في ضرورة تجاوز النظام الطائفي

يعلّمنا التاريخ البشري أنّ الحرّية تُنتزع انتزاعاً ولا تُعطى، وهو ما لاحظه الشاعر أحمد شوقي فعبّر عنه قائلاً «وللحرّية الحمراء بابٌ بكلّ يدٍ مضرّجةٍ يُدقُّ». حتى عندما سار غاندي بمسار النضال اللاعنفيّ فإنّ يده كانت مضرّجة بدماء مَن قضى من شعبه بمذابح البريطانيّين ردّاً على وقوفهم في وجه الإمبراطوريّة، والحرّية الهنديّة كانت حمراء أيضاً، بدماء شعبها، كما كانت حرّية الشعب الفييتنامي والجزائري والإيرلندي وبقيّة شعوب العالم.
الحرّية مكلفة، لا هي تُعطى هبةً من الأقوياء طالبي استعباد الشعوب، ولا هي تُقَدّم مجاناً على طاولة مفاوضات كما يتخيّل كثيرون من شعبنا من رئيسي الجمهوريّة والحكومة، وأعضاء الحكومة، الذين يعلمون ماذا يفعلون، إلى آخر غائب عن الوعي في شعبنا، لا يعلم ماذا يفعل، إمّا لحقد أو لجهل. الحرّية تُنتزع انتزاعاً من بين أنياب الهيمنة، والشعوب التي انتظرت العدل من خصومها بقيت تحت السيطرة أو أُبيدت. لم تحصل على حرّيتها إلّا الشعوب التي أدركت أن التحرّر مسؤولية وقدرة، فصنعت مصيرها بنفسها عبر تضحيات هائلة دفعت ثمنها دماراً ودماءً عبر نضال شرس.
ما نراه اليوم في لبنان من هجمة شرسة على المقاومة، مناقض لمنطق التحرّر في هذه الحياة. لو أنّ المناهضين للمقاومة هم مناهضون لأن تكون المقاومة من فريق طائفيّ واحد، ويدعون في المقابل لمقاومة شعبيّة ينخرط فيها الشعب مع الجيش، لكانت معارضتهم مفهومة على أنّها نابعة من حرص على البلاد، ولكنّ المناهضة للمقاومة اليوم لا تنبع من هذا الحرص، هي معارضة ترفض المقاومة كمقاومة، وترفض أن يقوم الجيش بمهامه الأساس، هي مناهضة تفرّط بالبلاد، بالأرض والشعب والسيادة. هذه ليست معارضة، هي مناهضة لكلّ مقاومة للعدوّ وبالتالي قصر نظر عند الذين لا يعلمون ماذا يفعلون، وتفريط بالبلاد عند الذين يعلمون ماذا يفعلون.
الدول التي تعلن أنها ستواجه العدوان بالتحشيد الديبلوماسي فقط، بينما يتعرض شعبها للقصف والتهديد، تعوّل على الوهم.
الديبلوماسية أداة في العلاقات الدولية عندما يرافقها حدّ أدنى من القدرة. عندما يجلس فريق لمفاوضات وهو قد استغنى عن كلّ إمكانيّات وقدرة فهو يذهب ليستسلم. من يمشي في مسار مليء بدفع الأثمان مقابل «مكاسب» افتراضيّة تمرّ بمفاوضات مستقبليّة لا تنتهي، هو يسير بمسار أوسلو بعد أوسلو، وهذا دليل إمّا على غباء أو على تقصير في المسؤوليّة يبلغ حدّ الجريمة.
الدول والشعوب لا تحميها بيانات الشجب ولا المؤتمرات الدولية، ما يحميها هو قدرتها على الدفاع عن نفسها؛ وهذه الأخيرة مفقودة في لبنان لدى الجيش ويشترك في فقدانها جميع الأطراف، تلك التي تناهض المقاومة كما تلك التي تقاوم، فجميعها رفضت تسليح الجيش وأطاعت الإملاءات الأميركيّة في هذا المجال، تلك الإملاءات التي لا تريد قوّة وطنيّة في لبنان قادرة على مواجهة إسرائيل.
يتعنّت رئيس الجمهوريّة، ويتابع مفاوضات واضحة الإطار الاستسلاميّ، ويرضى مجلسَا الوزراء والنوّاب (ما الذي يمنع مجلس الوزراء من الاعتراض على موقف الرئيس والاستقالة، وما الذي يمنع مجلس النوّاب من طرح الثقة بالحكومة؟). أين نذهب من هنا؟ من الواضح أنّ السماح لهذه الحكومة بالمتابعة يعني الوصول إلى خطوات أكثر توريطاً للبنان في المسار التطبيعيّ، لذلك ينبغي للأحزاب المعارضة لهذا المسار، مهما بلغ حجمها، العمل على إسقاط هذه الحكومة من ناحية، وخلق جبهة وطنيّة تجمع كلّ مَن يؤمن بضرورة جمع مواطن القوّة في البلاد، والمحافظة على الوحدة الداخليّة، والسعي لاحقاً إلى إحداث تغيير في النظام يجعلنا نتجاوز علّة العلل كلّها: هذا النظام الطائفيّ، تركة الاستعمار، ونقطة ارتكاز جميع أسباب ضعفنا.
يتحمّل مسؤوليّة استمرار هذا النظام الأحزاب الطائفيّة جميعها، ومنها الحزب الأقوى، وأقصد الشقّ السياسيّ في حركة المقاومة، هذا الحزب الذي لم يأنف أن يتعاون مع الأحزاب الطائفيّة الواقفة اليوم مع إسرائيل ضدّ بلادها، وأرضها وشعبها، لمنع أيّ تغيير في بنية النظام الطائفيّ. لا أمل لنا في بقاء لبنان حرّاً من سيطرة العدوّ في ظلّ النظام الطائفيّ. ما يُضعف قدرة لبنان، وقدرة الشعب على المقاومة، هو النظام الطائفيّ نفسه، وذلك أكثر من أيّ حزب محدّد.
* كاتب وأستاذ جامعي
