دَورُ زعماء الشّيعة في لبنان المعاصــر: مذكّرات كاظم الخليل [12]

![دَورُ زعماء الشّيعة في لبنان المعاصــر: مذكّرات كاظم الخليل [12]](https://media.al-akhbar.com/store/archive/image/2026/5/22/1c98a0ec-961d-47fc-b8c5-853e78a0e526/2.jpg?width=1200&format=jpg)
ما يزالُ الحديثُ هنا عن مُذكّرات كاظم الخليل التي صدرت حديثاً بعنوان: «مذكّراتي: كاظم الخليل»، عن دار سائر المشرق. عنصريّةُ الخليل ضدّ الفلسطينيّين، كشعب، واستسهاله إطلاق الأحكام ضدّهم تلفتُ القارئ. نافرة، كما يجب أن تكون. هو حسّاسٌ فقط نحو المسيحيّين في لبنان ولا يريد أيّ تعميم أو ترويج لصورة نمطيّة عنهم. لكن عندما يتعلّقُ الأمر بالشّعب الفلسطيني تجد الخليل يقول «الفلسطينيّون يستهدفون منازلنا» أو «أخذ الفلسطينيّون يلتمسون الذرائع». لا يتورّع عن القول إنّ للفلسطينيّين «قضيّة غير قضيّة فلسطين وهي إزالة العائلات البيروتيّة والبيوت القديمة التي تؤمن بالمبادئ الديموقراطيّة ولا تؤمن بمبادئ اليساريّة» (ص. 695).
عن الديموقراطيّة: أيَّ ديموقراطيّة يقصد هنا؟ هل هي الانتخابات المزوّرة التي دبّرها رئيسه، كميل شمعون، بالتعاون مع المخابرات الأميركيّة في 1957، أم اللّجوء إلى حرب أهليّة في 1958 لتمكين الحاكم من التجديد غير الشرعي لولايته؟ ثم كيف يتحدّث عن العائلات البيروتيّة والفلسطينيّين؟ ألم تكن الزعامات البيروتيّة هي التي كانت في 1975 و1976 تستنجد بياسر عرفات لإنقاذهم في قمّة عرمون من حِمم اليمين الانعزالي والجيش الفئوي؟ كان ذلك عندما كان الخليل يزور حافظ الأسد ويعرض على النظام السوري كونفدراليّة بالنيابة عن شمعون والجميّل وفرنجية. والنظام الديموقراطي الذي كان سائداً في سنوات ما قبل الحرب وما قبل الطائف كان نظام أبرثايد صريح، ولم يكن الخليل يعترض على الغبن والظلم الذي ألحقه النظام بالمسلمين وغيرهم.
يقول إنّ قادة المقاومة انزعجوا من موقفه المعارض لتنحية فرنجيّة. وكان زعماء سنة وشيعة (صائب سلام وكامل الأسعد وغيرهم) قد وافقوا على القرار لإنهاء الحرب الأهليّة لكنّه يربط موقفهم بياسر عرفات. عرفات كان حليفاً للزعماء البيارتة (وكان قد اتّهم عرفات بأنّه أراد إزالتهم) وهم استغلّوه لغاياتهم في تحسين موقعهم داخل النظام وفي الميدان، في شوارع بيروت التي كاد الكتائبيّون يغزونها وأن يسيطروا على كلّ بيروت الغربيّة من خلال حرب الفنادق التي أشعلوها.
إذا كان التحالف مع المقاومة الفلسطينيّة مُشيناً، في رأيه، فلماذا لا يكون التحالف مع إسرائيل من قِبل اليمين الانعزالي مشيناً أيضاً؟ ثم يقول إنّ قادة المقاومة الفلسطينيّة اتّخذوا قراراً بـ«نسف» منزله العائلي، ويقول إنّ التنفيذ وقع على «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين التي يرأسها جورج حبش» (ص. 695). لكن هذا غير صحيح. الذين قاموا بهذا العمل كانوا لبنانيّين من منطقة صور في تنظيم حزب العمل الاشتراكي العربي – لبنان (هو يضطرّ إلى الاعتراف بذلك بعد ذلك عندما يقول «كان بين المهاجمين أفراد من أبناء صور»، لكنّه يعود ليستخلص «هذه قصّتنا مع الفلسطينيّين»، ص. 697).
لكنّه لا يريد أن يبحث في أسباب نموّ النقمة والاستهجان من قِبل أهل صور ضدّ زعامته وزعامة كامل الأسعد. ودَيدن اليمين الطائفي في لبنان: يربطون كلّ من يقف ضدّ إسرائيل بجهة خارجية وينتقصون من لبنانيّتهم. اللّبنانيّون الذين تحالفوا مع منظّمة التحرير أصبحوا فلسطينيّين غير لبنانيّين تماماً مثلما يقوم اليمين اليوم بنَفي لبنانيّة المقاومين اللّبنانيّين الجنوبيّين وجعْلهم إيرانيّين.
ينسب لنفسه صعود الرؤساء وانتخابهم: من سليمان فرنجيّة إلى رشيد الصلح. عن استقالة رشيد الصلح، يعترض عليه لأنّه لم يستقل من دون ضجّة. يومها، في أيار 1975، ألقى رشيد الصلح بيان استقالة طويلاً وحمّلَ فيه حزب الكتائب اللّبنانيّة المسؤوليّة، ليس فقط عن مجزرة عين الرمّانة بل عن تفجير الحرب الأهليّة. نزل الصلح يومها عن المنبر وغادر القاعة. ذكر الخليل أنّ أمين الجميّل شتمه (ص. 700) (وبعبارات سوقيّة وذكوريّة) لكنّه لم يذكر أنّ الجميّل شدّه من يده محاولاً إجباره على العودة إلى القاعة لسماع ردّ «الكتائب»، ولم يذكر كيف أنّ النائب مرشد الصمد (وكان ضخم الجثّة) وقف في وجه أمين الجميّل وأجبره على ترْك رشيد الصلح كي يغادر المجلس بسلام (يومها وصفت جريدة «العمل» الكتائبيّة الصلحَ بعبارة لا يمكن ذِكرها في جريدة عائليّة).
عرض صديقه سليمان فرنجيّة الحكومة العسكريّة عليه. وفي الوقت الذي رأى معظم السياسيّين أنّ الإجراء مخالف للدستور والأعراف في لبنان، لم يعترض الخليل على تشكيلها وظنَّ لأوّل وهلة أنّه عضوٌ فيها. شرح له لوسيان الدحداح أنّ الحكومة لم تضمّه. نصح الخليل الحُكم باتّخاذ إجراءات «ضروريّة» في أوّل عهد الحكومة ومنها: «إعلان حال الطوارئ، ومنْع التجوّل، ومنْع نقل الأسلحة، ومراقبة الصحف، وقمْع كلّ شغب بسرعة وقوّة. إذا لم تتّخذ الحكومة هذه الإجراءات، فلن يُكتب لها النجاح» (ص. 704). كاظم الخليل أراد تحويل الحُكم في لبنان إلى حُكم عسكري فاشي. لحُسن الحظ، فشلت الحكومة العسكريّة وجوبه رئيس الحكومة المُعيَّن (نور الدين الرفاعي) بمعارضة إسلاميّة عارمة.
اعترف أنّ «أبناء الطائفة السنيّة» اختاروا رشيد كرامي. هذه لم يستطع أن يحمّلها على كاهل ياسر عرفات. يتحدّث عن المعارك بين الشيّاح وعين الرمّانة ويزعم أنّ المقاتلين في الشياح (وهم من أبناء المنطقة) كانوا غرباء من جيش التحرير الفلسطيني. طبعاً، صوّر الخليل مقاتلي عين الرمّانة (الذين كانوا أوّل من فجّر الحرب الأهليّة والذين ابتدعوا ممارسات وحشيّة في الحرب) تصويراً بطوليّاً وخارقاً (ج.2، ص. 706). هنا يبرز التناقض في شخصيّة الخليل: يعادي الفلسطينيّين واليسار بذريعة المسالمة، ثم يعتنق الممارسات القتاليّة لميليشيات اليمين الانعزالي.
النظام الديموقراطي الذي كان سائداً في سنوات ما قبل الحرب وما قبل الطائف كان نظام أبرثايد صريح، ولم يكن الخليل يعترض على الغبن والظلم الذي ألحقه النظام بالمسلمين وغيرهم
يَكُنّ الخليل كراهية وحقداً على رشيد كرامي. هنا يتّضح أنّ مشكلة الخليل مع الفريق الآخر لم تكن متعلّقة فقط بشخص ياسر عرفات أو ما يسمّيه تعميماً بـ«الفلسطينيّين» بل تتعلّق برؤية الإصلاح. يعترض أنّ كرامي كان متحمّساً للعروبة والإسلام (هذه تهمة عنده، بينما لم تكن الانعزاليّة والطائفيّة في الشرقيّة مزعجة له)، ويقول إنّ كرامي كان يريد وضْع مصادر السلطة كلّها «بأيدي المسلمين» (ص. 706). لم يقل كرامي ذلك يوماً. ويثور الخليل لأنّ كرامي طالب، يا للهول، بـ«المناصفة بين المسلمين والمسيحيّين». أي إنّ الخليل استبطن عقيدة حزب شمعون إلى درجة أنّه كان مؤيّداً وبصراحة كلية لمنطق الهيمنة السياسيّة المارونيّة والتي فرضت توزيعاً للمناصب والمغانم بصورة غير متناسقة مع الثقل الديموغرافي للطوائف.
ثم يستغرب الخليل كيف أنّ أهل منطقته في الجنوب نبذوه ونبذوا زعامته السياسيّة؟ لا يوافق الخليل كرامي بأنّ هناك «تشبّثاً مسيحيّاً (سياسيّاً، خاصّاً بالزعماء) بالوظائف العامّة والمراكز من الفئة الأولى» (ص. 706). وينقل الخليل عن سليمان فرنجيّة قصّة لا يقبلها عقل: يقول إنّ فرنجيّة عرضَ على رشيد كرامي أن «تُسند جميع الوظائف التي يشغلها مسيحيّون إلى مسلمين والتي يشغلها مسلمون إلى مسيحيّين» (ص. 707). رأينا في مفاوضات جنيف ولوزان كيف كان فرنجيّة (مثل شمعون وبيار الجميّل) متمسّكاً بشدّة بكلّ الامتيازات السياسيّة للموارنة. لا، وينقل الخليل عن كرامي رفْضه لهذا العرض لأسباب لا يعلمها إلّا الراسخون في الشأن الطائفي.
وعندما شكّل كرامي «لجنة الحوار» في 1975 عاداه الخليل لأنّه استثنى الزعماء الشيعة التقليديّين واختار مثقّقين واختصاصيّين شيعة بدلاً منهم. عدّ الخليل ذلك «طعناً بكرامة الطائفة الشيعيّة» (ص. 707). لكنّ الخليل لا يعترف أنّه بحلول 1975 كان النواب الشيعة قد فقدوا تماماً صفتهم التمثيليّة لأنّ المزاج الشيعي العام كان متراصّاً وراء أحزاب وتنظيمات من خارج البرلمان (مثل «أمل» وأحزاب الحركة الوطنيّة والمقاومة الفلسطينيّة). (هي المغالطة نفسها، أو الخدعة، عندما يذكِّر البعض اليوم بعدد النواب الشيعة، أي كلّهم آنذاك من الأحياء، عندما اقترعوا لصالح 17 أيّار في 1983.
كان لهؤلاء في 1983 ما لدى محمود عبّاس من الشرعيّة التمثيليّة بعد نحو عشرين سنة من آخر انتخاب له). أمّا لجنة الحوار التي أرادها رشيد كرامي مبادرة تلاقٍ بين النُّخب على أنواعها للوصول إلى حلّ للصراع الأهلي المسلّح، فهجاها الخليل لأنّه وصحبَه لم يكونوا ممثَّلين فيها. لا، هو يعلن مسؤوليّته عن إجهاض عملها عندما يقول: «ولا أُنكر بأنّي أجهزتُ عليها عندما حملتُ رئيس الجمهوريّة والجبهة اللّبنانيّة وبعض النواب المسلمين على أن يتنكّروا لها» (ص. 708). كيف له أن يزهو أنّه أفشل لجنة حوار كان مقدّراً لها أن تعالج أسباب الخلاف بين اللّبنانيّين؟ أليس العمل العام المثالي هو في أن يتنكّر المرء لمصلحته الشخصيّة وأن يعمل لمصلحة قضيّة تسمو على شخصه مهما رآه عظيماً؟
يروي قصّة لقائه مع عبد الحليم خدّام، وزير الخارجيّة السوري الذي سجّل أرقاماً قياسيّة في الفساد وفي ابتزاز أثرياء لبنان مقابل مناصب ووزارات، في أيلول 1975. يشكو له خدّام من المؤامرات ضدّ سوريا انطلاقاً من لبنان ويذكر الشيوعيّين غير مرّة. يردّ عليه الخليل أنّ صائب سلام استنكر توقيف شيوعيّين (لديه ضغينة قويّة على صائب سلام لأسباب مجهولة لعلّها تتعلّق بعدم توزيره في أوّل وزارة بعد انتخاب سليمان فرنجيّة).
خدام لديه اعتراض على نشاطات الشيوعيّين والعراقيّين واللّيبيّين ومنظّمات الرفض لأنّ الأخيرة «تشكّل خطراً على لبنان وعلينا أكثر من الفئات الأخرى» (ص. 714). هذا الكلام يساعد في فهم الدوافع الرجعيّة لتدخّل النظام السوري في لبنان لصالح الانعزاليّين. هنا الخليل (نائب رئيس لحزب اسمه «الوطنيّون الأحرار») يقترح على خدّام أن يضع حدّاً لكلّ هؤلاء وأن تقوم سوريا بـ«ضربهم والتخلّص منهم» (ص. 714).
يعده الخليل بأن تتّخذ الحكومة «بعض الإجراءات بحقّ الشيوعيّين والعمّال العراقيّين واللّيبيّين شرط أن تُلزموا المقاومة وجبهة الرفض بعدم مساعدتهم ومساندتهم» (ص. 715). تقرأ هذا الحوار وتتساءل كيف أنّ البعض احتسب النظام البعثي السوري في خانة الأنظمة التقدّمية في العالم العربي. هذا اللّقاء حسب رواية خدّام تضمّن عرضاً لإنشاء كونفدراليّة بين لبنان وسوريا، والخليل لا ينفي ذلك. شمعون وافق على المشروع لكنّ فرنجيّة لم يتحمّس له.
من المرّات النادرة التي يمرّر الخليل عرضاً نقدياً مُلطّفاً لميليشيات اليمين عندما أوقف حاجز لميليشيات اليمين أربعة شبّان، من مؤيّدي الخليل، قرب قصر العدل وقتلوهم أمام والدهم. اتّصل الخليل بفرنجيّة وشمعون والجميّل ووعدوه بالقبض على الفاعلين وإعدامهم، «ولكنّهم لم يُعدموا أحداً» (ص. 718). هنا صارح الخليل شمعون وفرنجيّة بما يحلّ «بجماعتي». الحلّ عند الخليل كان في استعمال الجيش لفرض الأمن، فقط في بيروت الغربيّة على الأرجح. حتى كميل شمعون، رئيس حزبه، صارحه بمخاوفه من إمكانيّة انقسام الجيش.
(يتبع)
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس
