دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليل [6]

![دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليل [6]](https://media.al-akhbar.com/store/archive/image/2026/3/13/5f83c6d5-566b-43b0-a99b-df859695ceaf/2.jpg?width=1200&format=jpg)
ما يزالُ الحديثُ هنا عن مذكّرات كاظم الخليل التي صدرت حديثاً بعنوان: «مذكّراتي: كاظم الخليل}، عن دار سائر المشرق. ونصلُ مع الخليل إلى سنة ١٩٥٨ وإلى الحرب الأهليّة التي تسبّبَ بها شمعون ليس فقط بسبب رغبته في تمديد الولاية بل لأنّه اختارَ أن يخرقَ -علانيةً وليس سرّاً كما كان الأمر بعد الاستقلال- البنود المركزيّة للميثاق الوطني من خلال الانخراط في حِلف غربي رجعي عربي تحت عنوان محاربة الشيوعيّة (ينسى الناس أنّ النظام في لبنان كان يعتقلُ العناصر الشيوعيّة حتى الستينيّات وكان جهاز الأمن اللّبناني مَرعيّاً من قِبل حكومات الغرب للتجسّس على الشيوعيّين واليساريّين وقمْعهم). يُلقي الخليل باللّائمة في حرب ١٩٥٨ على عبد الناصر وعلى فؤاد شهاب.
وهناك خلل تحليلي لديه عندما يجعل من الشهابيّة صنواً للناصريّة مع أنّ مشروع شهاب كان رأسماليّاً وكيانيّاً متزمّتاً وغربيّاً ورجعيّاً عربيّاً ومتناقضاً مع مشروع جمال عبد الناصر التحرّري. ويظلم الخليلُ شهاب عندما يزعم (من دون دليل) أنّه كان يزمع على إنشاء إمارة في لبنان (ج. ١، ص. ٣٤٩، هذا لا يعني أنّ شهاب لم يكن معتدّاً جدّاً بلقب الإمارة وكان يصرُّ عليه في الملصقات التي كانت تظهر باسمه كرئيس جمهوريّة وكقائد للجيش).
وتحليل كاظم الخليل للناصريّة يفتقرُ إلى أيّ مصداقيّة أو جديّة في البحث. الخليل كان متحالفاً مع أنظمة الطغيان الخليجي، لكنّه يزعم في الكتاب أنّ عبد الناصر فرضَ ونشرَ زعامته في العالم العربي عبر إنفاق «مبالغ ماليّة كبيرة}. كان إنفاق النظام الكويتي أو السعودي على شراء الإعلام والساسة في لبنان يفوق إنفاق النظام الناصري في كلّ العالم العربي. من الطبيعي أن يَكُنّ الخليل هذه البغضاء لشخص عبد الناصر لأنّه ألهمَ جماهير الجنوب وضخّ المفاهيم القوميّة العربيّة والاشتراكيّة بين الناس.
لم يبرز محمد الزيّات، القائد في حركة القوميّين العرب والذي حرَّرَ مدينة صور في الحرب الأهليّة في ١٩٥٨ من نفوذ الإقطاع والدولة الرجعيّة بمال عبد الناصر، بسبب الناصريّة بل بسبب انجذاب الناس لشعارات عبد الناصر وشخْصه، ومن دون مال أو تبعيّة، كما يتصوَّر الخليل. برز الزيّات بالفكر والنشاط والنقابيّة (وهو خاضَ الانتخابات النيابيّة في ١٩٦٠ ونال الكثير من الأصوات بالرغم من التزوير وماتَ قبل أن يُكمل عامه الثلاثين).
لو أنّ الخليل لم يكن متحالفاً مع الأنظمة التي كانت -وما تزال- تشتري الإعلام والناس بالمال، لفهمنا سبب تحليله. لكنّه كان يعلم أنّ شعبيّة عبد الناصر انتشرت بين الناس طواعيّة وبعفويّة وبالمجّان. قد يكون مفهوم الشعبيّة بالمجّان مجهولاً عند الذين واكبوا شراء الأمراء والشيوخ للطاعة من قِبل ساسة لبنان وإعلاميّيه. الملايين التي خرجت يوم خطاب التنحّي ويوم وفاة عبد الناصر خرجت بالمجّان. هذه لا نعتادها في العالم العربي.
أمّا تشبيهه لإذاعة «صوت العرب} بالإعلام النازي فدليل على أنّه لا يعرف عن النازيّة وإعلامها غير ما قرأه في عناوين الصحف. «صوت العرب} كانت تبثّ أفكار الوحدة ونصرة الفقراء ومحاربة الاستعمار، أي نقيض الأفكار العنصريّة للإعلام الغوبلزي النازي. ويضيف الخليل أنّ عبد الناصر تجاهل «وجود الشخصيّات الوطنيّة والمحليّة} (ص. ٣٥٠). وهذا جائر أيضاً، وإن كان الخليل يعني بالشخصيّات «الوطنيّة} الشخصيّات اليمينيّة الرجعيّة المُتحالفة مع الاستعمار.
لكن عبد الناصر كان رحبَ الصدر منفتحاً وكان يجتمع بكل الزعماء من لبنان، بمن فيهم بيار الجميّل وصحبه. ويتخيّل الخليل أنّ السفارة السوفياتية في بيروت دعمت بسْط نفوذ عبد الناصر، كي يوحي بمؤامرة شيوعيّة (والحُكم الشمعوني كان مهووساً بالمؤامرات الشيوعيّة لأنّ هذا الهوس كان مُربحاً في العلاقة مع الغرب وأنظمة الخليج). وهل كان عبد الناصر، محبوب الجماهير أو «معبودها} كما يصفه الخليل حانقاً، يحتاج إلى مساعدة السفارات في نشر شعبيّته الآسرة؟
يقول الخليل إنّه خرج عن سياسة عبد الناصر، «عن اقتناع وإيمان} بالرغم من أنّ هذا «سبَّبَ لي الكثير من المتاعب السياسيّة والخسائر الماديّة} (ص. ٣٥٠). لكن لا يوضح الخليل ماهيّة المتاعب السياسية والخسائر المادّية، وهو لم يذكر أنّه كان مضطرّاً لأن يعارض عبد الناصر لأنّه كان حليفاً ثابتاً لكميل شمعون
وفي كلامه عن المسلمين، لا يختلف الخليل عن اليمين المسيحي الانعزالي في النظرة إليهم. فالمسلمون ليسوا ذوي إرادة بل هائمون وبسطاء العقول وأسرى لعقائد وتيّارات خارجيّة. صوّرهم شمعون والجميّل دوماً على أنّهم ضعفاء مسلوبو الإرادة، يخضعون تارةً لعبد الناصر وأخرى لياسر عرفات، كأنّه لم يكن لهم حسابات، غير العواطف، التي جعلتهم يتحالفون مع الناصرية ومع منظّمة التحرير (لمصلحتهم هم، خلافاً لاعتذار محسن إبراهيم المُنفِّر وغير الصادق). يقول الخليل إنّ عبد الناصر «سيطر على الشارع الإسلامي} وإنّ المسلمين كانوا «يؤمنون بما يوعِز به ولو كان كُفراً} (ص. ٣٥٠). يبدو أنّ الخليل كتب هذه المقاطع متأثّراً بالدعاية الغربيّة والخليجية اليمينية ضدّ الشيوعية والاشتراكيّة وضدّ عبد الناصر.
قد يكون عنوان تلك الجريدة السعوديّة («عبد الناصر كافر بالإجماع}) ترك أثراً في نفسه. ويزعم الخليل أنّ سفير عبد الناصر في بيروت في حينه، عبد الحميد غالب، «بسط نفوذه على كلّ المسلمين، خصوصاً أبناء الطائفة السنيّة...ولا يجرؤ أحد منهم على الخروج عن طاعته} (ص. ٣٥٠). هذا غير صحيح. كان صائب سلام من أبرز زعماء المسلمين وكانت علاقته مع عبد الحميد غالب سيّئة للغاية. يقول الخليل إنّه خرج عن سياسة عبد الناصر، «عن اقتناع وإيمان} بالرغم من أنّ هذا «سبَّبَ لي الكثير من المتاعب السياسيّة والخسائر الماديّة} (ص. ٣٥٠). لكن لا يوضح الخليل ماهيّة المتاعب السياسية والخسائر المادّية، وهو لم يذكر أنّه كان مضطرّاً لأن يعارض عبد الناصر لأنّه كان حليفاً ثابتاً لكميل شمعون، الزعيم اليميني المعارض لعبد الناصر.
وعداء الخليل لعبد الناصر عادَ عليه بالمنافع السياسيّة (كي لا نتحدّث عن المنافع الماديّة) لأنّه كان الزعيم المدلّل في العهد الشمعوني وفي العهود التالية بسبب مواقفه اليمينيّة وارتباطه بشمعون. ويقول إنّه اختلف مع النظام الناصري بسبب رغبته في «العمل على صَهر الأقليّة المسيحيّة في بَوتقة القضيّة العربيّة} (ص. ٣٥١). لكن أيَّ قضيّة عربيّة يعني هنا؟ لم يمثّل كميل شمعون أيّ قضيّة عربيّة، ودَوره في الحرب الأهليّة كان زعيماً في الجبهة المتحالفة مع إسرائيل. من المنطقي أن تكون الزعامة الناصريّة في تضادّ مع هذه الزعامة. أمّا دور المسيحيّين، فلم يكن هناك زعيم عربي أكثر علمانيّة من جمال عبد الناصر الذي رأى في القوميّة العربيّة حلّاً لمشاكل النزاع العِرقي والطائفي الذي مزّق المجتمعات العربيّة عبر العقود.
كان على الخليل أن يذكر فضل عبد الناصر، بصورة خاصّة، في توحيد المذاهب والاعتراف بالشيعة الاثني عشريّة كمذهب شرعي يُدرَّس في الأزهر للمرّة الأولى في تاريخه. ويُنكر الخليل على عبد الناصر ذلك؟ هل هناك إسلام أكثر تنويراً وانفتاحاً من إسلام محمود شلتوت في عصر عبد الناصر؟ ويظلم الخليلُ عبدَ الناصر مرّة أخرى عندما يزعم من دون دليل أنّ عبد الناصر سعى «لتقليص النفوذ المسيحي في لبنان}. والخليل يظهر دائماً بمظهر المُدافع -مثل شمعون- عن حقوق المسيحيّين ونفوذهم أكثر من المُسلمين. كانت المطالب في حينه لتحقيق المساواة الغائبة، وعبد الناصر كان، باعتراف بيار الجميّل، حريصاً على تطمين المسيحيّين في لبنان ولهذا هو رفض انضمام لبنان إلى الجمهورية العربيّة السوريّة. يهجو الخليل عبد الناصر ثم يختم بالقول: «لستُ مؤهّلاً للحديث عن الحقبة الناصريّة} (ص. ٣٥١). ولماذا تتحدّث بإطالة إذا لم تكن مؤهّلاً؟
نعلم الكثير من الكتاب عن العداء بين كميل شمعون وفؤاد شهاب لكن الكتاب يزيد في معرفتنا. واضح أنّ الشخصَين يكرهان بعضهما البعض وأنّ شهاب كان يتعاون مع خصوم شمعون تحضيراً للرئاسة، لكن الخليل يضع كلّ اللّوم في الخصومة على شهاب وحده. صحيح أنّ شهاب كان طامعاً بالرئاسة، لكن شمعون كان طامعاً بالتمديد قبل أن يعلم أنّ الأميركيّين اتّفقوا من خلف ظهر مع عبد الناصر على شهاب كمرشّح تسوية. وسرديّة الخليل عن «ثورة ١٩٥٨} منحازة، حتماً، لطرف شمعون. سرديّته غير منطقيّة: أنّ المسلمين بسبب سذاجتهم انقادوا لمؤامرة السفارة المصريّة في بيروت وأمرهم عبد الحميد غالب بإشعال ثورة مسلّحة.
لكن كان هناك البطريرك الماروني المعوشي معارضاً لشمعون كما عارضه موارنة من الشمال وجزّين. هل كان هؤلاء أدوات بيد السفارة المصريّة؟ ثم، ألم يكن هناك أسباب اعتراض عند المسلمين واليساريّين والقوميّين العرب (أو غيرهم) لسياسات شمعون والفساد الذي عمّ في عهده؟ ثم يضيف في كلامه أنّ جبهة معارضة شمعون ضمّت «الفاشلين في الانتخابات} (ص. ٣٥٣). لكنّه ينسى أن يشرح أنّ الكثير من الفاشلين فشلوا بسبب التزوير في الانتخابات في عام ١٩٥٧. ثم كيف يتحدّث الخليل عن تحرّكات السفير المصري وينسى أنّ كتاب «حبال من رمال} يستفيض في الحديث عن دور المخابرات الأميركيّة في مساندة شمعون؟ أمّا عن التزوير والرشاوى والضغط في انتخابات ١٩٥٧، فتجده يقول فقط إنّ الطرفَين استعملا كلّ الوسائل (ص. ٣٥٥).
لكن: هل كان للمعارضة حجم الدعم المالي والسياسي الذي توفّر لشمعون من الدولة العظمى ومن كلّ دول الغرب والخليج وإيران؟ وحتّى إسرائيل ساندت (بالسلاح كما الشاه) نظام شمعون أثناء الحرب الأهليّة. كل ما جرى من تزوير، اختصره الخليل بـ: «لم يتورّع عن الإيعاز بتأييد مرشّح أو معارضة آخر. لكنّه لم يكن بحاجة لكي يلجأ إلى التزوير في نتائج الانتخابات أو صناديق الاقتراع أو المحاضر. أمّا المال، فلا أدري إن كان قد توفَّر له أم لا، ولا من أين مصدره إذا توفّر، وقد قيل في موضوعه الكثير، وتضاربت بمقاديره التقديرات. ولكنّي أقول وبكلّ صراحة وصدق إنّه رغم صِلتي الوثيقة بالرئيس وملازمتي له، لم أطّلع على موضوع المال لا من قريب ولا من بعيد ولم أحاول أن أبحث عن الموضوع} (ص. ٣٥٥).
لكن عدم تباحث الخليل مع شمعون في موضوع التزوير والمال الخارجي (ويعترف أنّه لم يكن يريد أن يبحث في الموضوع) لا يعني أنّ ذلك لم يحدث. هناك توثيق صلب لتلك المرحلة. ويزعم الخليل أنّ النظام الناصري أصدر أوامره بإسقاط كاظم الخليل وبدعم أحمد الأسعد، كأنّ النظام الناصري تدخّل في تفاصيل السياسية اللّبنانيّة كما فعل النظام السوري في سنوات سيطرته في لبنان.
(يتبع)
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس
