دَور زعماء الشيعة فــي لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليل [8]

![دَور زعماء الشيعة فــي لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليل [8]](https://media.al-akhbar.com/store/archive/image/2026/4/17/5b9be847-138a-4d34-a6ab-152a0aed6fc0/2.jpg?width=1200&format=jpg)
لا يزالُ الحديثُ هنا عن مذكّرات كاظم الخليل المفيدة والتي صدرت حديثاً بعنوان: «مذكّراتي: كاظم الخليل»، عن دار سائر المشرق. يتحدّث الخليل، من دون تنديد، عن موقف حزب الكتائب بعد وصول فؤاد شهاب إلى سدّة الرئاسة. شكَّل فؤاد شهاب حكومة لم تضمّ حزب الكتائب اللبنانيّة، فما كان من حزب الكتائب إلّا أن أنزل زعرانه بقوّة إلى الشارع وقاموا بأعمال شغب لفرْض توزير بيار الجميِّل. عندها فقط، شكّل شهاب الحكومة الرباعيّة الشهيرة والتي ضمّت بيار الجميّل. أصبح الجميّل ركناً للعهد بالابتزاز والزعرنة واستعمله شهاب ضدّ خصمه اللّدود، ريمون إدّه. شهاب مسؤول بدرجة كبيرة عن صعود حزب الكتائب اللبنانيّة في الستينيّات تمهيداً لدوره التخريبي في الحرب الأهليّة. شهاب كان حقوداً على أعدائه، ولو على حساب مصلحة الوطن.
ويتحدّث الخليل عن حالة (النائب حتّى مجلس 1972) فؤاد لحّود وعداء فؤاد شهاب له. يقول فؤاد شهاب لكاظم الخليل إنّ لحّود كان يُعِدّ في عام 1958 لانقلاب بالتفاهم مع الحكومة السوريّة (ج2، ص. 455-456). وفي كتاب «المتاهة اللّبنانيّة» ترِد تفاصيل عن صِلات بين فؤاد لحّود والإسرائيليّين. لكنّ لحّود (الذي ترأس لسنوات لجنة الدفاع النيابيّة) كان في المجلس، بالرغم من انتخابه على قائمة حزب الوطنيّين الأحرار، معادياً للمصالح الإسرائيليّة وهاجياً الحكومة اللبنانيّة على تقاعسها عن حماية الجنوب وأهله. وكان يدعو دوماً لتسليح الجيش بما يحتاج إليه لصدّ إسرائيل. وفي كتابه «مأساة جيش لبنان» يفصّل لحود كلّ مشاكل الجيش الطائفيّة والسياسيّة بجرأة لم يسبقه إليها أحد (قارن عدد الضباط المسيحيّين مقارنة بالمسلمين). تحتاج سيرة فؤاد لحّود إلى عناية من المؤرّخين، وعداء فؤاد شهاب له يزيد من الفضول.
ويرِد في الكتاب مقطع عن محاولة انقلاب الحزب القومي في عام 1961 وردّة الفعل الوحشيّة «التي قام بها الشهابيّون وزبانيتهم» على حدّ تعبير الخليل (ج2. ص. 483). هذا الفصل في تاريخ الشهابيّة مجهول من اللبنانيّين لأنّ معظم المتعلّمين وحَمَلة الشهادات الأجنبيّة متيّمون بتجربة فؤاد شهاب بالرغم من طائفيّة الرجل، وبالرغم من الصغائر التي طبعت شخصيّته، وبالرغم من سوء إدارته للجيش منذ عام 1948، ما فاقم من أزمة لبنان في الإقليم. الرجل لم يغادر لبنان طيلة فترة حُكمه، كما أنّه لم يغادر منزله في صربا بعد نهاية ولايته.
كيف يمكن نسيان القمع الذي تعرّض له القوميّون والأبرياء على حدٍّ سواء، ومِن كلّ الطوائف لأنّ الحزب القومي كان جامعاً خِلافاً لكلّ الأحزاب الأخرى؟ والسلطة قتلت عشرات من الناس، إمّا في إعدامات ميدانيّة بحجّة أنّهم حاولوا الفرار أو تحت التعذيب (ترِد تفاصيل عن الضحايا في كتاب فؤاد عوض «الطريق إلى السلطة» وفي عدد خاص لـ»الأنباء»). ويعترف الخليل أنّ أوامر صدرت من سلطة فؤاد شهاب لـ»اعتقال كلّ من انتسب إلى الحزب القومي منذ تأسيسه حتى ساعة الانقلاب، سيان أكان المُنتسب لا يزال مُنتسباً أم ترك أو أصبح خصماً أم انتسب إلى حزب آخر» (ص. 483). لا يمكن تشبيه تلك المرحلة إلّا بالمكارثية الأميركيّة ضدّ الشيوعيّة، لكنّ المكارثية الشهابيّة كانت أشدّ قسوة وعُنفاً وفظاظة.
تكرّس الحُكم البوليسي من خلالها. وزاد من غضبة السلطة الشهابيّة أنّ النعرة الطائفيّة لم تكن موجودة بين الأعضاء المتعدّدي الطوائف وإنْ كانت السلطة قد مارست تمييزاً طائفيّاً في التعامل مع الضحايا. يضيف الخليل عن حملة الاعتقالات الشاملة: «لم تعد السجون والثكنات تستوعب المعتقلين، الأمر الذي اضطرّهم إلى استعمال المدينة الرياضيّة سجناً عاماً، وما لبثت بدورها أن امتلأت بزائريها على رحب أماكنها وتعدّدها» (ص. 483). والذي جعل الخليل، على خلاف معظم الذين كتبوا عن تلك المرحلة (بتزوير فظيع في حالة فؤاد بطرس)، حسّاساً لحقوق الإنسان التي خرقها عهد شهاب أنّ السلطة اضطهدته مع أخوَيه وجماعته وصادرت أسلحة منهم واعتقلت مئات من مناصريه. هذه المرحلة لم تحظَ بعد بعناية المؤرّخين والمختصّين (أعمل مع الصديق بدر الحاج على إعداد «كتاب أسود» عن العهد الشهابي).
ويُحسِن الخليل في وصف حالة السجون التي عاشها. الشهابيّة تتضمّن أيضاً التعذيب والقمع والاضطهاد والحُكم البوليسي وفرْض منْع التجوّل في المخيمات الفلسطينيّة، بالإضافة إلى الضمان الاجتماعي ومجلس الخدمة المدنيّة. قابل الخليل فؤاد شهاب بعد خروجه من السجن، وزعم الثاني أنّه لم يعلم بخبر الاعتقال إلّا بعد تنفيذه. أمّا سبب الاعتقال، بحسب السلطة، فهو أنّ اسمه ورد في تشكيلة وزاريّة للانقلابيّين (ص. 513).
يتوضّح دور الحلف في السياسة الخارجيّة بعد حرب 1967 عندما عارض موقف الدول العربيّة الإجماعي في قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع أميركا وألمانيا وبريطانيا بسبب دعمها المُطلق لإسرائيل
نعلم الكثير عن ألاعيب السياسة اللبنانيّة من كتاب كاظم الخليل لأنّ المؤلّف من مَهَرة الإبحار في دهاليز السياسة المحليّة. يذهب إلى فؤاد شهاب (الذي يتدخّل في أصغر شؤون الدولة فيما تُظهِره الدعاية الموالية له على أنّه مُترفِّع) ويبالغ في الحجم السياسي لأخصامه، إذ يقول: «كان الرئيس شهاب يكره اليساريّين والناصريّين كرهاً لا حدودَ له، وقد قصدتُ أن أستغلّ هذا الكُره لمصلحتي وإيهامه بأنّ اليساريّين والناصريّين أقوياء لدرجة ربح المعركة إن بقينا فريقَين مختلفَين» (ص. 517). يقول له فؤاد شهاب، المترفّع، عن احتفال فوز اليساريّين والناصريّين: «هذا لا يجوز ولا أسمح به». يضيف شهاب: «سأعطي تعليماتي لـ...عدم نجاح الأحزاب» (ص. 518). هكذا كانت تُدار انتخابات لبنان في الزمن الجميل.
يتحدّث الخليل كثيراً عن دوره في إنشاء «الحِلف الثلاثي» الذي واجه الشهابيّة والناصريّة في انتخابات 1968 عندما عنونَت جريدة «النهار» عن نتائج الانتخابات بالقول: «الحِلف في كلّ مكان». لا شكّ أنّ الخليل أدّى دوراً في إنشاء عمل الحِلف وتنظيمه، لكنّ بيار الجميّل يقول في مقابلة مع مجلّة «الدستور» في 4 كانون الثاني 1971 إنّه، «من دون تبجّح»، خلق «الحِلف الثلاثي» وإنّ كتابه المفتوح لرئيس الجمهوريّة آنذاك هو الذي شكّل نقطة الانطلاق للحِلف. لكنّ دور الخليل في هذا الحِلف غريب بعض الشيء: ما هو دور زعيم شيعي في تشكيل حلف ماروني طائفي صرف؟ ما هي فائدة أهل الجنوب من حِلف مثّلَ أقطابه آنذاك العداء ضدّ قضيّة فلسطين واليسار والناصريّة؟ لماذا يفخر الخليل بهذا الحِلف الطائفي الذي تحدّرت منه الجبهة اللّبنانية وائتلاف الأحزاب التي تحالفت مع إسرائيل في سنوات الحرب؟ والخليل ينسب الفكرة إلى نفسه منفرداً، إذ يقول: «الحِلف فكرةٌ راودتني منذ زمن بعيد وعملتُ على تحقيقها، بدافع من المصلحة العامّة، بواسطة اتّصالات أجريتها مع رؤساء الأحزاب الثلاثة وكنت أهدف من ورائها إلى تقريب وجهات النظر بينهم» (ص. 635). ألم يكن أجدى للخليل، وأكثر فائدةً للجنوب، لو أنّه بادر مثلاً إلى إنهاء الخلافات بين زعماء الشيعة وتقريب وجهات نظرهم للاتّفاق على مواجهة خطر إسرائيل؟ هل الخليل كان يمثّل كسروان أم جنوب لبنان الذي كان يعاني من عدوان إسرائيل منذ عام 1948؟ ويضيف الخليل منوّهاً بدوره: «وهنا أودّ أن أسجّل ارتياحي إلى الدور الذي قمتُ به لأنّي أدّيتُ، ومن خلاله، خدمة وطنيّة كان لها أثر عام بالغ في تركيز السياسة اللبنانيّة». ما هي الخدمة الوطنيّة التي أدّاها الحِلف؟ هل كانت في تمييع سياسات لبنان وتخريبها نحو العرب وقضيّة فلسطين؟ على العكس من ذلك، إنّ تشكيل الحِلف أسهم في ترسيخ الانشطار السياسي اللبناني وتعميق الانقسام الطائفي والسياسي وسعى إلى ربط لبنان، خلافاً لمضمون «الميثاق الوطني»، بالمعسكر الغربي على حساب علاقات لبنان العربيّة.
ويتوضّح دور الحلف في السياسة الخارجيّة بعد حرب 1967 عندما عارض موقف الدول العربيّة الإجماعي في قطع العلاقات الدبلوماسيّة مع أميركا وألمانيا وبريطانيا بسبب دعمها المُطلق لإسرائيل، وطالب الحِلف رئيس الجمهوريّة بإعادة العلاقات إلى ما كانت عليه من وئام. وعن العمل الفلسطيني المسلّح في لبنان، يُعبِّر الخليل عن معارضة شديدة مع أنّ بيار الجميّل وكميل شمعون وافقا على «اتّفاق القاهرة» في عام 1969. وفي سرديّته عن العمل الفدائي، يغفل الخليل (الذي أعدّ مذكّرة للحِلف عن معارضة العمل الفدائي) الكثير من الحقائق ومنها أنّ لبنان لم يعامل الفلسطينيّين في لبنان معاملة حسنة أبداً، مانحاً الجنسيّة فقط للمسيحيّين منهم، ثم فرْض نظام قمع وتضييق على الفلسطينيّين وحظْر تجوّل صارم في المخيمات.
لا يذكر أنّ زبانية «المكتب الثاني» كانوا يعيثون فساداً في المخيّمات وأنّ الشعب الفلسطيني عندما تسلّح ثار على هذه المضايقات. كلّ الدول العربيّة، مثل الأردن وسوريا، عاملت الشعب الفلسطيني معاملة أفضل بكثير من معاملة لبنان لهم. والحديث عن تجاوزات الفلسطينيّين يبقى ناقصاً ما لم يقترن بالحديث عن تجاوزات اللبنانيّين. هل هناك أفظع من تجاوزات الكتائب والأحرار المتمثّلة بـ»السبت الأسود» مثلاً؟ والخليل غير مُقنِع أبداً عندما يزعم أنّ الحِلف (وهو فيه ومنه) وافق على اتّفاق القاهرة فقط لأنّ بيار الجميّل أقنعهم (بحُكم وجوده في الوزارة) أنّ رئيس الجمهوريّة رأى أنّ «الاتّفاق هو لمصلحة لبنان» (ص. 638).
وهل كميل شمعون وكاظم الخليل حدثان في السياسة حتى يقتنعا بمجرّد أنّ بعث لهما شارل حلو بطمأنة من عنده؟
ويتحدّث عن علاقته المتوتّرة مع سليمان فرنجيّة. عابَ عليه الخليل أنّه فضّل كامل الأسعد عليه، فما كان من فرنجيّة إلّا أن أجابه أنّ الحُكم في عهده يقوم على «سيبة» (هو وكامل الأسعد وصائب سلام) «تقوم من ثلاث قوائم لا تنفكّ عن بعضها، وإذا انتُزعت قائمة من قوائمها هبطت على الأرض وفقدت فعاليتها. لذلك سأعمل على إبقاء «السيبة» واقفة حتى نهاية ولايتي ولا أنصح أن تسع [هكذا وردت] (تسعى) إلى تقويضها» (ص. 667).
طبعاً، وقعت «السيبة» على الأرض بعد عام فقط من كلام فرنجية المذكور عندما وقعت الواقعة بينه وبين صائب سلام الذي استقال من الحُكم اعتراضاً على فساد العهد وعلى تقاعس الجيش في اعتداء شارع فردان في نيسان 1973. والأسعد ثار على فرنجيّة في عام 1976. عندها رأى فرنجيّة (في حديث مع الخليل) أنّه وشمعون أفضل قائمتَين (بديلتَين) للسيبة (وكان فرنجيّة قد عيّن ابن كاظم، خليل، سفيراً لدى إيران نظراً إلى العلاقة القويّة بين شمعون والشاه وبين الخليل والشاه. كان ذلك يوم كانت إيران الحليفة مع إسرائيل محمودة ومشكورة ومُباركة من قِبل اليمين اللبناني).
(يتبع)
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس
