دَورُ زعماء الشّيعة في لبنان المعاصر: مذكّرات كاظم الخليل [14]

ما يزالُ الحديثُ هنا عن مُذكّرات كاظم الخليل التي صدرت حديثاً بعنوان: «مذكّراتي: كاظم الخليل»، عن دار سائر المشرق. يلتقي الخليل مع صديقِه سليمان فرنجيّة الذي كان يلعب معه بانتظام «طاولة الزهر»، ويحدّثه قائلاً: «أو أنّك تنتظر المبادرة السوريّة لتخلّصنا؟ والتي أصبحتم تكيلون لها المديح ليلاً ونهاراً وتعلّقون عليها كلّ آمالكم. لستُ ضدّ سوريا، وأنا الذي أشرتُ عليكَ بإلحاح أن تتّصل بالسوريّين، وتتّفق معهم، وأنّ في ذلك مصلحة لبنان. لكنّ السوريّين إذا لم يحملوا على الحدّ من أطماعهم فلا يرعوون ولا يتراجعون. ألم يكونوا السبب بإحلال المصائب في البلد؟» (ج 2، ص. 762).
هنا يبرزُ موقفٌ متناقض للخليل، ببُعدَين اثنين:
1) هو قدّمَ أسخى عرْضٍ سياسيٍّ للنظام السوري في سنوات الحرب، عارضاً على حافظ الأسد وعبد الحليم خدّام وحدةً كونفدرالية تجمع بين لبنان وسوريا والأردن.
2) هو يلومُ النظام السوري كمُسبِّب للمصائب لكنّه كان قد لامَ مراراً مِن قبل منظّمة التحرير. الذي ينجو من لَومه بالشدّة والثبات والتنديد نفسه في تحليل الحرب هو إسرائيل.
يوضّح فرنجية له أنّ الأسد علوي وأنّ سوريا في أكثريّتها سنيّة «ولذا لا يمكنه ضرْب السنيّين هنا. هو يعالج الموضوع بأساليبه الخاصّة». هنا يتوضّح مسار موقف فرنجيّة من النظام السوري في الحرب. ليس صحيحاً أنّ العلاقة بين فرنجيّة والأسد كانت دائماً حسنة في عهده. في 1973، وردّاً على عدوان الجيش اللّبناني على المخيّمات الفلسطينيّة، قطعت سوريا الحدود مع لبنان وبادر ريمون إدّه إلى زيارة حافظ الأسد للطلب منه فتْح الحدود. العلاقة كانت أيضاً سيّئة بين فرنجيّة والأسد عند اندلاع الحرب إلى أن وافق فرنجيّة على الوثيقة الدستورية في شباط 1976 فتوثّقت العلاقة مذّاك. لم تتخلّلِ العلاقة شوائب باستثناء توافق فرنجيّة مع شمعون والجميّل على الحفاظ على صلاحيات الموارنة السياسيّة في اجتماعات لوزان وجنيف في الثمانينيّات.
لا يقبل الخليل أعذار فرنجيّة عن الموانع السنّية، فيذكّره، حسب روايته: «هذا عذر أقبح من ذنب. بالأمس رأيناه يقضي على المعارضة السنّية في سوريا، ويذبح رجالها ورجال الدين داخل المساجد، ويهدمها على رؤوسهم». يسأله فرنجيّة عن وسيلة أخرى غير سوريا فيقول الخليل: «الاستنجاد بأيٍّ من الدول، أجنبيّة كانت أم عربيّة» (ص. 763). لا يوضِّح الخليل ما يعنيه بـ«الأجنبيّة»، إذ لم يكن هناك أيّ دولة أجنبيّة مستعدّة أن ترسل قوّاتها إلى لبنان للتدخّل في الحرب الأهليّة غير إسرائيل.
يظهر التدخّل الإيراني في الشأن اللّبناني في تلك الأيام الشاهنشاهيّة. يروي الخليل: «اتّصل بي ولدي خليل هاتفيّاً، وأبلغني أنّه طلب من الشاه أن يوعز للأميركيّين بتأييد (ريمون) إدّه. وفي اليوم نفسه، تناول السفير الإيراني السيّد منصور قدر طعام الغداء إلى مائدتي، وأبلغني أنّه أبرق إلى إيران يبلغهم أنّني أؤيّد ترشيح إدّه، لأنني كنتُ طلبتُ منه ذلك، كما طلبتُه من خليل، قبل اجتماعي بالرئيس شمعون وإقناعه بترشيحه» (ص. 778). تقرأ ذلك وتتساءل: هل كان التدخّل يومها بسبب ولاية الفقيه أم بسبب ولاية ملك الملوك، الشاه؟
مرّة أخرى يتعرّض أناسٌ من «جماعة» الخليل للخطف ثم الذبح في بيروت الشرقيّة على أيدي جماعة حزب الوطنيّين الأحرار.
شكّلت المجزرة لحظة توتّر عابرة بينه وبين شمعون. يقول: «تأثرتُ كثيراً لهذا الحادث، واتّصلتُ بالرئيس شمعون وأبلغته استنكاري لما جرى واعتبار جماعته («جماعته»؟ أليس الخليل نائب رئيس حزب الوطنيّين الأحرار؟) مسؤولين عنه، وأنّه إذا لم يجرِ تحقيقاً ويعرف مَن هم المجرمون ويُنزل بهم العقاب، فيسكون لي منه موقف لا يرضى عنه، وأقلّه الانفصال عنه وعدم التعاون معه». وأدلى بتصريح قال فيه: «منذ أن بدأت بوادر المؤامرة الكبرى وأخذ السلاح يتدفّق على لبنان... تساءلتُ: ولماذا هذا السلاح والدعوة إلى حمله والتدريب عليه؟ هل هو من أجل مقاتلة العدوّ الصهيوني؟ بكلّ أسف كلاّ ثم ألف كلاّ. لأنّ الوقائع والأحداث لم تدل على ذلك...» (ص. 779). استنكر شمعون الجريمة «ووصفها بأبشع الأوصاف» ثمّ استنكر حزب الكتائب «ونفوها عنهم ونسبوها إلى رئيس عصابة من السريان» (ص. 780). انتهى الموضوع عند هذا الحدّ وبقي الخليل نائباً لرئيس حزب الوطنيّين الأحرار.
في ربيع 1976، يتّصل به صحافي مقرّب من كمال جنبلاط (الراحل علي قيسي) وينقل إليه رسالة فحواها رغبة في التعاون بينه وبين شمعون للمجيء بمرشّح غير إلياس سركيس واقترح ريمون إدّه، كما طالب بإجراء مصالحة «عامّة» بينه وبين شمعون (ص. 782). وقام الخليل بمبادرة مع حافظ الأسد لتأييد ترشيح ريمون إدّه ولقي ذلك ترحيباً من صائب سلام وإدّه. كان سلام شديد الحماسة لترشيح إده ويقول إنّ سلام عرض «دفْع مبلغ كبير له (أي لشمعون) لقاء تأييده لإدّه في انتخابات الرئاسة» (ص. 799) (علِم سلام من خلال تجربته في الحُكم مع شمعون تأثّره بالمبالغ السخيّة التي كانت تُدفع له مقابل تمرير مشاريع، وذكرَ ذلك في مذكّراته). ونقل حسين منصور العرض المالي نفسه للخليل.
يتحدّث الخليل بلهجة ناقمة عن موسى الصدر إذ يقول: «برزت نقمة شديدة على السيّد موسى الصدر باعتباره المسؤول عن زجّ الطائفة في أتون القتال، فتحمّلت من جراء ذلك عدداً كبيراً من الضحايا»
يتحدّث عن احتلال أملاكه في شبريحا وتطبيق مشروع «تأميم» من قبل مجموعة يسارية لبنانيّة (باءَ المشروع بالفشل السريع). لكنّه يلوم المقاومة الفلسطينيّة مع أنّ المشروع كان من صُنع حزب لبناني صرف، اسمه «حزب العمل الاشتراكي العربي-لبنان» (هو يذكر في ما بعد خطأً في السردية منظّمة العمل الشيوعي التي لم يكن لها علاقة بالأمر، ص. 814). ولم يكن للمقاومة الفلسطينيّة أي صِلة بالمشروع على الإطلاق. هو يذكر بعض بيانات التنظيم المسؤول وينسبه إلى «مجلّة «الثورة مستمرّة» التي يُصدرها الحزب الشيوعي» (ص. 815).
«الثورة مستمرّة» كانت مطبوعة (يومية وأحياناً أسبوعيّة) تابعة للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، التي كانت متحالفة يومها مع حزب العمل الاشتراكي العربي-لبنان (لكنّ التنظيمَين فكّا التحالف بينهما في ما بعد في الثمانينيّات). عندها قرّر الخليل مغادرة لبنان، مرّة أخرى، إلى طهران كي يُقيم هناك «بعض الوقت مع ابني خليل» وكي يقابل «الشاه هناك وأشرح له أوضاع لبنان وأطلب تدخّله» (ص. 809). طبعاً، طلب التدخّل الإيراني في حينه كان يدخل في خانة الحرص على سيادة لبنان واستقلاله.
ردّ الخليل بإسهاب على مزاعم الشيوعيّين الثوريّين الذين استولوا على أملاكه ونفى زعمهم أنّ الأملاك مغتصَبة في عهد الأتراك والفرنسيّين. قال إنّ الأملاك ليست موروثة بل مُبتاعة من أصحابها في سنة 1957 (ص. 917). فشل حزب العمل في مشروعه لتطبيق التأميم ودبّت الفوضى في المزارع وتحوّل التأميم إلى مشروع زراعي تقليدي في «تضمين» البساتين والاستفادة التنظيميّة من الأرباح. لا يخطئ الخليل في حُكمه على فشل الثوريين في إدارة الأراضي الزراعية تلك.
يتحدّث الخليل بلهجة ناقمة عن موسى الصدر إذ يقول: «برزت نقمة شديدة على السيّد موسى الصدر باعتباره المسؤول عن زجّ الطائفة في أتون القتال، فتحمّلت من جراء ذلك عدداً كبيراً من الضحايا» (ص. 818). وبرّرَ الخليل للميليشيات التي دار في فلك أحزابها مجازرها ضدّ الشيعة بحجّة أنّ «الشيعة تعاونوا مع الفلسطينيّين والأحزاب وقاتلوا لجانبهم». لكنّ الصدر كان ضدّ المشاركة في القتال في الحرب، لا بل هو تعرّض لنقد شديد من قبِل الحركة الوطنيّة عندما توصّل (من خلال وساطة الشيخ محمد يعقوب) إلى تسوية مع الميليشيات الانعزاليّة أدّت إلى تسليم أو إسقاط النبعة.
وأيّد الصدر ما سُمّيَ آنذاك بـ«المبادرة السوريّة» (أي التدخّل العسكري السوري ضدّ المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة) ووقف ضدّ الاستمرار في القتال ودفع بسبب ذلك ثمناً باهظاً أدّى في أوائل صيف 1976 إلى قتال ميليشيات حركة «أمل» وطرْدها من المناطق الخاضعة للحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينيّة. عندها، اضطرّ الصدر إلى اللجوء إلى دمشق وانضمّت «أمل» إلى بديل للحركة الوطنيّة (خلقه النظام السوري وعُرفَ بـ«الجبهة القوميّة» التي ترأّسها كمال شاتيلا).
يعترف الخليل بوقوف النظام السوري «بكلّ إمكانيّاته» (ص. 820) لدحر قوات المقاومة الفلسطينيّة والحركة الوطنيّة. وتجلّى هذا التأييد في سقوط مخيّمَي تل الزعتر وجسر الباشا. ويفصّل الخليل الحديث عن تحصينات جبّارة في المخيمات كأن ذلك يبرّر المجازر التي ارتكبتها الميليشيات اليمينية هناك. ومبلغ الخمسين مليون دولار الذي ذكرَ أنّه قيلَ إنّ المقاومة الفلسطينيّة أنفقته لتحصين المخيّم هو صُنع الخيال. كان طلّاب المدارس في بيروت الغربيّة يتطوّعون في عطلة نهاية الأسبوع لحفْر الخنادق في المخيّم لتحصينه خوفاً من هجومات محتملة من «الكتائب» و«الأحرار». لم يتلقّ الطلاب جراء ذلك أيّ أجر. ويعترف الخليل أنّ بعض سكّان المخيّمات الفلسطينيّة كانوا من المسيحيّين (مثل «مهاجميهم»، ص. 820). ليس من استهجان أو استفظاع من الخليل عن مجازر اليمين في المخيّمات. بالعكس، تراه يصف من دون عاطفة ما جرى: «ولمّا كان حزب الوطنيّين الأحرار قد تحمّلَ (بالحرف) أكثر من سواه مسؤوليّة القتال فقد أُطلقَ على تل الزعتر اسم تلّ النمور، لأنّ مقاتليه يُعرَفون بنمور الأحرار، ولأنّ الرئيس شمعون يحمل إضافة إلى اسمه اسمَ والده نمر شمعون. وأزال المقاتلون كلّ أثر للمقاومة في تلك المنطقة ولم يبقَ في المناطق المسيحيّة أيُّ وجود لأيّ فلسطيني أو أيّ شيء يعود للفلسطينيّين منقولاً كان أم غير منقول» (ص. 823). يتحدّث عن طرْد كامل الأسعد من بيروت الغربية ويقول إنّ «الفلسطينيّين والأحزاب لم تتحمّل أيّ تعاون بين رجال السياسة» والنظام السوري. لكنّ الخليل كان ضدّ النظام السوري في المرحلة الأولى من حرب السنتَين لكنّه عاد ووافق على تدخّل النظام السوري العسكري عندما كان مُوجَّهاً ضدّ الحركة الوطنيّة والمقاومة الفلسطينيّة. يقول: «وقد وجدتُ أنّ أصدق وصْف ينطبق على واقع الفلسطينيّين في لبنان ما أورده الرئيس الأسد في خطابه بتاريخ 1976\7\20 الذي ألقاه باجتماع عام أمام أعضاء مجالس الإدارات السوريّة» (ص. 824).
يتحدّث الخليل بصراحة ليس فقط عن الخلاف المعروف بين الأخوَين بشير وأمين الجميّل، بل أيضاً «بين الأخوَين شمعون، دوري وداني ولدَي الرئيس شمعون، فلا يتعاون أحدهما مع الآخر. وقد أتاني مرّة داني شاكياً تصرّف شقيقه، وكذلك بعض تصرّف والده، وهدّدَ بأنّه سيترك القيادة العسكريّة والتعاون معهما إن لم يستجيبا لطلباته، وفي مقدّمتها تخصيص مبلغ شهري للأعمال العسكريّة، وتنحية بعض مسؤولي الحزب، ومن بينهم أمين الماليّة... أمّا الخلاف المزعج والمستمرّ، فهو بين ولدَيّ الجميّل وولدَي شمعون، بسبب أطماعهم وتزاحمهم على الزعامة في لبنان. وقد تعدّاهم هذا الخلاف إلى كلّ أفراد الحزبَين حتى أصبح كلٌّ ينظر إلى الآخر نظرة الخصم والعدوّ، ممّا أدّى إلى وقوع اصطدامات مسلّحة بينهما، ذهب ضحيّتها عدد غير قليل من مقاتليهما، وممّا أدّى أيضاً إلى ما نجم من موقعة عاليه-الكحّالة التي مُني بها المسيحيّون بخسارة كبيرة قيل إنّها بلغت أكثر من مئة قتيل ومئتي جريح» (ص. 831).
(يتبع)
* كاتب عربي
{@asadabukhalil} حسابه على إكس
