بين الهجري وسلطة دمشق... السويداء متروكة لقدَرها

تتفاقم أزمة السويداء مع اتساع الفجوة بين الشيخ حكمت الهجري ودمشق. وبين رهانات الهجري على إسرائيل ورهان السلطة على التفاهمات الأمنية، تبدو المحافظة متروكة لقدرها، فيما يدفع السكان ثمن الانهيار المعيشي والأمني وغياب أيّ تسوية تُنهي عزلتهم.

فراس الشوفي
فراس الشوفي
الخميس 27 آب 2026
تركّز وسائل الإعلام الحكومية السورية والعربية على تظهير مواقف الهجري واختصار السويداء بها (أ ف ب)
تركّز وسائل الإعلام الحكومية السورية والعربية على تظهير مواقف الهجري واختصار السويداء بها (أ ف ب)
الخط


أحدثت تصريحات الشيخ حكمت الهجري، قبل يومَين، والتي اعتبر فيها «الدروز جزءاً من إسرائيل»، موجةً من الاستياء بين أبناء محافظة السويداء خصوصاً، والدروز في سوريا ولبنان عموماً. ومع أن هذه ليست المرّة الأولى التي يطلق فيها الهجري تصريحات من هذا النوع، لا سيّما بعد المجازر التي ارتكبتها القوات الحكومية وغير الحكومية التابعة للرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، في المحافظة الجنوبية، إلا أن موقفه الأحدث يأتي في ظلّ حال التململ الكبيرة التي تسود السويداء، والعائدة إلى تردّي الأوضاع المعيشية وغياب الأفق السياسي، والممارسات التي ترتكبها المجموعات المسلّحة التابعة له بحق الأهالي.
وبدت تصريحات الهجري أقرب إلى المزايدة والتملّق الزائد إلى إسرائيل وتزوير تاريخ الدروز -حين ادّعى وجود ارتباط عقائدي بين الموحّدين وتل أبيب- منها إلى الموقف السياسي؛ خصوصاً أنها أتت عشية إعلان قائد «قسد»، مظلوم عبدي، حلّ قواته، وبالتزامن مع رفع اسم سوريا من القائمة الأميركية لـ«الدول الداعمة للإرهاب». ويبدو أن الهجري استشعر، في ضوء التطوّرَين المشار إليهما، حاجته إلى شدّ عصب مؤيّديه، في مقابل ما سوّقته الحكومة الانتقالية من «انتصارات» سياسية تعزّز موقفها الدولي والمحلّي.

يضاف إلى ما تقدّم، أن الهجري اختار توقيت حديثه، تحديداً بعد زيارتَي وزير الأمن الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، ورئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، إلى جبل الشيخ والجنوب السوري، والمواقف التي أطلقها كاتس من هناك حول الاحتفاظ بجبل الشيخ وتهديده الشرع، فضلاً عن حديث زامير بشأن توسيع المنطقة العازلة إلى أكثر من 40 كلم. والأهمّ أن كلام الهجري تلا المحادثات الهاتفية واللقاء المباشر بين وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ومدير «الموساد»، رومان غوفمان، والذي ظهرت فيه الحكومة الانتقالية في موقع الطرف الضعيف والباحث عن رضى إسرائيل، رغم تعامل تل أبيب مع حكومة دمشق كملفّ أمني، وإسقاطها اتفاقية «فضّ الاشتباك»، ورفضها توقيع أيّ اتفاق «جدّي»، وتوسّع الاعتداءات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا وضمّ المزيد من الأراضي.

وتنقسم آراء الأهالي والفعاليات في السويداء اليوم إلى ثلاث فئات أساسية تعبّر عن تباين داخلي كبير في الموقف من الهجري ودمشق وإسرائيل. ويعدّ التيار الأكبر هناك، هو ذلك الرافض للانفصال والتقسيم، ولممارسات الهجري وحكومة الشرع معاً، وأيضاً لربط المحافظة بإسرائيل والتملّق إليها، وهي التي ترتكب المجازر بحق الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين. والتيار هذا حافظ، إجمالاً، طوال القرن الماضي على موقفه الوطني المعادي للاحتلال؛ وخلال مدة الأزمة السورية لم ينجرّ إلى الانخراط الجماعي في الحرب إلى جانب النظام السابق، كما لم ينخرط في علاقات مع تنظيم «جبهة النصرة»، ولم تجذبه دعوات التقسيم والانفصال التي كانت المعارضة السورية تدفع في اتجاهها آنذاك. كما أنه رفض التقارب مع إسرائيل عبر الشيخ موفق طريف، وهو ما عبّرت عنه بعض الشخصيات في المرحلة الماضية.
إلا أن هذا التيار يفتقر اليوم إلى أدوات التعبير والقدرة على التحرّك، في ظلّ غياب الحلول الحقيقية وهيمنة «الزعران» وحمَلة السلاح على المشهد، والممارسات التعسّفية التي يقوم بها «الحرس الوطني» التابع للهجري -بما يشمل قتل المعارضين له-، والتي تشبه الأساليب التي استخدمتها القوات الحكومية خلال هجومها على السويداء في تموز من العام الماضي. ومن الأمثلة على ذلك، ما حصل للشيخ رائد المتني، الذي تعرّض للاعتداء من قبل «الحرس الوطني»، وحلق شواربه وتصويره، قبل أن يتمّ قتله بوحشية. وتتعرّض هذه الشريحة الأوسع من سكان السويداء لارتدادات سلبية للغاية، بفعل الأوضاع المعيشية والإدارية الخانقة، بالإضافة إلى المعاناة الناجمة عن المجازر ووجود عشرات الآلاف من المهجّرين في مراكز الإيواء من دون أدنى مقوّمات الصمود.

ولا يعني غضبُ أهالي السويداء من الهجري، رضاهم على حكومة الشرع، التي لم تقُم حتى الآن بأيّ مبادرة جدّية للملمة الجراح، وتتعامل مع السويداء كملفّ إسرائيلي، بعدما اعتقدت أنها ستترجم «لقاءات باكو» بمحاولة إخضاع المحافظة بالقوة. لا بل إن الغالبية في السويداء تعتقد أن الهجري والشرع وجهان لعملة واحدة، ويتحمّلان، بالتناسب، المسؤولية عمّا حلّ بالمحافظة من مآسٍ. لكن هذه الغالبية مقتنعة بالحاجة إلى ترتيبات الحدّ الأدنى مع الحكومة الانتقالية لتسهيل الشؤون الحياتية والإدارية، ولا سيّما تأمين خدمات الكهرباء والمياه والنقد، واستمرار الارتباط بدمشق، خصوصاً في قطاع التعليم الذي تعرّض لنكسة خلال العامَين الأخيرين، بعد أن كانت السويداء محافظة خالية من الأمية قبل أعوام قليلة.

تنقسم آراء أهالي السويداء إلى ثلاث فئات أساسية تعبّر عن تباين داخلي كبير في الموقف من الهجري ودمشق وإسرائيل

ففي العام الماضي، لم يتمكّن طلاب صفَّي التاسع والثاني عشر من إجراء الامتحانات، وكذلك هذا العام. وما وُصف بأنه مبادرة «حسن نيّة» اقترحتها الحكومة الانتقالية، لإجراء الامتحانات في بلدة الصورة التي تعرّضت لمجزرة وتمّ حرق وتدمير جزء من بيوتها، بدا بمثابة ليّ ذراع للأهالي، الذين كانوا يأملون التوصّل إلى حلّ عبر الأمم المتحدة لإجراء الامتحانات داخل المحافظة. ويتحمّل الهجري أيضاً جزءاً من المسؤولية، بعدما قطع مؤيّدون له طريق دمشق - السويداء لمنع الطلاب الراغبين في إجراء الامتحانات، ولو تحت الخطر، من الخروج من السويداء، ما أحدث استياءً واسعاً لدى المواطنين.
أمّا الفئة الثانية في السويداء، فهي الشريحة المؤيّدة للشيخ الهجري، والتي تبدو في انحسار متسارع اليوم بعد أن استقطبت، في البداية، السكان الخائفين من المجازر. ويتمثّل عماد هذه الفئة، في المجموعات المسلّحة التي كانت تعمل سابقاً في التهريب، واستفاد بعضها من المزايا الأمنية أيام النظام السابق، وارتبط بعضها الآخر بالهجري بعد تأييده للمعارضة السورية وخروجه إلى «ساحة الكرامة» عام 2021. والشريحة تلك، مكلّفة عملياً بإدارة المحافظة؛ لكنها وبدلاً من محاولة تحسين أوضاع السكان، لا تقوم بعملها الشرطي لضبط الجريمة والتعديات، بل تشارك فيها. كما تقوم حفنة من المحيطين بالهجري بوضع الخوات على مختلف المصالح والمؤسسات في المحافظة، بالإضافة إلى ترك المهجّرين من القرى المحتلة من قِبل قوات محسوبة على الحكومة الانتقالية في مراكز الإيواء، بدلاً من إسكانهم في المباني العامة الفارغة، مثل مساكن الضباط المنتشرة في المحافظة.

ويضع المحيطون بالهجري، مثلاً، اليد على أكثر من 1500 وحدة سكنية فارغة، ويؤجّرونها بمبالغ طائلة ويتلقّون الأموال لحسابهم، ويتعاملون معها كأملاك خاصة، من دون أن يتّخذ هو أيّ إجراء للتخفيف من أزمة التهجير. كما يضع بعض «الزعران» التابعين للشرع اليد على بيوت البدو في المدينة ويؤجّرونها لمهجّرين، مثلما تفعل عناصر الحكومة الانتقالية في القرى الواقعة تحت سيطرتها. ويغلب ظهور هذه الشريحة على المشهد بسبب امتلاكها جيشاً إلكترونياً يبثّ الشائعات، ويسكت المعارضين ويهدّدهم على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يقوم «الحرس الوطني» بإيذائهم مادياً، وهو ما يسمح للهجري باحتكار الخطاب، في وقت تركّز فيه وسائل الإعلام الحكومية السورية والعربية على تظهير مواقفه واختصار السويداء بها.
وبالنسبة إلى التيار الثالث، الضئيل إلى حدّ كبير، فهو المؤيّد لحكومة الشرع والمرتبط مباشرة بسليمان عبد الباقي، والامتيازات التي يقدّمها الأخير، بدعم من السلطة، لمؤيّديه. ورغم الإمكانات المادية التي يملكها عبد الباقي وحال الإحباط التي تضرب المحافظة، لم يتمكّن الرجل من إحداث اختراق واسع في صفوف السكان، ولا سيّما أن علاقته بالحكومة وحمله السلاح إلى جانبها تحوّلا، بعد تموز 2025، إلى علامة سوداء أمام السكان؛ وهو الذي كان على اتصال بـ«جبهة النصرة» في أثناء اعتداءاتها على سكان السويداء خلال سنوات الحرب، وأدى دوراً في وصلها بالهجري بعد انقلابه على النظام السابق.
في النتيجة، بين رهانات الهجري على إسرائيل، ورهانات الحكومة الانتقالية على اتفاق معها يتضمّن السويداء، والتعويل على استسلام المحافظة جرّاء الظروف الخانقة، تبدو السويداء متروكة لقدَرها، مثل باقي أجزاء الجنوب، لا سيما مع تراجع الاهتمام الأميركي بتفاصيل الملف السوري، وعدم اتخاذ أي خطوة فعلية من رعاة الشرع الإقليميين، كتركيا والسعودية، لاستيعاب السويداء والضغط على الحكومة الانتقالية لإيجاد حلول لأزمتها.