ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليــل [3]

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
أسعد أبو خليل
أسعد أبو خليل
السبت 14 شباط 2026
كاظم الخليل مصافحاً شاه إيران
كاظم الخليل مصافحاً شاه إيران
الخط

لا يزالُ الحديثُ هنا عن مذكّرات كاظم الخليل الشائقة التي صدرت حديثاً بعنوان: «مذكّراتي: كاظم الخليل»، دار سائر المشرق. وتناولتُ في الحلقة السابقة الأحكام القاطعة والظالمة للخليل عن الحقْبة العثمانيّة كلّها. يقول مثلاً: «إثرَ دخول الحرب العالميّة الأولى، كانَ أوّل تدبير داخلي اتخذته هو إخراج جميع رعايا الحلفاء من البلاد، وكلّ أجنبي غير موثوق به أو مرغوب به» (ج 1، ص. 105). وما الغرابة في ذلك؟ الحكومة الأميركيّة اتخذت التدابير نفسها ضدّ الألمان (وغيرهم) في الحرب العالميّة الأولى والثانية، وفي الثانية سجنت أميركيّين من أصل ياباني فقط بسبب أصلهم العِرقي، من دون أن تتّهمهم بجريمة أو أن يُساقوا إلى محكمة.

وبعد 11 أيلول، اعتقلت الحكومة الأميركيّة المئات من المسلمين الأبرياء فقط لأنّهم مسلمون. ويستفظع كاظم الخليل إجراءات الحكومة التركيّة لأنّ أكثر من استُهدف كانوا مسيحيّين. لكنّ السلطنة العثمانيّة كانت تعيّن مسيحيّين لإدارة جبل لبنان في زمن المتصرفيّة. لم يعترض الخليل، مثلاً، على تعيين غير المسلمين وغير الدروز في منصب المُتصرِّف. حساسية الخليل نحو أيّ ظُلم ضدّ المسيحيّين (وهذا محمودٌ في حدِّ ذاته) أعلى وأكبر من حساسيته ضدّ ظُلم موجّه ضدّ غيرهم.

وهناك فائدة في المذكّرات عندما يتحدّث الخليل بتفصيل عن حوادث تاريخيّة مرَّ بها لبنان، والجنوب خاصّةً، مثل اجتياح الجراد سنة 1915. وصْفه لهجمة الجراد يصلح كقطعة أدبيّة (هناك مقاطع في النص مشغولة بعناية، لكن العناية تتفاوت في المراحل الزمنيّة المختلفة من المذكرات). ولأنّ الخليل عليم بالشؤون الزراعيّة فإنّ شرْحه لمخاطر الجراد يعتمد على معلومات تفصيليّة عنه وعن أثره المُدمِّر (أسهم في المجاعة اللّاحقة). وفي هذا السياق، فإنّ وصْفه للمجاعة في لبنان تسدُّ فراغاً شعبيّاً وتاريخياً عن الموضوع الذي تناسته الذاكرة العامّة في لبنان.

وقد تخصّصت الأكاديميّة الأميركيّة-الألمانيّة، ميلاني شولتز، في كتابها، «إحسان الحرب: المجاعة والمساعدة الإنسانية والحرب العالميّة الأولى في الشرق الأوسط»، عن دار جامعة ستانفورد. الدراسات التاريخيّة الرصينة، مثل الكتاب المذكور، تختلف بالكامل عن توصيف الخليل للمجاعة التي يراها نتيجة سياسة تركيّة مقصودة لـ«تجويع لبنان» (وكعادته، يُبدي الخليل اهتماماً خاصّاً بالمسيحيّين، دون غيرهم، ويقول إنّ السلطة التركيّة أرادت أن يقوم الشيعة في لبنان بـ«ذبح المسيحيّين» (ص. 110) وهذا لم يرد في أيٍّ من المراجع التاريخيّة وليس هناك من وثيقة تقول بذلك.

لكنّ الخليل يريد أن يظهر، دائماً، كحريص على المسيحيّين أكثر من المسيحيّين أنفسهم ولو كان الحرص نابعاً من تقدير لخطر غير موجود أصلاً. يقول مثلاً في مقطع عن نهاية المرحلة التركيّة: «ففتحنا أبواب المستودعات، ووزّعنا مقادير كبيرة من المواد الغذائيّة مجاناً على الفقراء والمحتاجين، خاصّة المسيحيّين الذين كانوا بحالة عوزٍ شديد وجوع كاد يقضي على كثير منهم» (ص. 130).

وليس صحيحاً أنّه لم يكن للمجاعة «أي وجود في أيّ بلد غير لبنان» (محمِّلاً المسؤوليّة عن ذلك للأتراك، طبعاً). في الحقيقة، إنّ المجاعة يومها كانت إقليميّة وإن كانت أصابت جبل لبنان أكثر من غيره (مات نحو ثلث سكّانه). لقد عانى الساحل السوري من المجاعة وسوء التغذية وإن كانت نسب الوفيّات أقلّ من تلك في جبل لبنان وذلك لوجود المرافئ والتهريب المُتاح. في الداخل السوري، كان هناك معاناة أيضاً وإن لم تصل إلى حدّ المجاعة. والجوع والمرض انتشرا في فلسطين أيضاً بين عامَي 1916 و1917، ولم ينجُ الأناضول (في الشرق والوسط) من المجاعة التي رآها الخليل عقاباً تركيّاً ضدّ المسيحيّين، فقط المسيحيّين.

الكلام عن أنّ مناطق سوريا (خارج لبنان) تنعّمت بـ«بحبوحة... وعَيش رغيد» غير صحيح على الإطلاق. ولسبب ما، رمى الخليل كلّ المسؤوليّة على الحُكم التركي ولم يُدن الحلفاء الذين فرضوا حصاراً بحريّاً على شرق المتوسّط لإضعاف الاقتصاد التركي. هذا الحصار هو الذي منع وصول القمح من مصر. الأتراك صادروا، بسبب الحرب، الغذاء والحيوان ووسائل النقل، ما أفقرَ جبل لبنان. جمال باشا أدّى دوراً أيضاً في الحدّ من وصول الغذاء إلى جبل لبنان ورأى أنّ سكّانه متعاطفون مع الحلفاء.

لكنّ هناك أيضاً عوامل داخليّة لم تكن مرتبطة بجمال باشا: لقد قطعت الحرب طرق صادرات الحرير إلى فرنسا، ما نشرَ البطالة في المنطقة، كما إنّ هجمة الجراد التي وصفها الخليل بدقّة قضت على المزروعات في أنحاء سوريا. الحلفاء شاركوا الأتراك في خنْق السكّان. ولا ننسى دور «أثرياء الحرب» المحليّين (يذكرهم الخليل في كتابه كما يعترف أنّ عائلته أُثْرت «بسبب ظروف الحرب» فيقول: «أمّا نحن فقد تجمّع لدينا مبلغ كبير من المال بسبب ظروف الحرب. ولكنّنا لم نكن من أثرياء الحرب لأنّنا كنّا نملك ثروة كبيرة ودخلاً محترماً قبلها. ولكن ذلك لا يمنع من أن تكون ثروتنا قد زادت واتسعت...» (ص 113).

سرديّة الطغيان والاستعباد العثماني نشأت في عهد الاستعمار الأوروبي، وما بعد، لأنّ الاستعمار الأوروبي أراد تسويغاً تاريخيّاً لفرْض طغيانه على الناس، مُجمِّلاً من ظلمه عبر اختراع سرديّة تاريخيّة ضدّ العثمانيّين والأتراك


وتضيف المؤرّخة، ميلاني شولتز، في كتابها الكثير عن أسباب المجاعة ولا تبرّئ الجمعيّات الإنسانيّة والإرساليّات، وخاصّة مرسَلي الجامعة الأميركيّة في بيروت، والذين تضعهم في سياق شبكة الإمبريالية العالميّة، وتقول إنّ عملهم الإنساني أسهم في إسباغ صفة أخلاقيّة على السياسة الأميركيّة (ولا تزال المساعدات الأميركيّة للبلدان تدخل في نطاق العمل الدعائي). ودور الإرساليات هو الذي أعطى صورة مشوّهة عن معاناة مسيحيّة حصريّة في المجاعة (النزعة موجودة في كتاب الخليل) مع تجاهل كامل للضحايا المسلمين في الفجاعة.

