال استراتيجيتها للهيمنة على سوريا والتعامل معها كغنيمة استراتيجية (انظر: الأخبار: «خطّ جنوب تدمر»: إسرائيل توسّع حدود الهيمنة ـ عدد الخميس 20 آب 2026)، هي السياسة التي يتّبعها النظام الجديد، في ظلّ فقدانه لأيّ أوراق قوّة كان يحتفظ ببعضها النظام السابق حتى قبل سقوطه بأيام. فالإدارة الحالية تقدّم نفسها بصفتها طامحةً إلى اتفاق أمني بأيّ شكلٍ من الأشكال مع إسرائيل، معلنةً رغبتها في «السلام» من دون ربطه بأيّ من الثوابت السابقة، لا سيما قيام دولة فلسطينية على حدود 1967 -وهو ما يتمسّك به السعوديون مثلاً-. وكان النظام فقد ورقة التمسك بالجولان المحتل واستعادة كامل الأرض السورية -في ظلّ تبنّي ترامب المطلق «للسيادة الإسرائيلية» عليه-، وسلّم مبكراً بورقة العداء السوري - الإسرائيلي، مشجّعاً التطبيع الشعبي، وملتزماً بسحب السلاح من الجنوب وفتح أبواب دمشق أمام دخول اليهود السوريين وغير السوريين، لا سيّما حملة الجنسية الإسرائيلية، فضلاً عن طرده فصائل المقاومة الفلسطينية، وإعلانه العداء لـ«حزب الله»، وقطعه طريق إمداده بالأسلحة، وتضييقه الخناق عليه أمنياً.
وعلى سبيل المثال، ردّ النظام الجديد على ضربة أبو الظهور بلقاء مباشر بين وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ومدير «الموساد»، رومان غوفمان، برعاية برّاك، وذلك بعد اتصالات متبادلة سبقت الضربة بأيام، وفق ما كشفه مراسل «أكسيوس»، الصحافي الإسرائيلي باراك دافيد، وهو ما أعطى اللقاء بعداً أمنياً، رغم تطلّع النظام الجديد إلى لقاء سياسي. ومما كُشِف عن اجتماع الأردن، فإن إسرائيل أوصلت رسائل واضحة إلى النظام السوري والأتراك بأنها ستتحرك عسكرياً كلّما رأت أن هناك حاجة وضرورة، وستوسّع المنطقة العازلة إلى أبعد من أربعين كلم، وأن ضربة «أبو الظهور» لن تكون الأخيرة. وفي المقابل، أعلن الشيباني أنه «اتفقنا مع إسرائيل على كلّ شيء على الورق». وبحسب الإعلام العبري، كان سبق الضربة إبلاغُ إسرائيل، الولايات المتحدة، نيتها استئناف الغارات في سوريا، وأن ترامب رفض ذلك. لكن ورغم رفضه، شنّت إسرائيل الغارات على «أبو الظهور» غير آبهة بموقفه، وهو ما يجعل تعويل النظام السوري الجديد على الإدارة الأميركية الحالية لتغيير مسار الأمور مضيعة للوقت، وما يعني أيضاً أن إسرائيل ستستغلّ ابتعاد الولايات المتحدة لتسديد ضربات أقوى إلى سوريا في المستقبل، من دون أن يجد الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، ترامب جاهزاً لمنحه الحماية الفعلية، مثلما منحه العطر سابقاً.
