إسرائيل تَقبل الهدنة على مضض: أين أهداف الحرب؟

وافقت إسرائيل رسمياً على وقف إطلاق النار المعلَن بالتوافق بين إيران والولايات المتحدة، بمعزل عنها عملياً، مؤكدةً التزامها الكامل به، غير أنها أعربت عن قلقها إزاء الاتفاق المرتقب إبرامه بين الجانبين، في ضوء الصيغ والبنود المتداولة في شأنه حالياً. ويعكس هذا الموقف الرسمي عمقَ المخاوف الإسرائيلية عقب الإعلان عن هدنة تمتدّ لأسبوعين، وما قد يعقبها من تسوية محتملة في حرب شاركت فيها تل أبيب من دون أن تتحكّم في مسارها أو نتائجها، وتُستبعد من صياغة تسويتها النهائية.
هكذا، يمثّل هذا الموقف خليطاً من الإنكار والرهان على ما بعد الهدنة، ومحاولة واضحة لإعادة صياغة النتائج بما لا يُظهر إقراراً بالفشل. ويعبّر ذلك التوجه، في جوهره، عن شعور متراكم بالتهميش وخيبة الأمل لدى إسرائيل؛ إذ ترى الأخيرة نفسها مُقصاة عن طاولة المفاوضات، رغم أن الحرب التي خاضتها بالشراكة مع الولايات المتحدة كانت موجّهة بالأساس لخدمة مصالحها وأهدافها الاستراتيجية.
غير أن خيبة الأمل هذه لا تعني الانكفاء؛ إذ من المتوقّع أن تعمل إسرائيل خلال فترة وقف إطلاق النار على الحدّ من أيّ آثار سلبية محتملة للاتفاق المنتظَر، سواء عبر عرقلته أو عبر تخفيف انعكاساته عليها قدر الإمكان، في حين يبقى السؤال مطروحاً حول قدرتها العملية على تحقيق الهدف المذكور.
وفور إعلان وقف إطلاق النار، تجلّت ثنائية «نوافق، ولكن» في البيان الرسمي الذي صدر عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو. إذ أعرب الأخير عن دعمه للجهد الأميركي لـ«ضمان ألا تشكّل إيران تهديداً نووياً أو صاروخيًا أو إرهابياً على أميركا وإسرائيل وجيرانها العرب»، مشدداً، في الوقت نفسه، على «ضرورة التزام الولايات المتحدة بتحقيق الأهداف المشتركة، بما يشمل حلفاء إسرائيل الإقليميين، في إطار المفاوضات المقبلة».
ورغم إيحائه بالمشاركة في القرار، يحمل البيان إشارات متناقضة بين القبول والقلق، وهو ما قد يحدّد ملامح الجهد الإسرائيلي خلال الأسبوعين المقبلين. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى ما يأتي:
أولاً، لم تكن تل أبيب طرفاً في بلورة اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت، كما لم تشارك في صياغة الخطوط العامة للاتفاق النهائي المنويّ إبرامه خلال الأسبوعين المقبلين، والذي يبدو أنه يحظى بموافقة من الجانبَين الأميركي والإيراني. ومع ذلك، ستسعى إسرائيل إلى فرض نفسها، إن أمكن، كطرف مؤثر في بلورة التسوية النهائية، رغم أنها تلقت قرار وقف الحرب كما لو كانت طرفاً إقليمياً ثالثاً، وليس طرفاً مشاركاً مباشراً في الحرب.
تقر أوساط سياسية وأمنية وإعلامية واسعة داخل إسرائيل بالفشل الاستراتيجي للحرب
ثانياً، اعتمدت إسرائيل خطاباً جماعياً أمام الولايات المتحدة بهدف تعزيز تأثيرها، بالنيابة عن نفسها وعن «حلفائها الإقليميين» من دول الخليج. وتعكس هذه المقاربة إدراكاً لمحدودية التأثير المباشر على القرار الأميركي الحالي، رغم الدور الكبير الذي لعبته تل أبيب في الدفع نحو الحرب. وهكذا، فإن نجاح إسرائيل في إشعال الحرب لم يضمن تأثيرها في كيفية إنهائها، خصوصاً مع الفشل في تحقيق أهدافها الأساسية، بعد عناد وإصرار وتهويل واستغلال لكلّ الخيارات الممكنة عسكرياً واقتصادياً. ثالثاً، يتناول بيان مكتب نتنياهو، أسئلة غير مباشرة عن تغييب أهداف الحرب - التي عملت إسرائيل إلى جانب الولايات المتحدة على تحقيقها خلال الأيام الأربعين الماضية - عن الصيغ المتداولة للاتفاق النهائي، ولا سيما في ما يتعلق بالقدرة النووية الإيرانية، ونسب تخصيب اليورانيوم، ومصير المخزون المخصّب، إضافة إلى القدرات الصاروخية، وملفّ «الإرهاب الإيراني» في إشارة إلى النفوذ الإقليمي لطهران وشبكة حلفائها في المنطقة. وفي ما يتعلق بتلك الأهداف، تبدو خيبة الأمل الإسرائيلية واضحة، وإن لم تُعلن بشكل مباشر.
رابعاً، من الواضح أيضاً أن الجهد الإسرائيلي سيتركّز، خلال الأسبوعين المقبلين، على نقل أهداف الحرب من الميدان إلى طاولة المفاوضات، مع السعي إلى تثبيتها من دون تعديل. غير أن هذا الجهد يبقى محلّ شك، رغم تأكيد بيان نتنياهو «ضرورة» التزام الولايات المتحدة بتحقيق «الأهداف المشتركة».
في النتيجة، تحرص إسرائيل على تصدير وقف إطلاق النار بصفته مجرّد هدنة تكتيكية لا نهاية للحرب، مع تحويل الرهان إلى طاولة المفاوضات، وهو ما يكشف عن إدراك متزايد لمحدودية القدرة الإسرائيلية على توجيه القرار الأميركي، الذي يُصاغ وفق حسابات واشنطن المستقلّة، بعيداً عن الأولويات الإسرائيلية المباشرة. وفي مقابل هذا الخطاب، تقرّ أوساط سياسية وأمنية وإعلامية واسعة داخل إسرائيل بالفشل الاستراتيجي للحرب، وخيبة الأمل من الرهان على الرعاية الأميركية، لا سيما وأن الحرب التي أُريد لها أن تنهي التهديد الإيراني بدت، في مآلاتها، وكأنها فتحت الباب أمام تعاظمه مستقبلاً. وهكذا، تتّسع الفجوة بين الوقائع الميدانية والسردية الرسمية «المثقوبة»، والتي يصعب ردمها بالبيانات المعلنة وحدها، وهو ما يضع تل أبيب وروايتها الرسمية أمام اختبار صعب في المرحلة المقبلة.

