ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليل [5]

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
أسعد أبو خليل
أسعد أبو خليل
السبت 28 شباط 2026
دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليل    [5]
الخط

لا يزالُ الحديثُ هنا عن مذكّرات كاظم الخليل التي صدرت حديثاً بعنوان: «مذكّراتي: كاظم الخليل»، عن دار سائر المشرق. هذه المذكرات تكمّل ما نُشر من مذكّرات عبر السنوات من قِبل زعماء لبنانيّين (هناك مذكّرات لسياسيّين لا قيمة سياسيّة أو أدبيّة لها، مثل مذكّرات أمين الجميّل). يذكر الخليل في معرض الحديث رئيس المجلس آنذاك، بترو طراد (وكان محامياً «يدّعي التخصّص في الفقه الإسلامي»).

كانَ كلّما ناقشه كاظم الخليل في موضوع يرِدُ فيه ذِكر نبيّ الإسلام، يقولُ له: «مْحَمّد الله يرحمو. كان رجل طيّب وذكي» (ص. 190). وكان الخليل يمتعض من ذلك لِما يخلو كلامه عن الرسول من الاحترام (وطراد هذا عمِل رئيساً للجمهوريّة في عهد الاحتلال الفرنسي وعمِل كي يصبح لبنان وسوريا تحت الحُكم والحماية الفرنسيّة: وهو وقّع عريضة مع أصدقاء له باسم المسيحيّين طلباً للحماية تلك في عام 1913).

وللمرّة الأولى ربّما في سِير السياسيّين، يصوِّرُ كاظم الخليل الجنرال ديغول على حقيقته، مُستعمِراً طائفيّاً مُفتِناً. كذبَ ديغول على الشعب اللّبناني بوعود الاستقلال فيما كان يسعى إلى السيطرة على البلد. يقول الخليل إنّ ديغول لم ينوِ أن يمنح لبنان أيّ استقلال إلّا في «أمور داخليّة محليّة» (ص. 199) فقط. و«كانت كلّ تصرّفاته تدلّ على محاولته ذرّ بذور التفرقة بين الفئات اللّبنانيّة وخصوصاً في الناحية الطائفيّة». ويذكر مرحلة الميثاق الوطني ويروي حديثاً له مع إميل إدّه. قال له الأخير: «كيف تطلبون منا أن نؤمن بأنّ أصلنا عربي، ونحن لسنا كذلك، ونحن في منازلنا لا نتكلّم العربيّة» (ص. 205).

هل من الغرابة أنّ إدّه هذا كان مؤيّداً متعصّباً للصهاينة في فلسطين وكان يفضّل ترحيل المسلمين إلى مكّة، على ما يُروى عنه؟ وكان زعماء المسيحيين صريحين في مطلبهم بـ«أن تكون الرئاسة الأولى مع الصلاحيات المناسبة التابعة إليها من نصيب المسيحيّين لضمان مصالحهم وتوفير الطمأنينة في نفوسهم». طبعاً، هذه الضمانات أدّت إلى خلْق نظام رئاسي ديكتاتوري حَرم غير الموارنة من المشاركة في صنْع السياسات الداخلية والخارجيّة في لبنان. لكن: «اقتنع رياض (الصلح) بوجهة نظرهم، واقتنعنا معه»، كما يقول الخليل.

ويظهر في الكتاب ما ظهر أيضاً في مذكّرات صائب سلام وفي غيرها من المراجع مدى استخدام رياض الصلح للإعلام وكيف كان يدير جملةً من الصحافيّين لأغراضه السياسيّة، حتى أنّه شنَّ حملة ظالمة على عادل عسيران متّهماً إيّاه بالفساد رغم ما عُرف عنه من نزاهة (ص. 228). وكان الجنرال سبيرس يريد إقصاء عادل عسيران من الوزارة فكان له ما أراد عبر إسقاط الحكومة برمّتها.

وذات مرّة كان الخليل يقود سيّارته من صور إلى بيروت فانثقب دولاب السيارة واضطرّ إلى تغييره «بنفسه» فتلوّثت يداه، ويضيف: «فلم أجد حَولي ما أنظفهما به سوى عمامة الشيخ (رجل دين شيعي كان برفقته في الرحلة). تناولتها من رأسه، واستعملتُها وقذفتُ بها بعيداً بين أشجار الزيتون وألححتُ عليه بألَّا يعود إلى استعمالها أبداً» (ص. 233). هذه القصّة تعطي فكرة عن طبيعة العلاقة بين الزعماء وبين رجال الدين الموالين. ظاهرة موسى الصدر شكّلت تمرّداً على سيطرة الزعماء الشيعة على رجال الدين.

يوافق كاظم الخليل على سياسات رياض الصلح الخارجيّة وعلى ما يصفه بـ«طمأنة المسيحيّين في لبنان» لكنّه يختلف معه على سياساته الداخليّة إذ يقول عنها: «سخَّرَ رياض كلّ مرافق الدولة لخدمة مآربه وتحقيق أغراضه ومصالح جماعته، وبخاصّة بعض الصحافيّين الذين اجتذبهم إليه وأيّدوه وجعلوا كلّ إمكاناتهم الصحافيّة في خدمته. وعمّت الفوضى دوائر الدولة، واستشرت فيها المحسوبيّة والرشوة والمنافع الشخصيّة استشراءً أقلقَ الرأي العام، وأزعج رئيس الجمهوريّة، وحمَله على مجاراة معارضي رياض» (ص. 237). هذا الجانب من شخصيّة رياض الصلح غائب عن الأسطورة المؤسِّسة لجمهوريّة الاستقلال.

وفي ليلة من اللّيالي في الأربعينيّات، يوقظُ رياض الصلح كاظم الخليل من النوم ويحضّه على منْع مؤيّدي أحمد الأسعد من القيام بجولات انتخابيّة (ص. 263). ولمّا لم يستجب وزير الداخليّة لطلب رياض بمنْع الحملة، استعان بكاظم الخليل، خصْم أحمد الأسعد. أجابه كاظم بأنّ ما يطلبه منه رياض هو «عمل عنف مسلّح» ولا يريد أن يتحمّل العواقب. لكنّ رياض يؤكّد له أنّه هو من سيتحمّل العواقب. اقتنع كاظم وأخبره أنّه بحاجة إلى «خمسين قطعة سلاح ولمبلغٍ من المال» (ص. 264).

وأرسل إليه رياض السلاح والمال للقيام بالمهمة المسلّحة. هنا تبرز حقيقة الزعامة الشيعيّة في الجنوب على حقيقتها: كانت زعامة مسلّحة ولم تكن تمتنع عن استعمال القوّة ضدّ الخصوم. ويبدو أنّه كان لكاظم سمعة في اقتناء السلاح لأنّ أنطون سعادة (زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي)، في اللّقاء الذي عقده معه، طلب منه تأمين «خمس بنادق حربيّة» (ص. 280). وفي أوّل عهد شمعون يصِف حملة انتخابيّة له وكيف أنّه أحضر فِرقاً مسلّحة «لوضع حدٍّ للزعرنات» (ص. 293). كلّ زعيم يرى في مسلّحي الطرف الآخر زعران، والأوادم هم أتباع الزعيم طبعاً. تقرأ ذلك وتلاحظ انتشار السلاح بين أتباع الزعماء في الجنوب في زمن... حصريّة السلاح.

لم يكن لحركة «أمل» أو حزب الله أن ينطلِقا في الجنوب لو لا خيبة الناس ونقمتهم من زمن حصريّة الزعامة بأفراد إقطاعيّين تابعين إلى الزعماء الموارنة


اهتمّ الخليل في عهد شمعون بوضْع برنامج زراعي لإنهاض منطقة الجنوب. وفيه يعترف أنّ «لإسرائيل أطماعاً بعيدة الأهداف في مَرافق البلاد العربيّة كلّها. وفي مقدّمة هذه المرافق، المياه النابعة في أرضها والتي تعتبرها إسرائيل مصدر ثروة لها وصمّام أمان... وحاولت إسرائيل بواسطة الولايات المتّحدة عقْد اتّفاق مع الدول العربيّة لترويض تلك المياه واقتسامها مع تلك الدول على أن تتحمّل أميركا كلّ النفقات التي يحتاجها تنفيذ المشروع» (ص. 313). طبعاً، وافقت أميركا فيما بعد على أنّ لإسرائيل الحقّ الكامل بسرقة المياه والأرض. إلّا أنّ الحكومة في حينه عطّلت مشروع الخليل، بضغط من الحكومة الأميركيّة، وسهّلت «للصهاينة نشاطهم لتحقيق أطماعهم بالمياه اللّبنانيّة» كما ورد في استجواب الخليل للحكومة في 1955 (ص. 315). وبعدها، حاولت الحكومة تثبيت مضخّات على أحد روافد نهر الحاصباني (أي نهر الوزّاني) فما كان من إسرائيل إلّا أن منعت لبنان بالقوّة من تنفيذ المشروع، وتوقّف منذ ذلك الزمان.

ويتحدّث كاظم الخليل عن تجربته في وزارة الصحّة في عهد شمعون، ويعطي صورة خطيرة عن تحالف شركات احتكار الدواء مع دول الغرب لمنع ترخيص سعر الدواء. ولمّا بادر الخليل إلى خفْض سعر الـ«أسبرو» دخل عليه الملحق التجاري البريطاني وسأله عن سبب تخفيض سعر الدواء. سأله الخليل: «وما علاقتك بالموضوع؟ فأجابني: الأسبرو بضاعة إنكليزيّة عليّ أن أهتمّ بأمرها». رفض الخليل، كما يقصُّ، الضغط البريطاني حتى بعد أن فاتحه السفير نفسه بالأمر.

ثم تدخّل شمعون وقال «إنّ سفيرَي بريطانيا وأميركا بحثا معه الأمر» (ص. 321). واختفى الدواء من الأسواق وتعرّض الوزير إلى حملة في الصحافة ثم تبيّن أنّ شركة الأسبرو اشترَت موقف الصحافة بالمال. ويُضيف الخليل: «ثم علمتُ أيضاً أنّ وكيل الشركة في بيروت كان صهيونيّاً ووكيلاً لها في كلّ الشرق الأوسط». هذه الحادثة تعكس مدى ارتباط الفساد الداخلي بالرعاية السياسية والاقتصاديّة الغربيّة.

ومرّة في رئاسة كميل شمعون، تناهى إلى سمعه وسمْع زوجته كلام قاسٍ ضدّه من أنصار أحمد الأسعد، فغضب أشدّ الغضب وبخاصّة أنّ الأسعد كان يعدّ في اليوم التالي لمهرجان كبير في محلّة الغبيري. استدعى شمعون الخليل وبحثا في موضوع منْع المهرجان رغم امتناع وزير الداخليّة، رشيد كرامي، عن تلبية طلب شمعون بمنْع المهرجان. استعان شمعون بالخليل لتنفيذ المنع. تفتّقت قريحة الخليل عن خطّة لاختراق أتباع الأسعد بأناس تابعين له كي يُحدِثوا ضوضاء وضجّة عشيّة المهرجان لمنْع حدوثه.

يشرح الخليل الخطّة بالتفصيل: «وتبدأ معركة يُستعمل فيها السلاح للإرهاب والتخويف، فيُطلقون النار بكثافة وغزارة، وتساندهم جماعة من الخارج، فيدبّ الفزع بين الجمع، ويتوقّف الخطباء ويتفرّق الموجودون. فينتشر الخبر في كلّ المنطقة ويمتنع أحد عن الحضور غداً الأحد ويفشل المهرجان. وافق الرئيس على الخطة» (ص. 338). فلنتمعّن مليّاً في هذا المقطع الذي ينمّ عن طبيعة السياسة في «الزمن الجميل». وافق رئيس جمهورية لبنان على خطّة إرهاب وترهيب وإطلاق رصاص يمكن أن يُودي بحياة أبرياء لأنّ خاطره انزعج من هتافات سمعها وسمعتها زوجته من حناجر أتباع الأسعد.

وغيرَ مرة في المذكّرات، نسمع عن استعانة آل الخليل بزعران مسلّحين (وهو الذي وصف أدهم خنجر برئيس العصابة) لتحقيق مآرب سياسيّة وللثأر من الخصوم. وحده قائد الدرك، سيمون زوين، اعترض على الفكرة وأبدى خشية من التسبّب بعددٍ من الضحايا. لا الخليل ولا شمعون أبدَيا هذه الخشية. المهم لهم أن يتمّ منْع المهرجان بالقوّة ولو سقط أبرياء من ضمن خطّة الإرهاب والترهيب. ثم نتساءل عن أسباب نقمة أهل الجنوب على الزعماء التقليديّين؟ لم يكن لحركة «أمل» أو حزب الله أن ينطلِقا في الجنوب لو لا خيبة الناس ونقمتهم من زمن حصريّة الزعامة بأفراد إقطاعيّين تابعين للزعماء الموارنة (كان لشمعون ما أراد، فمنَع قائد الدرك المهرجان بالقوّة).

ويروي الخليل قصّة مناقصة لتلزيم إنشاء مرفأ طرابلس. قدّم حميد فرنجيّة عرضاً لشركة إيطاليّة كان حميد وكيلها، فيما قدّم كاظم الخليل عرضاً بسعر أقل لشركة يوغوسلافية كان هو وكيلها. كان شمعون يريد جذْب فرنجيّة بعيداً عن المعارضة. طلب فرنجية من شمعون أن يتدخّل كي يحصل على عمولة المناقصة فاستجاب له شمعون الذي استدعى رئيس لجنة المناقصة وطلب منه، في ذلك «الزمن الجميل»، كيلا ننسى خيرات «الزمن الجميل»، إرساء المناقصة على شركة حميد فرنجيّة فكان لشمعون ما أراد (ص. 247).

يدافع الخليل عن شارل مالك ويقول إنّه لم تكن تشوب مواقفه العربيّة واللّبنانيّة شائبة. لم يذكر الخليل أنّ مالك لم يكن ليصل إلى المقعد النيابي (مرةً وحيدة في حياته) من دون تدخّل سياسي ومالي أميركي مباشر (كلّ ذلك مذكور في كتاب «حبال من رمل» لويلبير إيفلاند). ويقول الخليل إنّ مالك خلال عمله في أميركا «عمل من أجل العرب» (ص. 248).
(يتبع)

* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك