أميركا تكافئ «الانفتاح» على إسرائيل: سوريا دولة (غير) راعية للإرهاب

شطبت الولايات المتحدة، أخيراً، اسم سوريا من قائمة «الدول الراعية للإرهاب»، بعد نحو 47 عاماً على إدراجها فيها، والذي جاء إثر اتهام واشنطن، دمشق، بدعم «جماعات صنّفتها الولايات المتحدة منظّمات إرهابية، ولا سيما في لبنان وفلسطين»، في إشارة إلى قوى المقاومة. كذلك، شطبت واشنطن «جبهة النصرة» من قائمة الإرهاب، ورفعت هذا التصنيف عن معظم شخصيات الجماعة التي شكّلت لاحقاً «هيئة تحرير الشام»، وأصبحت تقود سوريا خلال مرحلتها الانتقالية بعد سقوط النظام السابق.
وجاء القرار، الذي يمكن اعتباره خطوة أخيرة على طريق إلغاء العقوبات الأميركية التي كانت مفروضة على سوريا، في سياق الدعم الأميركي المعلن للسلطات الانتقالية، التي تحاول الولايات المتحدة تقديمها باعتبارها «نموذجاً» للدول التي تنضوي تحت جناحها. وبينما رُبطت سابقاً هذه الخطوة، التي مهّد لها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في تموز الماضي -على هامش القمة السادسة والثلاثين لـ«حلف شمال الأطلسي» (الناتو) في أنقرة-، بإعلانه بدء عملية رفع اسم سوريا من القائمة المشار إليها، بانخراط السلطات الانتقالية بصورة أكبر في الملف اللبناني، خصوصاً بعد إعراب ترامب عن رغبته في الزجّ بدمشق في مواجهة «حزب الله»، بدا القرار -أقلّه حتى الآن- منفصلاً تماماً عن المسار اللبناني.
بدلاً من ذلك، ظهرت الخطوة مرتبطةً بصورة أكبر بالسياق الإسرائيلي؛ إذ هي أُعلنت بعيد اجتماع ضمّ وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ومدير جهاز «الموساد» الإسرائيلي رومان غوفمان، وتمّ خلاله الاتفاق على إنشاء غرفة عمليات سورية - إسرائيلية برعاية أميركية، وذلك في سياق المفاوضات الجارية للوصول إلى اتفاق أمني يفتح الباب أمام تطبيع العلاقات.
وبينما شكّل تصنيف سوريا «دولة راعية للإرهاب» سابقاً، الأرضية القانونية لسلسلة طويلة من العقوبات التي فُرضت تباعاً عليها، وأدّت إلى خنق البلاد اقتصادياً وإبعاد المستثمرين عنها، من شأن إلغاء التصنيف، باعتباره آخر عقبة أميركية، أن يفتح الباب -نظرياً- أمام المستثمرين، ولا سيما أن الإدارة الأميركية كانت قد رفعت بالفعل عدداً كبيراً من العقوبات المفروضة على دمشق، بما فيها عقوبات قانون «قيصر»، التي كانت تُعدّ الأشد.
مع ذلك، لن تظهر آثار القرار فوراً؛ إذ احتاج السودان، على سبيل المثال، إلى نحو ثلاثة أشهر لبدء لمس آثار قرار مماثل صدر لصالحه، على بعض المستويات، ولا سيما استعادة التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، بينما بقيت قطاعات أخرى، مثل البنوك والإقراض، متردّدة في التعامل مع الخرطوم. ثمّ جاء انقلاب تشرين الأول 2021 ليعطّل قسماً كبيراً من هذه المكاسب، قبل أن تندلع حرب جديدة في البلاد عام 2023.
رفع القيود الأميركية لا يعني بالضرورة تدفّق الاستثمارات أو بدء التعافي بصورة فورية
وبالتوازي مع شطبها سوريا من قائمة «الدول الراعية للإرهاب»، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية إلغاء تصنيف «جبهة النصرة»، المعروفة أيضاً باسم «هيئة تحرير الشام»، تنظيماً «إرهابياً عالمياً مصنفاً بشكل خاص» (SDGT)، وحذفها من قائمة الأشخاص والكيانات المحظورة (SDN)، مع إبقاء بعض الشخصيات التي كانت تنتمي إلى الجماعة على قوائم الإرهاب. وفي وقت تضمّن فيه القرار الأميركي شطب أسماء شخصيات «جهادية» عديدة من القائمة -بينها الداعية السعودي عبد الله المحيسني، وجهاد عيسى الشيخ المعروف باسم «أبو زكور»، والكويتيان شافي سلطان العجمي وحجاج فهد العجمي، والسعودي عبد المحسن عبد الله الشارخ-، لم يشمل الإلغاء أسماء «جهادية» أخرى، من مثل جمال حسين زينية، المعروف باسم «أبو مالك التلي»، الذي شغل منصب أمير «جبهة النصرة» في القلمون. وبموجب التحديث الجديد أيضاً، حذفت الخزانة الأميركية من سجل زينية ارتباطه بـ«جبهة النصرة»، لكنها أبقت اسمه مدرجاً على «قوائم الإرهاب» بسبب ارتباطه بتنظيم «حراس الدين».
كذلك، أبقت الخزانة الأميركية اسم القطري سعد بن سعد محمد شريان الكعبي على قوائم العقوبات، فيما عدّل «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية» الأميركي سجلّه بحذف صلته بـ«جبهة النصرة» وربطه مباشرة بتنظيم «القاعدة». وشمل التحديث أيضاً، الكويتي عبد الله هادي عبد الرحمن فيحان شربان العنزي، المعروف باسم «أبو الزبير الكويتي»؛ إذ كان سجلّه يربطه بكلّ من تنظيمَي «القاعدة» و«جبهة النصرة»، قبل أن تحذف الخزانة ارتباطه بـ«النصرة» وتُبقي اتصاله بتنظيم «القاعدة»، وهو ما يعني استمرار العقوبات المفروضة عليه.
إلى جانب ذلك، بدا لافتاً تزامن إعلان «قسد» حلّ نفسها و«الإدارة الذاتية» التابعة لها، مع الإجراء الأميركي. ويمنح هذا التزامن قرار واشنطن أبعاداً أكبر على أرض الواقع، حيث أصبحت سيطرة السلطات الانتقالية مركزية، وتشمل معظم الأراضي السورية، باستثناء السويداء التي باتت مرتبطة بالعامل الإسرائيلي. وفي حين تحاول دمشق تحريك ملف المحافظة الجنوبية لمصلحتها، تعمل تل أبيب على رسم خطوط نفوذها بالقوة العسكرية، سواء عبر زيارات مسؤوليها إلى الأراضي السورية المحتلة، أو عبر تنفيذ اعتداءات واغتيالات بين وقت وآخر، في ظلّ غياب أيّ دفاعات جوية سورية ورفض إسرائيل المعلن إعادة بناء هذه الدفاعات مستقبلاً.
وبذلك، تكون واشنطن قد أغلقت آخر صفحات العزلة القانونية التي فرضتها على سوريا طوال عقود، وفتحت أمام السلطات الانتقالية طريقاً أوسع للاندماج في النظامَين المالي والسياسي الدوليين. غير أن رفع القيود الأميركية لا يعني بالضرورة تدفّق الاستثمارات أو بدء التعافي بصورة فورية؛ إذ يبقى ذلك مرتبطاً بقدرة السلطات على توفير الاستقرار السياسي والأمني، وبناء مؤسّسات تحظى بالثقة، ومعالجة الانقسامات الداخلية. وفي المقابل، يكشف توقيت القرار أن التحوّل الأميركي لا ينفصل عن إعادة رسم موقع سوريا الإقليمي، ولا سيما علاقتها بإسرائيل وتركيا ولبنان، وهو ما يجعل شطبها من قائمة الإرهاب نهايةً لمرحلة العقوبات، لكنه، في الوقت نفسه، بداية لمرحلة جديدة من الالتزامات السياسية والأمنية التي تنتظر واشنطن من دمشق تنفيذها.

