ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

قضيّة إبستين: «عارض جانبي» لتحوُّلات الرأسمالية الأميركية

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
ورد كاسوحة
ورد كاسوحة
الأربعاء 11 شباط 2026
الخط

لا يمكن فهم الظاهرة التي يمثّلها جيفري إبستين بدون ربطها بالسياق الذي يشهد تحوّلات كبرى داخل الرأسمالية الأميركية. المسألة لا تقتصر على الصراع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، لجهة اختلاف الأولويات، وصولاً إلى المنظور الخاصّ بوجهة التراكم الرأسمالي، بل تتعدّاها إلى الأُفُق السياسي والاقتصادي الذي يسمح للرأسمالية الأميركية، في حال اعتماده، باستمرارية تجاوزها للرأسماليات الكبرى المنافِسة.

التسريبات بوصفها هامشاً رأسمالياً

لم ينتبه كثيرون على ما يبدو للسياق الذي جَرَت من خلاله عملية تسريب الوثائق الخاصّة بإبستين. فهي لم تحصل خارج إطار الصراع بين الحزبين الكبيرين، بل بدت كاستكمالٍ أو امتدادٍ له، ولكن على شكل احتواءٍ جمهوري للفضيحة التي كان يهيّئ الديمقراطيون الرأي العام، داخل الولايات المتحدة وخارجها، لها.

الأمور الأساسية التي تُعتَبر مَثار خلاف بين الحزبين، غير مرتبطة مباشرةً بقضية إبستين، لا بل تبدو هذه الأخيرة، في سياق استخدامها المزدوج الحالي، بمثابة أداة إضافية لتصعيد الصراع الحاصل أصلاً، على قضايا تتجاوز بكثير مسألة سلوك النخبة ونزواتِها الدموية وانحطاطها الأخلاقي، داخل النوادي المغلقة. الأمر لم يبدأ مع الفضيحة الحالية ولن ينتهي عندها، لأنّ قدرة الرأسمالية الأميركية على توليد الظواهر الهامشية، لدى كلّ انتقالٍ أو تحوُّلٍ كبير، سواء اقتصادي أو ثقافي، تبدو غير نهائية. وهو ما يضع باستمرار هذه العوارض في صُلب النقاش العامّ، كونها، بخلاف التحوّلات الكبرى، مثل التقلّبات الرأسمالية والتحوّل الطاقي والسياسات الصحّية بعد الجوائح، تستقطب الكمّ الأكبر من الاهتمام، بدفعٍ من التركُّز الحاصل في النشر وتبادل المعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي.

حتى القضايا الأكثر رصانةً، في السجال بين الحزبين وداخل المجتمع الأميركي عموماً، مثل موجة ملاحقة التحرُّش، تخرج مع كثافة التسويق لها والتداول بها على المنصّات الاجتماعية من نطاق الصراع الاجتماعي والسوسيولوجي الفعلي إلى حيّزٍ أكَثَر شعبويةً وقُرباً من القاع الاجتماعي للرأسمالية. هذا الحيّز يعيد باستمرار إنتاج الهوامش الرأسمالية، بوصفها ترجيعاً لصدى التحوّلات الكبرى، ولا سيّما في حالة الانزياح نحو اليسار الثقافي، على أن يبقى التداول بها في إطارٍ لا يبلور الصراع أو يأخذه إلى أفقٍ أوسع.

فينتقل حينئذٍ السجال بين الترامبية والقاعدة الديمقراطية الراديكالية من الحيّز الأوسع الخاصّ بالصراع حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية، مثل السياسات الصحّية ومقاربة ملفّ الهجرة وجهود مكافحة التضخُّم، ليصبح، في ضوء هذا التفريع المتعمَّد للقضايا ومَسخِها الشديد، مجرّد هامش جديد يُضاف إلى جملة الهوامش التي تنتجها الرأسمالية الأميركية في غمرة تحوّلاتها الكبرى وانتقالِها من طورٍ إلى آخر.

تطَهُّر الرأسمالية الأميركية من أدرانِها

حالياً، وبعيداً عن نقاشات المنصّات الاجتماعية، تبدو التسريبات التي أجرَتها وزارة العدل الأميركية، على نطاقٍ واسع وغير مسبوق لجهة كمّ المعلومات والملفّات والصور والفيديوهات وطريقة معالجتها، أقرَبَ إلى عملية «تطهُّر» منها إلى استهداف مباشرٍ وتقليديّ للخصوم السياسيين. فالشخصيات التي ظَهَرت في الملفّات تنتمي إلى الحزبين على حدٍّ سواء، وإن كانت كفّة الظهور تميل لمصلحة الحزب الديمقراطي، كون الموقع الحالي للجمهوريين مع ترامب يسمح لهم أكثر من خصومهم بالتحكّم بالملفات وتقييد ما يمكن أن يسيء إلى وجودهم في السلطة. على أنّ الأصل في الموضوع، إذا ما عُدنا إلى الصراع الذي سبَقَ نَشْر الملفّات، هو سعي الديمقراطيين على نحوٍ حثيث من أجل الإفراج عن الملفّات، مع علمهم المسبق باحتوائها على فضائح تخصّ رؤساء سابقين وقادة تاريخيين في الحزب، مثل بيل كلينتون وجو بايدن وسواهما.

بعيداً عن نقاشات المنصّات الاجتماعية، تبدو التسريبات التي أجرَتها وزارة العدل الأميركية، على نطاقٍ واسع وغير مسبوق لجهة كمّ المعلومات والملفّات والصور والفيديوهات وطريقة معالجتها، أقرَبَ إلى عملية «تطهُّر» منها إلى استهداف مباشرٍ وتقليديّ للخصوم السياسيين

الرغبة في إحراج إدارة ترامب ووضعِها في موضع المساءَلة، لجهة علاقة الرجل السابقة بإبستين، تخطّت على ما يبدو، بالنسبة إلى الديمقراطيين، الحَذَر من الوقوع في فخّ التسريبات، لناحية توافر ملفّات كثيرة عن قيادات سابقة في الحزب. وهو ما جَعَل الأمَرَ برمّته، حتى بالنسبة إلى الخصوم الجمهوريين، يبدو وكأنّه بالفعل تنظيفٌ لسمعة الرأسمالية الأميركية، في معرض المناكَفة التقليدية بين الحزبين، أو الصراع بينهما على هذه الوجهة السياسية أو تلك. ثمّة بهذا المعنى تقاطعٌ في المصالح بين الحزبين، ولو في إطار استمرار الصراع المنخفض الحدّة، بغرض التخلّص من العبء الذي باتت تمثّله شبكة العلاقات الخاصّة بجيفري إبستين، بالنسبة إلى المؤسّسة الحاكمة في الولايات المتحدة، بجناحيها.

الطهرانية الثقافية كأفقٍ جديد للرأسمالية

وهو ما بدا في الحقيقة كاستكمالٍ أو امتداد لصعود التيار الطهراني في الرأسمالية الأميركية، مع حركة «مي تو»، التي أنهَت عقوداً من الإفلات من العقاب بالنسبة إلى الجناح المتفلِّت من المعيارية الأخلاقية داخل النخبة الأميركية، بشقّيها الديمقراطي والجمهوري. قبل انفجار فقاعة إبستين، كانت ثمّة محاكَمة مشابِهة، وإن بمقدارٍ أقلّ من التشهير والشيوع الجماهيري، لرجل الأعمال والمنتج الهوليوودي الشهير هارفي واينستين، بتهمة التحرّش بممثلات ونجمات أميركيات شهيرات، ممّن جمعتهنّ به علاقة عمل.

هذا في مرحلة كان فيها الديمقراطيون على رأس السلطتين التنفيذية والتشريعية، والمدّ الجمهوري الترامبي لا يزال في بداياته، وهو ما يعزّز فرضية ارتباط التيار الطهراني داخل الرأسمالية الأميركية، في مرحلة صعوده التي شهدت محاكمات التحرُّش الشهيرة، باليسار الثقافي، أكثر منه بالمدّ اليميني المحافِظ. فهذا الأخير، بَقيَ إلى فترة قريبة على مسافة من هذه الموجة اليسارية في الثقافة النخبوية الأميركية، إلى أن اضطرّ إلى مجاراتها حين انتقلت من دوائر النخبة إلى المستويات الجماهيرية والشعبية الأوسع، وبدأت بالتأثير على دوائر النفوذ السياسي، حتى داخل الحزب الجمهوري نفسِه.

الجمهوريون بطبيعتهم كتيار محافِظ ويميني، كانوا دائماً بعيدين عن الموجات اليسارية التي أطاحت بالأعراف الثقافية، في المجتمعين الأميركي والغربي، على امتداد عقود. وهو ما كان يَظهَر باستمرار لدى أيِّ تناولٍ أو مقاربة للقضايا التي تمحورت حولها تاريخياً هذه الموجات، مثل الإجهاض وحقوق المثليين والمسألتين الجندرية والبيئية وسياسات الهجرة...الخ. لكن مع صعود الطهرانية الثقافية، في العقد الثاني من الألفية الجديدة، تحت تأثير الفاعلية السياسية للقاعدة الديمقراطية الراديكالية، بدا أنّ ثمّة تحوّلاً في النظرة الجمهورية التقليدية إلى المشاغِل والاهتمامات المستجدّة لليسار الثقافي.

خاتمة

يمكن القول هنا إنّ ما ظَهَر لعقود على شكلِ افتراقٍ جوهريٍّ في مقاربة كلّ من اليمين واليسار الأميركيَّيْن للمسألة الاجتماعية الثقافية، عادَ مع بروز قضية مناهَضة التحرش الجنسي، ليشكلُّ نقطة تقاطعٍ والتقاءٍ نادرة بين الحزبين، حتى على صعيد القواعد الشعبية التي عادةً ما تكون أكثر استقطاباً من النخب في مواجهة بعضها البعض. وهو ما تكرّرَ مجدّداً، على نطاقٍ أوسع، وبشكل أكثر حدّةً، مع فضيحة ملفّات إبستين، نظراً إلى حجم الإحراج الذي شَعَرت به القواعد الشعبية من الحزبين من سلوك النخب السياسية والاقتصادية والثقافية التي يفترض بها تمثيلها والتعبير عن مصالحها.

ما يَرشَح عن هذه الأوساط حالياً تجاه قضية إبستين، يتجاوز الشعور بالحرج أو العار حتى من طبيعة هذا التمثيل الذي تدّعيه النخبة، إلى محاولة التحلّي بالمسؤولية تجاه ما يُظهِره سلوكها من لا مبالاة وعدم اكتراث بالمعيارية الأخلاقية، أقلّه في ما يخصّ الشرائح الشعبية داخل الولايات المتحدة (نساء من الطبقات الشعبية، أطفال، قاصرات...الخ)، التي وقعت ضحيةً لممارساتها ذات الطابع الطقوسي الدموي والفاشي حتّى. نأي السياسيين من الحزبين بأنفسهم عن هذا الأمر، تحت تأثير التململ الجماهيري الكبير، يفسِّر كيف تحوَّلَ منظور الرأسمالية لهذه «الظواهر الطقوسية الهامشية» التي أُعيد إنتاجها عبر عقود بأشكالٍ مختلفة، من امتيازٍ مُطلَق إلى عبءٍ يسهُلُ التخلّص منه، وبطريقة تبدو متناسِبة مع الميل المتعاظم إلى تبنّي الطهرانية الثقافية كوجهة عامّة لليسار واليمين على حدٍّ سواء.

* كاتب سوري

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك