ما بعد الضربة الأولى: ترامب ونتنياهو ينتظران «انقلاباً»
شكّل اغتيال المرشد الإيراني نقطة تحوّل في المواجهة، مع رهان أميركي - إسرائيلي على إحداث صدمة داخلية تعيد تشكيل السلطة في طهران. غير أن التجارب السابقة تظهر أن اغتيال القيادات العليا لا يؤدي بالضرورة إلى ذلك، بل قد يفضي إلى إعادة إنتاج التماسك الداخلي.


شكّل اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، آية الله علي خامنئي، نقطة تحوّل غير مسبوقة في مسار المواجهة الأميركية - الإسرائيلية مع إيران. وإذ يأتي هذا التحوّل بعدما انحصرت المواجهة، طوال السنوات الماضية، في إطار تحييد القدرات: ضرب منشآت، تعطيل برامج، واحتواء نفوذ إقليمي، فإن استهدافَ قمة الهرم السياسي يشير إلى انتقال نوعي من إدارة الصراع إلى محاولة إحداث صدمة كبرى، مع ما ينطوي عليه ذلك من رهانات على إطلاق دينامية داخلية قد تفضي إلى تفكّك السلطة أو إعادة تشكيلها.
وفي هذا السياق، حمل خطابا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، عقب تنفيذ الاغتيال، رسالةً تكاد تكون شبه متطابقة، إذ دعا ترامب الإيرانيين إلى «أخذ مصيرهم بأيديهم»، فيما وجّه نتنياهو نداءً إلى «أطياف الشعب الإيراني» للتخلّص من نظام طهران. وبهذا، يراهن الاثنان على أن تؤدّي الصدمة والضربات الجوية إلى بدء تحرّك داخلي انقلابي ضدّ السلطة.
صحيح أن هذه الاستراتيجية تبدو «مغرية» نظرياً، إلا أن الوقائع على الأرض والتجارب التاريخية تنذر بمفارقات لافتة ومُبالغ فيها. فبينما ينظر الأميركيون والإسرائيليون إلى الحدث باعتباره فرصة لـ«إرباك» النظام الإيراني، ربّما تمهّد الطريق لانهياره، تُظهِر تجارب سابقة أن اغتيال القيادات العليا لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار فوري، بل قد يفضي، تحت ضغط خارجي، إلى إعادة إنتاج التماسك الداخلي، المبنيّ على قاعدة التهديد الوجودي الخارجي.
وفي الأصل، فإن الدعوة الصريحة من قبل ترامب ونتنياهو إلى تحرّك داخلي تمثّل، في حدّها الأدنى، إقراراً ضمنياً بحدود الفعل العسكري الصرف؛ أي إنّ الضربات العسكرية وحدها ليست كافية لتحقيق الهدف المُعلن، ما لم تترافق مع ردّة فعل داخلية في إيران نفسها. وكان عبّر ترامب عن هذا الرهان بوضوح، بقوله إنه «يسمع أن كثيرين من «الحرس الثوري» والجيش والقوات الأمنية لم يعودوا يريدون القتال، ويريدون الحصول على عفو من الولايات المتحدة»، مضيفاً: «نأمل أن يندمج «الحرس الثوري» والشرطة سلمياً مع الوطنيين الإيرانيين كفريق واحد لإعادة بلادهم إلى عظمتها».
تترك المواجهة العسكرية مجالاً لاحتمالات قد تعيد تشكيل التوازنات، وهو ما لا يوفّره أي «اتفاق استسلامي»
وبمعزل عن تلك الرهانات، فإن اغتيال خامنئي وكبار القادة العسكريين، يرفع مستوى المواجهة إلى درجة يصعب معها إيجاد مخارج دبلوماسية تقليدية، سواء لجهة وقف إطلاق النار أو لجهة إطلاق مسار تفاوضي متوازن، خصوصاً أن الهدف الأميركي - الإسرائيلي المُعلن، لا ينسجم بسهولة مع حلول جزئية، وأن مسار الحرب وتبعاتها السياسية مرتبط بمتغيّرات ميدانية وإقليمية ودولية قد تعيد تشكيل المشهد في اتجاهات غير متوقّعة.
من وجهة نظر إيران، لم تكن البلاد خلال الأشهر الماضية موضوعة أمام خيارَين متكافئَين: اتفاق سياسي أو مواجهة عسكرية، بل على مسارَين يؤدّي كلاهما إلى غاية واحدة: إسقاط النظام الإسلامي.
وبالفعل، أثبت التقدير الإيراني أن الهدف الأميركي - الإسرائيلي يتجاوز الملف النووي أو السلوك الإقليمي إلى بنية النظام نفسه وأسس وجوده، صوابيته، مع لجوء واشنطن وتل أبيب إلى الخيار العسكري، واغتيال القادة منذ الضربات الأولى.
مع ذلك، تحمل المواجهة العسكرية من وجهة النظر الإيرانية - رغم اختلال موازين القوى - عنصراً لا يوفّره «اتفاق استسلامي» يفضي إلى إسقاط النظام، وهو عنصر عدم اليقين، خصوصاً أن الديناميات العسكرية بطبيعتها مفتوحة على احتمالات متعدّدة، وقد لا تفضي بالضرورة إلى تحقيق الأهداف المُعلنة لأيّ من الأطراف. وهنا، يكمن جوهر القراءة الإيرانية: فإذا كان الاتفاق، في تقدير طهران، يقود إلى تآكل تدريجي لعناصر القوة ومن ثمّ سقوط النظام «بالتراضي»، فإن الحرب تترك مجالاً لاحتمالات أخرى قد تعيد تشكيل التوازنات.
أيّا يكن، لم يكن الانتقال الأميركي - الإسرائيلي إلى المواجهة نتيجة تعثّر تفاوضي، بل ثمرة قرار أميركي مُتخَذ سلفاً. وهو ما يعني أن صلابة الموقف التفاوضي الإيراني تستند إلى حساب استراتيجي يقوم على المفاضلة بين مسارَين، كلاهما مرتفع الكلفة، حتى وإن انطوت الخيارات العسكرية على مجازفة قد تطاول صانع القرار نفسه. وعلىّ أي حال، يبدو ترجيح أي نتيجة نهائية استناداً إلى وقائع الأيام الأولى للحرب، سابقاً لأوانه، في حين ستكون الحصيلة رهناً بتطورات الميدان وبقدرة الأطراف على تحمّل تبعات مرحلة مفتوحة على احتمالات متعدّدة، رغم الكلفة الباهظة التي تكبّدها الجانب الإيراني.
