دَور زعماء الشيعة في لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليــل [7]

ما يزالُ الحديثُ هنا عن مذكّرات كاظم الخليل التي صدرت حديثاً في ثلاثة أجزاء بعنوان: «مذكّراتي: كاظم الخليل»، عن دار سائر المشرق. يَكُنُّ كاظم الخليل ضغينةً مفهومةً ضدّ النظام الناصري، كما يَكُنُّ اليمين الشيعي اليوم ضغينةً ضدّ حزب الله. هؤلاء الذين اعتادوا زعامة متوارَثة دائمة لم يتعاملوا بوُدٍّ مع ظاهرة سلبَت ألباب المسلمين (وغيرهم) في لبنان وفي العالم العربي. فجأة، ضخّت الناصريّة في لبنان (البلد الرجعي والمحافظ تاريخيّاً) قيمَ العدالة الاجتماعيّة والكرامة الوطنيّة والاشتراكيّة والإصلاح الزراعي والنسويّة. هذه القيم تناقضت مع سيادة الإقطاع الشيعي في لبنان. بدأت رحلة الشيعة في لبنان تتّجه نحو اليسار والقوميّة العربيّة في الخمسينيّات.
تحليل الخليل يردّ هذا الاندفاع الشعبي وراء عبد الناصر إلى الدعاية السياسيّة (وإذاعة «صوت العرب» تحديداً، وهو يشكو منها دائماً) والإنفاق. كلّ مَن يعرف أيّ شيء عن الجنوب في الخمسينيّات والستينيّات يعرف أنّ النظام الناصري لم يُنفق أموالاً في الجنوب لشراء الناس. هذه كانت من اختصاص الأنظمة الخليجيّة أو منظّمة التحرير، إلى حدٍّ ما، في ما بعد. الناصريّة حركة عفويّة جذبت الجماهير العربيّة إلى شعارات القوميّة العربيّة من أقصاها إلى أقصاها. لكنّ الخليل يتحدّث عن لقاء ودود جمعه مع عبد الناصر في القاهرة ويعترف أنّه «رجل قريب إلى القلب، جذّاب بشكله وحديثه وتواضعه ومسايرته لمُجالِسه» (ص. 372). والكلام الذي سمعه من عبد الناصر يتناقض مع ما نَسَبه إليه في المذكّرات من أغراض طائفيّة في سياساته في لبنان. طمأنه عبد الناصر أنّه يريد بناء علاقات حسنة مع جميع الزعماء في لبنان.
يتحدّث الخليل في مذكّراته بصراحة متناهية عن اعتماده على ميليشيا مسلّحة لتحقيق غاياته السياسيّة ضدّ خصومه، وبخاصّة ضدّ أحمد وكامل الأسعد. يتحدّث عن نتائج انتخابات 1957 فيقول: «ولم يكن أسلوب العنف الذي استعملتُه تجاه الأسعد سبب فشله في الانتخابات» (ص. 360). لنكفّ عن شعارات مُكرَّرة عن حصريّة السلاح في الزمن الجميل حيث كانت الدولة نفسها ورعاتها الغربيّون والرجعيّون العرب وإسرائيل نفسها يسلّحون ميلشيات مسلّحة، قبل أن يقوم النظام السوري ومنظّمة التحرير بتسليح ميليشياتهم الموالية.
لا، ولا يعتذر الخليل عن أسلوب العنف الذي انتهجه ضدّ خصومه فيقول: «أمّا الأسلوب الذي استعملتُه، فهو نفس الأسلوب الذي يستعمله عادةً من يترشّح ضدّه (أي الأسعد) في منطقته، ونفس الأسلوب الذي كان عازماً على استعماله ضدّي لو أتيحت له الفرصة وترشّحت ضدّه في منطقته». وكان لا يمانع من استعمال العنف لمنع زيارات لخصمه في المنطقة التي يعدّها إقطاعاً له (وهو مُحقّ أنّه ليس وحده الذي كان يتّبع هذه الأساليب العنفيّة في السياسة).
نكتشف من الكتاب أنّ الملك سعود سعى بقوّة إلى تجديد ولاية كميل شمعون. يقول الأوّل للخليل: «يهمّني أن يُجدّد الرئيس شمعون ولايتَه لمدة ستّة [هكذا وردت] سنوات أخرى لأنّ في ذلك الضمانة الكبرى للحدّ من تسلّط الرئيس ناصر ورجَحان كفّة الفريق غير الناصري. وإنّي على استعداد لأن أبذل ما في وسعي في سبيل ذلك، أن أسعى لإقناع المعارضين في لبنان وتقريبهم من الرئيس شمعون وتفاهمهم معه» (ص. 376).
يردُّ الخليل بالقول إنّ المسلمين في لبنان كفّروا شمعون. لكنّ الحقيقة أنّ جريدة سعوديّة («عكاظ») هي التي عنونت في 1965، في حقبة الحرب العربيّة الباردة: «عبد الناصر كافرٌ بالإجماع». يشرح سعود تدخّله في لبنان: «وقد رصدتُ مبلغ ثلاثة ملايين ليرة لبنانيّة حوّلْتها إلى لبنان لتوضع تحت تصرّف الرئيس شمعون ليُنفقها في سبيل تجديد ولايته. وأعتقد أنّها كافية لتحقيق هذا الغرض. وغداً أطلب إليك لدى وصولنا إلى بيروت أن تسأل الرئيس باسمِ مَن يريد وضْع المبلغ وفي أيّ مصرف» (ص. 376).
ويضيف سعود: «وأبلغْه (أي شمعون) بأنّي مستعدٌّ لدفْع أيّ مبلغ لمحاربة سياسة الرئيس عبد الناصر». آه، الزمن الجميل، حيث لا تدخّلات خارجيّة في شؤون لبنان (يقول الخليل إنّ شمعون رفض المبلغ لكنّ الخليل حاول إقناعه «بقبض المبلغ لصرفه في نواحٍ أخرى نحن بأمسّ الحاجة للصرف فيها» (ص. 377).
ويصف الخليل أمسيَة في بلاط آل سعود ويتحدّث عن الجواري ومنها واحدة «حسنة الهندام جميلة الطلعة بيضاء اللّون وفي ريعان شبابها عليها مسحة إيرانيّة الشكل» (ص. 379). وتحدّث بصِدق عن رواج تجارة الرقيق في المملكة وعن خطْف الفتيات والفتيان لبَيعهم إلى تجّار الرقيق. لا ينفي الخليل في مقاطع رغبة شمعون في التجديد كما يعترف أنّه «صرف جهداً في الانتخابات النيابيّة لإقصاء أخصامه ومناوئيه، ولم يتورّع عن ممارسة نفوذه الشخصي لأقصى حدوده من أجل الإتيان بأصدقائه ومؤيّديه وتأمين أكثريّة موالية له» (ص. 388). لكنّه يعود لينفي عنه ممارسة «التلاعب والتزوير».
أمّا عن قرار الاستعانة بالجيش الأميركي، فيدافع عنه الخليل ولا يرى في الاستعانة أيّ «خيانة وطنيّة» ولا حتى أي «مساس بالسيادة اللبنانيّة» لأنّ الطلب كان من «السلطة الشرعيّة». هذا تماماً كان موقف اليمين الانعزالي في لبنان عندما استجدوا تدخّل النظام السوري في 1976 ثم التدخّل الإسرائيلي في 1982
يرفض الخليل أن يصدّق أنّه كان عند المسلمين والمعارضين لشمعون أسبابهم للثورة على نظامه. لا، كلّ ما في القصّة عنده أنّ «صوت العرب» حرّضت، والمسلمون نفّذوا. لكن: ما سبب هذه السطوة والنفوذ لـ«صوت العرب»؟ أَلَيس لأنّها عبّرت عن تطلّعات الناس ومزاجهم في كلّ العالم العربي؟ ويزعم الخليل أنّ الأفعال الطائفيّة خلال الحرب الأهليّة في 1958 كانت مِن صنْع المعارضة (ص. 403) وليس مِن صنْع النظام واليمين الطائفي الداعم له.
لكنّ المعارضة كانت تجمع في صفوفها تيّاراتٍ عريضة من مختلف الطوائف (بما فيها البطريرك المعوشي) فيما كان دعْم شمعون حِكراً على اليمين الطائفي الانعزالي والحزب السوري القومي الاجتماعي. ولو كان الخليل حسّاساً إزاء الجرائم الطائفيّة لكان قد اعترض على الجرائم الوحشيّة ضدّ مناطق وأحياء مسلمة في تلك الحرب، وفي بيروت الشرقيّة خلال الحرب الأهليّة في السبعينيّات. ثم شرارة الحرب في 1958 تمثّلت في اغتيال الصحافي نسيب المتني (الماروني) وهو كان من أنصار المعارضة، لا الموالاة.
أمّا في موضوع خرْق بنود الميثاق الوطني، فيعترف الخليل أنّ شمعون طلب المساعدة العسكريّة من العراق وبالفعل وصلت المساعدات. لكنّ الخليل يتذمَّر إذ يقول: «ولم يصلني من كلّ ما أُرسِلَ من سلاح سوى خمسة [هكذا وردت] وعشرين بندقيّة من دون ذخيرة لها. أمّا العدد الأكبر منها، فقد وزّعه الرئيس في منطقته، أي الشوف» (ص. 410). طبعاً، هذا كان في زمن حصريّة السلاح. أمّا عن قرار الاستعانة بالجيش الأميركي، فيدافع عنه الخليل ولا يرى في الاستعانة أيّ «خيانة وطنيّة» ولا حتى أي «مساس بالسيادة اللبنانيّة» لأنّ الطلب كان من «السلطة الشرعيّة». هذا تماماً كان موقف اليمين الانعزالي في لبنان عندما استجدوا تدخّل النظام السوري في 1976 ثم التدخّل الإسرائيلي في 1982. للسيادة مفهوم خاصّ وطريف في لبنان.
يحاول الخليل، في الجزء الثاني من المذكّرات، أن يكون مُنصفاً لفؤاد شهاب فيتحدّث عن نزاهته وأمانته لكنّه يتحدّث أيضاً عن صفات أخرى له قلّما ترِد في سِيَر التبجيل عن فؤاد شهاب. كان يكره بشدّة: كان «عنيفاً بخصومته» (ج. 2، ص. 452) وكان يستعمل المكتب الثاني لمكافأة حلفائه وعقاب خصومه. وكان متقشّفاً ومنعزلاً عن الناس، ما يتناقض مع طبيعة الحياة السياسيّة في لبنان بصورة خاصّة. صحيح أنّ شهاب بنى مؤسّسات واعتمد على أناس متعدّدي الطوائف لكنّه كان طائفيّاً (كما يرد في مذكّرات نجيب علم الدين). والخليل على حقّ عندما يقول إنّ شهاب «ما آمن يوماً بالعروبة وقادتها.
فلم يساهم ولا باجتماع دولي عربي. وقد تمارض ولازم الفراش عندما دُعي لاجتماع الجامعة العربيّة في القاهرة» (ص. 452). لم يكن شهاب يَكُنّ عاطفة لا للعروبة ولا حتى للوطنيّة اللّبنانيّة، مع أنّه كان ميّالاً للأُولى على حساب الثانية لأنّه كان دائم الشكوى من طِباع بني قومه وعاداتهم. كان الرجل الأبيض هو مَثَله الأعلى وتضايق لأنّ اللّبنانيّين لم يكونوا فرنسيّين. وكان ضابط فرنسي متقاعد هو مستشاره الأقرب وكان يحضر اجتماعات مجلس الوزراء ولم يكن الوزراء يجرؤون على معارضته أو مخالفته في الرأي (فؤاد بطرس في مذكّراته زها كثير الزهو أنّه ذات مرّة تجرّأ على الاختلاف معه في الرأي).
يقول الخليل إنّ شهاب أراد أن يُعيد الإمارة الشهابيّة إلى لبنان وهذه مبالغة. صحيح أنّ لقب الأمير كان يعني الكثير لفؤاد شهاب وأصرّ على استعماله، لكنّ حلم الإمارة لم يكن منطقيّاً وليس من المنطقي أنّه حلم بإعادته إلى لبنان. والخليل على حقّ أنّ شهاب كان غامضاً وباطنيّاً: «كان بارعاً في إخفاء ما يُضمر». وكان يستعمل السياسيّين ويسخّرهم لغاياتهم لكنْ من وراء الستار في صومعته، للإيحاء أنّه فوق التجاذبات والمماحكات بينما كان سيّدها.
كان هناك خلاف مستحكِم بين شهاب وشمعون، وصحيح أنّ شهاب كان أكثر حقداً من شمعون. كان سهلاً على شمعون أن يسامح منتقديه ومعارضيه ويتباسط معهم في الحديث، لكنّ شهاب كان من طينة أخرى ولا يغفر إساءة. استعمل وسائل السلطة من أجل أن يعاقب جماعة شمعون ولإبراز «الكتائب» في وجههم وفي وجه ريمون إدّه. حزب الكتائب اللّبنانية مَدين بالكثير لشهاب لأنّه رفعهم ودعمهم في السنوات الحاسمة قبل الحرب الأهليّة. ويُنصفه الخليل عندما يعترف أنّ شهاب عمل على محاربة الفساد المستشري لكنّه لم يحارب سوء استخدام السلطة مِن قِبل العسكر.
وهناك مقطع لافت في الكتاب يتحدّث فيه شهاب عن تجربته مع عبد الله المشنوق وكيف أنّه أدخله إلى الحُكم كي يتخلّص من «تعصّبه الإسلامي والعربي» (ص. 404). شهاب لم يكن ينظر إلى التعصّب الطائفي والقومي اللّبناني لحزب الكتائب على أنّه تعصّب. التعصّب عند شهاب كان من جهة واحدة فقط: جهة المسلمين عندما يعترضون على الإجحاف والظلم الطائفي والطبقي والسياسي. وعبد الله المشنوق، للإنصاف، لم يكن متعصّباً أبداً بل كان قوميّاً عروبيّاً ومعادياً للتعصّب المسيحي المتأصِّل في الدولة اللّبنانيّة بعد الاستقلال.
ولم يستطع شهاب أن يصدّق أنّ المسلمين (وغيرهم من العلمانيّين) لم يكونوا راضين عن تعصّب زعماء الموارنة في لبنان. كيف يمكن ألّا يكون المَنْح الاستثنائي للجنسيّة اللّبنانيّة للمسيحيّين من الفلسطينيّين فقط صارخاً في نواياه ومقاصده الطائفيّة المتعصّبة؟ ولقد جرى هذا في عهد شمعون لكنّ الخليل لم يمرّ على ذلك بالنقد والتقريع والاستهجان.
(يتبع)
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس
