رهان أميركي على الوقت: الحرب تَدخل «المنطقة الرمادية»

ليس الفصل الحالي من المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، جزءاً من تداعيات حرب تقليدية أو انعاكساً لمسار دبلوماسي تفاوضي، بل يبدو أقرب إلى صراع في «المنطقة الرمادية»، حيث تُوظَّف أدوات الضغط لاختبار الإرادة وكسب الوقت من جانب الطرفَين، مع حرص مشترك على عدم العودة إلى المواجهة الشاملة. والواضح أن العقوبات الاقتصادية، والحصار البحري، وإغلاق مضيق هرمز، كما الحرب الإعلامية والنفسية، والمناورات العسكرية المحدودة، باتت هي أدوات القتال الرئيسة لدى كلّ من الطرفَين، اللذين يهدفان من خلالها إلى فرض واقع جديد على الأرض، وانتظار لحظة انهيار الخصم تحت وطأة الاستنزاف المتواصل. وحين يكرّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن الساعة تدقّ لمصلحته، وأن إيران «لا تملك الوقت»، فهو يكشف عن رهان استراتيجي واضح، عنوانه أن استمرار الضغوط الاقتصادية والعزلة الدبلوماسية سيُنتِج تأثيراً تراكمياً يُضعِف القدرة الإيرانية على الصمود، ويحمل طهران على القبول بشروط ترفضها الآن. لكن هذا الرهان يتجاهل معادلة إيرانية مقابِلة، قائمةً على الاعتقاد بأن الوقت يعمل أيضاً، وربّما أولاً، ضدّ واشنطن.
هكذا، تحوّل الحصار البحري المفروض على إيران، كما إغلاق المضيق نفسه من جانب الأخيرة، من ورقتَي ضغط إلى عنوان أوّل ورئيس للمواجهة، في وقت يستمرّ فيه إطلاق التهديدات وتظهير التوثّب العسكري، الذي تجلّت آخر صوره في الإعلان عن وصول حاملة الطائرات «جورج بوش» إلى المنطقة، حيث ستنضمّ إلى الحاملتَين «جيرالد فورد» و«أبراهام لينكولن» لتعزيز القوات الأميركية حول إيران. وينبئ هذا الإعلان بأن الولايات المتحدة تعيد تدوير استراتيجيتها المعتادة القائمة على التلويح بالخيار العسكري الشامل - في غياب مسار تفاوضي واضح -، بهدف انتزاع تنازلات من الطرف الآخر. ولذا، يجدّد ترامب تخيير الجمهورية الإسلامية بين الاستسلام ومواجهة الحرب الشاملة والتدمير. لكن هل يجد آذاناً تسمع هذه التهديدات في طهران؟
المعادلة الإيرانية تقوم على أن الوقت لا يلعب ضدّ طهران وحدها
تكشف تقارير لافتة في الأيام الأخيرة، من بينها ما نشرته شبكة «سي إن إن» وصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية على موقعها، بالاستناد إلى مداولات أميركية داخلية، أن الإدارة قدّرت بشكل خاطئ عزم إيران على إغلاق المضيق، الذي لم تعُد حتى الضربات الموجَّهة تكفي لإعادة فتحه، ما لم تُدمّر كامل القدرات الإيرانية، وهو هدف شبه مستحيل عملياً. كما أن إيران نجحت في نقل جزء كبير من صواريخها ومُسيّراتها إلى مواقع جديدة، ما يجعلها قادرة على الاستمرار في الضغط حتى تحت الحصار. وعليه، فإن التلويح بالعودة إلى الخيارات العسكرية، توازياً مع تشديد الخناق البحري، ليس من ما يمكن الرهان عليه لتحقيق الأهداف المُعلَنة أميركياً، لكنه قد ينفع في دفع إيران إلى تليين موقفها، في حال تلقّت تنازلات مقابلة، وهو أيضاً ما لا يريده الأميركيون.
في المعادلة البحرية، حيث يجري الاختبار الرئيس حالياً بين الجانبَين، من يتراجع أولاً لا يفقد المبادرة التكتيكية فقط، بل ينزلق نحو تآكل مصداقيته الاستراتيجية، ما يفتح الطريق واسعاً أمام الطرف الآخر لترسيخ رهانه على الإخضاع. فالتراجع الأميركي سيعني عملياً انهيار استراتيجية الضغط غير العسكري، وسيمنح إيران هامشاً أكبر للمناورة السياسية، بينما التراجع الإيراني سيُترجم قبولاً بواقع الهيمنة الأميركية، ويُظهِر للولايات المتحدة صحة رهاناتها، وإمكانية فرض شروطها على الجمهورية الإسلامية. لكن ماذا لو لم يتزحزح أيّ من الجانبين عن موقفه؟ هنا تكمن المفارقة الخطيرة؛ فالأزمات المتصاعدة والضغوط المستمرة لا تولّد بالضرورة ردود فعل محدودة ومحسوبة، بل قد تدفع الأطراف إلى قرارات متسرّعة أو انفعالية أو تصعيدية تنسف كلّ الحسابات الباردة أو الاستراتيجية. وإذا استمرّ هذا الجمود، فإن الخطر الأكبر لن يأتي من قرار حرب مُعلَن ومُخطّط له، بل من حادث عابر أو قراءة خاطئة أو خطوة متقدّمة قد تفجّر المواجهة من دون سابق إنذار.