وتربط شولتز -أحياناً تستعمل كنية عائلة زوجها، تانيليان- دور المنظمات الإنسانيّة بظهور فكرة الضمان الاجتماعي كعمل خاص خارج عن نطاق عمل الرعاية الاجتماعية من الدولة. أي إنّ العمل الإنساني للمنظمات «الإنسانيّة» والدينيّة الغربيّة حرّرَ الدولة المحليّة من مسؤوليّتها الإنسانيّة والأخلاقيّة والسياسيّة). ولم تنسَ تانيليان أن تشير إلى سياسة الانتقائيّة في العمل الخيري حيث ميّزت الإرساليّات لصالح المتحوّلين دينيّاً والتلاميذ. لكن موضوع المجاعة يحتاج إلى دراسات عربيّة (كما إنّ هناك حاجة ماسّة إلى ترجمة كتاب شولتز إلى العربيّة).

ويصل الخليل إلى نهاية الحُكم التركي فيقول: «انهار الحكم العثماني في البلاد العربيّة، مع نهاية الحرب العالميّة الأولى سنة 1918، بعد أربعمئة سنة، عانى الشعب خلالها شتّى ضروب الظلم والاستعباد... فكان أسوأ عهود الاستعباد والظلم والاستبداد» (ج. 1، ص. 126). لكن هذا الوصف لا يستقيم مع الحقائق التاريخيّة. لم يكن العرب يكتبون عن هذا الظلم في حينه، إلّا الذي كان يعترض على حُكم المسلمين لأنّهم مسلمون. وسرديّة الطغيان والاستعباد العثماني نشأت في عهد الاستعمار الأوروبي، وما بعد، لأنّ الاستعمار الأوروبي أراد تسويغاً تاريخيّاً لفرْض طغيانه على الناس، مُجمِّلاً من ظلمه عبر اختراع سرديّة تاريخيّة ضدّ العثمانيّين والأتراك. والأهم: لم تجرِ مظاهرة واحدة في بلاد الشام احتفالاً بنهاية الحُكم العثماني. تقارن ذلك بمظاهرات الابتهاج التي عمّت سوريا ولبنان بعد رحيل حُكم الاستعمار الفرنسي.

والخليل على خطأ في أنّ الحُكم العثماني «منع استعمال اللّغة العربيّة في الدوائر والدواوين وفي المدارس...» (ص. 127). لم يكن هناك منْع أو حظر للّغة العربيّة بقدر ما كان هناك تراتبيّة لغويّة لصالح اللّغة التركيّة، مع أنّ العربيّة كانت مستعملة بصورة رسميّة وشبه رسميّة في الأقاليم العربيّة. كانت العربيّة مستعمَلة في سوريا وفلسطين والعراق والحجاز واليمن في المحاكم الشرعيّة وسجلات الأوقاف والإدارات الدينيّة وفي المراسلات بين الناس. والمسؤولون المحليّون كانوا غالباً ناطقين بالعربيّة، وكان هناك وثائق رسميّة باللغتَين، التركيّة والعربيّة. وحتى في التنظيمات التي أدّت إلى هيمنة لغوية تركيّة في الوزارات والعسكرتاريا والبيروقراطيا العُليا، بقيت العربيّة مُستعملة في الإدارة المحليّة.

لجنة «الاتحاد والترقّي» بعد 1908 روّجت للتركيّة وفرضتها في الدولة والخدمة العسكريّة ومراسلات الدولة المركزيّة. هذا أدّى إلى تهميش اللّغة العربيّة وليس إلى حظْرها. قصّة أنّ اللّغة العربيّة كانت في طريقها إلى الانقراض، وأنّ القساوسة والرهبان الموارنة في جبل لبنان هم الذين أنقذوها من الإفناء، تصلح كنسق من نظريّة سعيد عقل عن حضارة لبنانيّة عالميّة ولا تنتمي إلى علم التاريخ (الطريف أنّ الخليل يقول في فقرة الموضوع «إنّ التبسّط في هذا الموضوع يحتاج إلى مؤلّفات عدة وقد كتب عنه المؤرّخون كثيراً ويمكن لمن يودّ الاطّلاع عليه الرجوع إلى أحد تلك المؤلّفات». لكن: ما هي هذه المؤلّفات التي يريدنا أن نطّلع عليها؟).

يتحدّث الخليل عن مرحلة الحُكم الفيصلي فيذكر الصراع الذي دار بين رياض الصلح (كان معروفاً بعلي رياض الصلح في السجلّات الرسمية، كما يوضّح الخليل، ص. 131) وكامل الأسعد الجدّ، الذي اغتاظ لأنّه «لم يتسلّم برقيّة» تعيين. يتحدّث الخليل بصراحة عن خيانة الحلفاء للعرب، عبر «توطيد دعائم انتدابهم وتمزيق أوصال الكيان العربي... وتنفيذ وعد بلفور» (ص. 135). ويتحدّث أيضاً عن رفْض الشعوب العربيّة وتجاهلهم وتطلّعاتهم من خلال قيام «تزوير إرادة الشعبَين السوري واللبناني» من قِبل الفرنسيّين والبريطانيّين.

وتحليل الخليل للموقف الأميركي بعد الحرب العالميّة الثانيّة مغايِر للحقيقة. يقول إنّ أميركا تشبّثت بـ«مبدأ حرية الشعوب وحقّ تقرير مصيرها». لم يكن هذا الموقف الأميركي الحقيقي على الإطلاق. أميركا الجنوبيّة والوسطى كانتا حقول هيمنة أميركيّة وكانت أميركا إمبراطوريّة مترامية الأطراف حتى في القرن التاسع عشر: في القرن الأخير من القرن التاسع عشر، انتقلت أميركا إلى الإمبرياليّة العابرة للبحار والمحيطات فسيطرت على الفلبين وبورتو ريكو وغوام وهاواي وسوموا وفرضت هيمنة على كوبا وغوانتانامو والصين (من خلال سياسة «الباب المفتوح») وبنما.

وهل أنّ ليبيريا لم تكن إلّا مشروعاً لـ«جمعيّة الاستعمار الأميركي» (هذا اسمها)؟ (يجب مراجعة كتاب دانيال إميرفاهر، «كيف تخفي إمبراطوريّة: تاريخ الولايات المتحدة الكبرى»). ومعارضة أميركا للدور الفرنسي البريطاني عاد وتجلّى أكثر بعد العدوان الثلاثي على مصر، ولكنّه كان من ضمن خطّة ضروريّة لاستبدال الهيمنة الأوروبيّة بأخرى أميركيّة.

لم يكن الخليل راضياً عن أدهم خنجر، وقد وصفه بقائد «عصابة». تاريخيّاً، قاد خنجر حرب عصابات ضدّ الجيش الفرنسي وحاول اغتيال الجنرال غورو في 1921. كان حليفاً لسلطان باشا الأطرش واعتقال الأوّل أسهم في إشعال التمرّد العربي الدرزي ضدّ الفرنسيّين. أمّا القول «إنّ أعمال العنف لم تكن لتجدي نفعاً، بل تعطي الإفرنسيّين ذريعة للتدخّل العسكري الواسع»، فهو يذكّر بالمقولة الدائمة منذ 1948 عن عبثيّة مقاومة الإرهاب الإسرائيلي.

(يتبع)
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك