افتراق أميركي - إسرائيلي: واشنطن لا تريد «النصر المطلق»

في ظلّ أجواء التعبئة الإعلامية الواسعة الجارية داخل إسرائيل، حيث تخضع التصريحات والتحليلات إلى رقابة مشدّدة، ويجري ضبط الخطاب العام بما يخدم العمليات العسكرية، نادراً ما تظهر قراءات نقدية أو نقاشات استراتيجية علنية. غير أن تقارير المراكز البحثية تبرز أحياناً باعتبارها نافذة لفهم النقاشات الحاصلة داخل دوائر القرار في تل أبيب وواشنطن، والتي لا تظهر عادة في التصريحات السياسية أو التغطيات الإخبارية اليومية.
وفي هذا السياق، أصدر "معهد أبحاث الأمن القومي" في "جامعة تل أبيب"، الخميس الماضي، تقريراً حمل عنوان "الحملة ضد إيران والاعتبارات الأميركية: بين تعظيم الإنجاز العسكري وضرورة الكبح". وفيما تكمن أهمية هذا التقرير الذي حمل الرقم 2111، في صدوره عن مؤسسة بحثية ذات حضور وتأثير واسعَين في النقاشات الأمنية الإسرائيلية، فهو يقدّم قراءة صريحة نسبياً لما يصفه بالتوتر القائم داخل الإدارة الأميركية بشأن مسار الحرب وحدودها.
ويكتسب هذا التقرير أهمية إضافية، من كون كاتبه هو الباحث إلداد شافيت (باحث أول في المعهد نفسه). وشافيت عقيد احتياط سابق في سلاح الاستخبارات الإسرائيلي، كما شغل سابقاً مناصب في أجهزة الاستخبارات، وترأس "شعبة الأبحاث" في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بين عامي 2011 و2015، حيث شارك في إعداد تقديرات استخباراتية تتعلّق بقضايا إقليمية ودولية.
وبحسب التقرير، تعيش الإدارة الأميركية تبايناً واضحاً بين اتجاهَين رئيسَين: الأول، يدفع إلى مواصلة الحملة العسكرية بهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر في القدرات الإيرانية، مستفيداً من الزخم العسكري والسياسي الحالي؛ فيما الثاني يحذّر من مخاطر إطالة أمد المواجهة، نظراً إلى تداعياتها الاقتصادية المحتملة، ولا سيما على أسعار النفط، إضافة إلى حساسيتها السياسية مع اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة.
نهاية الحرب قد تُحدّد في واشنطن بقدر ما تُحدّد في تل أبيب
ويقدّر التقرير أن هذا التباين قد يكون عاملاً مؤثراً في تحديد سقف العمليات العسكرية ونقطة توقفها. إذ إن واشنطن قد تعتبر أن إضعاف القدرات الإيرانية إلى مستوى معيّن يكفي لإعلان تحقيق إنجاز عسكري، والانتقال إلى مرحلة الاحتواء والردع، حتى من دون بلوغ الأهداف القصوى التي تطمح إليها تل أبيب. وفي هذا الإطار بالذات، يبرز الاختلاف الجوهري بين الرؤية الإسرائيلية وتلك الأميركية حيال الحرب؛ فإسرائيل تسعى إلى إحداث تغيير عميق في معادلة التهديد الإيراني، وذلك عبر توجيه ضربة طويلة الأمد إلى القدرات النووية والصاروخية وتقليص شبكة الحلفاء الإقليميين لطهران إلى الحدّ الأدنى. وفي المقابل، قد تكتفي الولايات المتحدة بإضعاف إيران وردعها ومنعها من استعادة قدراتها سريعاً، من دون السعي إلى تفكيك كامل لنفوذها الإقليمي أو تغيير النظام السياسي القائم.
ويعتبر كاتب التقرير أن هذه الفجوة في الأهداف تمثّل أبرز التحديات الاستراتيجية أمام إسرائيل. فنجاح الحرب، من وجهة النظر الإسرائيلية، لا يُقاس بحجم الأضرار العسكرية التي تَلحق بإيران فحسب، إنما بمدى استدامة تلك الأضرار وقدرتها على تغيير ميزان الردع على المدى البعيد. وفي حال توقّفت العمليات قبل تحقيق هذا التحول، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام إيران مُضعَفة مؤقتاً، لكنها قادرة على التعافي واستعادة قدراتها لاحقاً. وفي ملاحظة تعكس قدراً من الواقعية، يشير التقرير إلى أن إسقاط النظام الإيراني ليس هدفاً يسهل تحقيقه حتى في حال توسيع العمليات العسكرية. فالنظام، وفق هذا التحليل، يمتلك مؤسسات سياسية وأمنية ودينية راسخة تمنحه قدرة كبيرة على الاستمرار، بما يجعل الحديث عن تغييره بسرعة تقديراً مبالغاً فيه. وانطلاقاً من ذلك، يحذّر التقرير صنّاع القرار في إسرائيل من الافتراض أن هامش الوقت المتاح للعمليات العسكرية سيظلّ مفتوحاً، مشيراً أيضاً إلى أن العوامل الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة، وفي مقدّمها تأثير الحرب في أسواق الطاقة والرأي العام الأميركي، قد تدفع واشنطن في مرحلة لاحقة إلى تفضيل احتواء الصراع بدلاً من توسيعه.
وفي ضوء هذه المعطيات، يدعو التقرير إسرائيل إلى العمل على مسارَين متوازيين: الأول، عملياتي يهدف إلى تعظيم حجم الأضرار التي يمكن إلحاقها بالقدرات الإيرانية خلال مدة زمنية محدودة؛ والثاني، دبلوماسي يقوم على حوار مكثف مع الولايات المتحدة لتقليص الفجوة بين ما تعتبره تل أبيب "نصراً استراتيجياً"، وما قد تراه واشنطن "إنجازاً كافياً".
هكذا، يبدو أن الخطاب العلني حول الحرب، والذي يبدو متماسكاً إلى حدّ بعيد، يخفي خلفه نقاشات أكثر تعقيداً بشأن أهدافها وحدودها ونقطة انتهائها المحتملة. وعلى أيّ حال، فإن انتهاء الحرب، وفق ما ينبّه إليه التقرير نفسه وغالباً ما يغيب عن الخطاب الإعلامي العبري، إنما تُحدّد في واشنطن أكثر مما هي في تل أبيب، وذلك في ظلّ الدور الحاسم الذي تؤديه الاعتبارات الاقتصادية والسياسية الداخلية في الولايات المتحدة في تحديد مسار العمليات العسكرية وحدودها، حتى لو لم تتحقق جميع الأهداف التي تطمح إليها إسرائيل.

